ما هي التعليمات التي نقلها مسؤول «حزب الله» من طهران وأقلقت فرنسا؟

لا تبدو إقامة الرئيس المكلف سعد الحريري في باريس حاليا أمرا عاديا. فهو، وعلى الرغم من الاعلان عن مشاركته في احتفالات عيد الهدنة الأحد المقبل في العاصمة الفرنسية، وتلبيته دعوة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الى مأدبة غداء تشمل 60 رئيس دولة يشاركون في “منتدى السلام”، يمارس إبتعادا عن أزمة تأليف الحكومة العالقة حتى الان عند العقدة التي صنعها “حزب الله” بشأن تمثيل أحد نوابه السنّة . لكن هذا الابتعاد، ووفق معلومات ديبلوماسية ل”النهار”، مرتبط بتحرّك فرنسي على أعلى المستويات تداركا لضغوط إيرانية في لبنان عبر الحزب من شأنه ان يهدد السلام اللبناني برمته!

اقرأ أيضاً: هل تحقق العقوبات على إيران ما يريده ترامب؟

خلال الايام القليلة الماضية نشرت “النهار” المعطيات المتصلة بزيارة الموفد الخاص للرئيس الفرنسي المستشار اوريليان لوشوفالييه لإسرائيل ثم بيروت بعدما رددت امامه السلطات الاسرائيلية تحذيراتها وتزايد الادعاءات حيال وجود صواريخ في اماكن آهلة خصوصا في محيط مطار رفيق الحريري الدولي. وفوق هذه المعطيات، تفيد المعلومات الديبلوماسية المشار اليها، ان مسؤولا بارزا في “حزب الله” زار طهران خلال الاسبوعيّن الماضيين بناء على إستدعاء من قيادة الحرس الثوري الايراني – فيلق القدس التي يرتبط بها الفرع اللبناني. ووصفت هذه المعلومات مسؤول الحزب بإنه الشخص الذي حلّ مكان الحاج عماد مغنية في المنصب الذي كان يتبوأه الاخير في الهرم العسكري للتنظيم اللبناني قبل أن يسقط في إنفجار بدمشق في 12 شباط عام 2008. ووفق هذه المعلومات، فإن محادثات طهران دارت حول تزويد طهران “حزب الله” بإسلحة متطورة لم تصل الى الاخير من قبل، الامر الذي حرّك تهديدات جديدة من إسرائيل تولت باريس متابعتها على أكثر من مستوى.
بالطبع، لم يتأخر الجانب اللبناني ممثلا بوزير الخارجية في حكومة تصريف الاعمال جبران باسيل بنفي هذه المعطيات خلال إستقباله الموفد الخاص للرئيس ماكرون. لكن هذا النفي، لم ينه الموضوع خصوصا بعد التعامل الاخير للامين العام للحزب السيد حسن نصرالله مع الجولة التي قام بها الوزير باسيل مع الديبلوماسيين في محيط المطار قبل أسابيع لدحض إتهامات رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو في الامم المتحدة حول وجود مواقع لصواريخ “حزب الله” في محيط المطار. فنصرالله رفض مبدأ نفي الاتهامات الاسرائيلية مفضلا إسلوب “الغموض البنّاء”.
في موازاة ذلك، تفاعلت إعلاميا الانباء حول الزيارة الرسمية التي قام بها نتنياهو لسلطنة عمان ومن بينها المعلومات التي ترددت حول رسالة اودعها رئيس الوزراء الاسرائيلي في مسقط من أجل نقلها الى طهران تتضمن تحذيرا من مغبة إستخدام الصواريخ الايرانية عبر “حزب الله” ضد إسرائيل. لكن العاصمة الايرانية التي نفت علمها بوجود رسالة، هاجمت بقوة زيارة نتنياهو للدولة الخليجية التي تعتبرها احد نوافذها المهمة على العالم، ووجهت إنتقادات قاسية للسلوك العماني في الانفتاح على إسرائيل. لكن هذه الحملة الايرانية تراجعت فجأة في الساعات الماضية، وتمثل ذلك بالنبأ الذي أوردته وكالة “مهر” الايرانية حول قيام نائب رئيس الوزراء لشؤون العلاقات والتعاون الدولي العماني أسعد بن طارق بن تيمور آل سعيد بإفتتاح المؤتمر العالمي للنقل الطرقي، بمركز عُمان للمؤتمرات والمعارض، وذلك بمشاركة أكثر من 1000 ضيف من 80 دولة، يجتمعون معاً بهدف رسم ملامح مستقبل قطاع النقل الطرقي واللوجستيات والتنقل. ولفت مراقبون الى ان إيران كانت في عداد المشاركين في المؤتمر ما يشير الى ان طهران أدركت ان حاجتها للتوصل مع العالم عبر السلطنة تتفوق على إنتقاداتها للانفتاح العماني على إسرائيل.
وإذا كانت سلطنة عمان تمثل مدى مهما للعلاقات الايرانية مع العالم الخارجي، فإن فرنسا تمثل إيضا شريانا حيويا في أصعب ظروف تمر بها الجمهورية الاسلامية بسبب بدء مرحلة تطبيق العقوبات الاميركية القاسية بحقها بعد إلغاء إدارة الرئيس دونالد ترامب الاتقاق النووي المبرم بين واشنطن وطهران. وليس أدل على هذا الموقع الذي تحتله فرنسا بالنسبة لعلاقات إيران الدولية بعد العقوبات، ما إعتبرته وسائل الاعلام الايرانية وقوف “فرنسا بوجه العقوبات الاميركية ضد إيران” إستنادا تصريح اوردته صحيفة “الفايننشال تايمز” البريطانية نقلا عن وزير الاقتصاد الفرنسي برونو لومر أعلن فيه عن إتخاذ إجراءات لمواجهة ما أسماه “الشرطة التجارية” المتمثلة بإجراءات واشنطن الاحادية ضد طهران. لكن الاعلام الايراني تجاهل في اليوم نفسه ما كتبته الصحيفة البريطانية التي، وإن أيّدت الالتزام الاوروبي بالاتفاق النووي مع إيران، رأت “أن الموقف الأوروبي من الاتفاق النووي لا ينبغي أن ينسينا ضرورة أن يتخلى النظام الإيراني عن الدور الخبيث الذي يقوم به في الشرق الأوسط من سوريا إلى العراق”.
وسط هذه المعطيات، تبدو باريس في موقع مؤثر في التعامل مع طهران. وإذا كان لبنان سيستفيد جدا من الضغط الفرنسي على مراكز القرار الايراني كي يسحب “حزب الله” عقدته الحكومية، فإن ما يهم باريس وفق المعلومات الديبلوماسية هو تجنيب لبنان تبعات مغامرة مدمّرة يقوم بها الحزب بناء على اوامر طهران على غرار مغامرة تموز 2006. وما يزيد الموقف دقة ما نقله موقع آر تي الالكتروني الروسي عن إجراءات مناورات إسرائيلية هذا الاسبوع تحاكي إقتحام “حزب الله” للمستوطنات في الجليل. واورد الموقع ما بثته القناة “20” التلفزيونية العبرية من” إن المناورات الإسرائيلية شملت إخلاء بعض المستوطنات التي يمكن ل”حزب الله” السيطرة عليها، أو التي قد تنهمر الصواريخ فوقها”. ونقلت القناة العبرية عن مصادر في الجيش الإسرائيلي قولها: “إن التدريب كان يهدف لتعريف الجنود بنقاط الضعف والقوة لدى قوات حزب الله، وتجهيزهم للمواجهة بالشمال”.
ليس فرنسا من يجب أن يقلق، بل على لبنان قاطبة ان يقلق أيضا. فالامر يتجاوز قضية تشكيل حكومة الى قضية مصير وطن يقف الان في مهب التوظيف الايراني لـ”حزب الله” في صراعه الوجودي مع الولايات المتحدة الاميركية!

آخر تحديث: 8 نوفمبر، 2018 2:50 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>