جمال خاشقجي يصف مَقاتل لبنان التي رسمتها نهاية صحافته

في مقال للصحافي السعودي الشهيد جمال خاشقجي نشرته الواشنطن بوست مؤخرا، وكان يفترض أن ينشر في الأسبوع الذي أعلن فيه عن اختفائه، يصف حال لبنان قائلا “حتى لبنان، جوهرة التاج العربي، عندما يتعلق الأمر بالصحافة الحرّة، سقط ضحية استقطاب ونفوذ حزب الله الموالي لإيران”.

يرسم هذا التوصيف بدقة انعدام المناعة اللبنانية تجاه الأسد وإيران من مدخل نهاية دور الصحافة اللبنانية التي طالما كانت جوهرة التاج العربي، ولكنها بعد أن نجح حزب الله في إغوائها سقطت فريسة انعدام الدور والمكانة، وباتت انعكاسا لخطابه.

موت الصحافة اللبنانية صار محسوما لأنها صارت مقبرة للصحافيين وللصحافة نفسها، فكيف يمكن أن تحيا صحافة تخلت عن دورها في نشر الوعي، وباتت منصة للترويج للقتلة الأسديين والإلهيين؟

لعل الخطاب الأكثر بؤسا الذي يروج له حاليا يكمن في الترحيب بالتشكيل الوشيك للحكومة اللبنانية بوصفها حكومة إنقاذ للبلد، ولكن العنوان الإنقاذي يرتبط وفق الشرط المسبق والملزم الذي كان حزب الله قد وضعه بالتطبيع مع النظام الأسدي.

اقرأ أيضاً: الصحافي جمال الخاشقجي قتيل الكلام المستحيل

ربما كان يمكن أن نقول في لحظة من عمر الثورة السورية إن اللبنانيين باتوا يمتلكون مناعة شبه عامة ضد الأسدية انطلاقا من وقائع التاريخ والسياسة، وتأسيسا على أحوال المجزرة المفتوحة في سوريا الأسد، ولكن الأمور لم تجر على هذا المنوال بل تم تركيب منظومة بؤس قاسية اجتاحت الحياة العامة وتفاصيل العيش اللبناني اليومي، وشكلت نوعا من بحيرة أسيد تم فيها تذويب كل ما كان قد تأسس من مناعة ضد السرطان الأسدي.

كانت الصحافة اللبنانية الحصن المنيع ضد التطويع الأسدي والإيراني للبلد، ولم يكن ممكنا لحزب الله أن يفرض سيطرته التامه عليه، ليس لأن الصحافة تمتلك قدرة تحريك الجيوش والأمم بل لأنها كانت قادرة على فعل ما لا يمكن لحزب الله أن يتجنب تأثيره ألا وهو الاحتقار.

نقصد بالاحتقار أن الصحافة اللبنانية كانت لا تزال منذ سنوات قليلة تنتج نوعا من التعامل الازدرائي مع حزب الله، انطلاقاً من علاقتها الخاصة بنفسها وبمفهوم الحرية والحق، وكانت سطوة حزب الله تخيف ولكنها لا تحترم.

التحول الذي نشهده اليوم والذي رصده الصحافي الشهيد جمال الخاشقجي يتمثل في أن الصحافة اللبنانية صارت جزءا من معمل تفريخ هول حزب الله وخطابه، فبات البؤس الذي شكل الجسر الذي يراد له أن يُعيد وصل لبنان بالكامل مع زمن الأسد دون فاعلين ودون مسؤولين، وبات الحزب مناضلا ضد الفساد والمفسدين، وكأنه تحول إلى أحد منظمات المجتمع المدني.

في الحكومة المزمع تشكيلها يصر حزب الله على أن ينال وزارة الصحة، ويعلم الجميع أن الهدف من سيطرة الحزب على هذه الوزارة هو تدبير شؤون استشفاء مقاتليه في سوريا على حساب اللبنانيين، والحلقة تكتمل مع إمساك حليفه في حركة أمل بوزارة المالية.

يريدنا الحزب أن ندفع ثمن حربه على الشعب السوري مرتين، مرة في الأخلاق والسياسة، ومرة أخرى من مالنا وحقنا في الطبابة، ولكن الأخطر من ذلك أنه يريد أن يجعلنا شركاء مباشرين في دماء الصحافيين والكتاب، والفنانين، الأطباء والمهندسين وكل النخب التي صفاها الأسد في معسكرت تعذيبه الرهيبة.

بذلك فقط ينجز حزب الله استكمال رسم الملامح النهائية لزمنه اللبناني، لأنه يفكك كل المناعة اللبنانية تجاه كل أنواع الجرائم، وخصوصا تلك التي تطال النخبة التي طالما كان الصحافي يحتل موقعا مميزا في طليعتها.

تأتي الآن حكومة الأسد وإيران لتقنعنا بأن الدخول في هذا النفق الأسدي الذي لا نهاية له هو المدخل الوحيد لنجاتنا الكهربائية والمائية والطائفية والأمنية، وأنه بعد إنجازها فإن الأمور ستتحسن في كل ما يخص هذه العناوين.

لم يخبرنا أحد أن هذه عناوين بقاء على قيد الحياة وليست عناوين عيش، وهي تشبه أحوال الحرص على الإبقاء على حياة من لم يعد لديهم أي أمل وقدرة على المقاومة، كما يشهد على ذلك حرص الجنود الروس على الحفاظ على حياة من تبقى من سكان برلين المدمرة خلال الحرب العالمية الثانية وتخيير نسائها بين القبول الطوعي بالاغتصاب أو القتل، أو الحرص على تقديم فائض الحنان والعطف للناجين من حفلة إبادة شاملة أو من مجزرة جماعية.

ما يعنيه ذلك هو أن حيواتنا في لبنان ستكون أسيرة الكرم الأسدي فهو سيعذبنا إلى الأبد ولكنه لن يدعنا نموت، وعلينا في المقابل أن نسكن في المنطقة الواقعة بين أبدية التعذيب وامتناع الموت.

آخر تحديث: 20 أكتوبر، 2018 1:04 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>