السيد الأمين.. بين تجربتي «البعث» في العراق وسوريا

*كيف تفسر اتفاق البعثيين العراقيين والسوريين رغم خلافاتهما؟
منذ زمن طويل ـ خصوصاً في فترة ثورة الإمام الخميني ـ شعرتُ بأنّ الأنظمة العربيّة كلّها أصبحت باطلة وغير قابلة للإستعمال، ولكن أشد هذه الأنظمة عتواً وتخلفاً هو نظام البعث في أهم بلدين عربيين: العراق وسوريا، فبالرغم من أن كلا البلدين كانوا يصرحون بالموقف المعادي لشاه إيران إلا أنّهم في واقع الأمر كانا خائفين من زوال هذا النظام، وعندما حوصر الإمام الخميني في النجف وأراد أن يخرج من العراق إلى مكان آخر لمتابعة مهمّته الثوريّة كنتُ أوّل من اقترح أن تكون هجرة الإمام الخميني إلى لبنان، لأني كنت أدرك مدى الإخلاص والإحاطة بشخصية الإمام الخميني من قبل جميع القوى الإسلاميّة واليساريّة، وحتى القوى الموضوعيّة غير المنتمية، وقد حاولتُ ونجحتُ في المحاولة بأن أقنع منظّمة التحرير الفلسطينيّة بضرورة احتضان وجود الخميني في لبنان، بل والطلب إليه مباشرة من قبل القيادة الفلسطينية، ومعلوم أنّ الفلسطينيين بصورة عامّة كانوا متحمّسين للإمام الخميني ولثورته، لذلك عندما طرحتُ الإقتراح على المرحوم ياسر عرفات تحمّس كثيراً، وبادر مباشرة للتمهيد لهذا الأمر، وقد حملت رسالة منه إلى الإمام الخميني في النجف، يقترح فيها عليه المجيء إلى لبنان، والإقامة في منطقة البقاع، حيث الحماية السوريّة من جهة، وحماية المقاومة الفلسطينيّة من جهة أخرى، وقد لاحظتُ أنّ الإمام الخميني سُرّ بهذا الإقتراح، وكعادته طلب الفرصة للبت في هذا الأمر، ولكنه كان إيجابياً جداً. وعندما رجعتُ إلى بيروت التقيتُ في الليلة نفسها بالمرحوم ياسر عرفات وأبلغته هذا الإنطباع، وكان مسروراً لهذه المهمّة التاريخيّة التي تقوم بها منظّمة التحرير، ولكنّه كان يعلم أن الأمر يتطلّب موافقةً سوريّةً، وقد بادر في اليوم التالي لطلب موعد من حافظ الأسد، وبعد لقائهما قرأتُ الخيبة في وجه ياسر عرفات، الذي قال لي بالحرف الواحد: «إنّ حافظ الأسد لم يوافق، ولن يوافق على ذلك» حتى أنني سألته: لماذا يا ترى لا يريد حافظ الأسد ذلك، مع العلم أن الموقف المعلن في سوريا أنها مع الثورة؟! وأذكر أنه أجابني أن الكل يخافون من شاه إيران..

اقرأ أيضاً: العلاّمة الأمين.. العلاقة مع الإمام الخميني وإيران

تأخر الوالد بالزواج.. وعودته للبنان
قلتم إن والدكم سافر بعمر 21 عاماً، ثم تزوّج بعدما أتى إلى لبنان (ومكث في العراق 15 سنة) لماذا تأخّر بالزواج؟
كان الوالدq قد ولد في بيئة دينيّة، وكان والده السيد محمد حسن الأمين عالماً كبيراً، ومن الطبيعي أن يحرص مثل هذا العالم أن يكون له من أولاده واحداً على الأقل يتجه إلى طلب العلم، وقد وجد في ولده (الذي هو والدي) القابلية لطلب العلم، ولذلك منذ نعومة أظفاره أخذ يدرّسه ويرعاه وصولاً إلى سن مكّنته أن يلحقه بمدرسة دينيّة كان الأستاذ فيها المرحوم المقدّس الشيخ حسين مغنية، المعروف بوصفه من كبار العلماء والفقهاء الشيعة وأحد ثلاثة كانوا الأبرز بين علماء الشيعة، وهما (مع الشيخ مغنية) السيد محسن الأمين والسيد عبد الحسين شرف الدين.
واستمرّ يدرس على الشيخ حسين مغنية حتى سن العشرين، فكما أسلفتُ أنّ الشيخ مغنية طلب من جدي السيد محمد حسن أن يرسل والدي إلى النجف قائلاً له: إن ولدك من النضج بحيث لم نعد نستطيع ضمن مناهجنا أن نفيده بشيء جديد من الناحية العلمية، ولذلك أقترح عليك إرساله إلى النجف الأشرف، فسافر المرحوم الوالد إلى النجف وبدأ دراسة الخارج على الفقهاء والعلماء المشهورين آنذاك، وكان أبرز هؤلاء ـ والذي كان بينه وبين الوالد علاقة وثيقة جداً واستمرار ـ هو العلامة الشهير الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء، وكانت العلاقة معه غير مقتصرة على الجانب العلمي فقط، وإنما كان الوالد موضع ثقة عالية وكبيرة من الشيخ كاشف الغطاء، كما عرفت ذلك من زملاء الوالد.
وكان متفرغاً تفرغاً كاملاً للدرس والتدريس، طيلة السنوات التي أقامها في النجف، أي حتى عام 1939م أي في العام الذي توفى فيه والده فعاد إلى لبنان.
ففي هذه السنة رجع إلى لبنان وأقام مكان والده في بلدة شقراء، وكانت قد سبقته سمعة طيبة في إطار العائلة، وفي إطار علمائها وكان أبرزهم السيد محسن الأمين والسيد حسن محمود الأمين.
كما سبقته هذه السمعة في المنطقة المحيطة ببلدة شقراء والتي تعوّدت أن تراجع علماء شقراء من آل الأمين، كان عند عودته في السادسة والثلاثين من عمره، وكان في النجف قد تزوّج بامرأة عاملية، ولم ينجب منها أولاداً، وكانت أكبر سناً منه. ولكن لها فضلاً عليه في أنها كانت توفّر له الجوّ الصالح للتفرّغ للدراسة مهتمّةً بإدارة المنزل الصغير، وتهيئة الأمور التي يحتاجها الرجل المتفرّغ للدرس والتدريس.
وقد شاء لي الحظ أن أتعرّف عليها عندما ذهبت إلى النجف وكانت في سن كبيرة ولكنها بوعيها ونشاطها كانت ما تزال صحيحة الجسم والعقل، والغريب ربما أن تظهر منها تجاهي عاطفة خاصّة، وأحسب أنّ ذلك كان بسبب معاملة الوالد الطيبة لها، وقد توفّيت أثناء وجودي في النجف رحمها الله.
لذلك كان زواج الوالد متأخراً نسبياً في لبنان.
سؤال: لم تشرح عن الوالدة، وعن أسرتها..؟
بنت أسرة كريمة، والدها السيّد عبد الحسين الأمين، جدّها السيّد علي محمود الأمين()، كان والدها شاعراً وأديباً وسياسيّاً، وعمل في القضاء فترة من الزمن، ثم انصرف إلى الشأن العام على مستوى جبل عامل، وكانت تربطه علاقة وثيقة بالزعيم المشهور كامل الأسعد(الجدّ).

اقرأ أيضاً: علاقة العلاّمة الأمين مع اليسار

نمط تربية الوالد
إذا أردت ألخّص بعضاً من سلوك الوالد تجاه تربيتنا نحن أبناءه، فإنني أقول بأنها كانت تربية معتدلة لا هي بالقاسية ولا هي بالرخوة (إذا صحّ التعبير) أما بالنسبة لي شخصياً، وكنت الذكر الأوحد بين أبنائه لمدة عشر سنوات حيث ولد شقيقي الأوحد بعد ذلك فكان هذا ربما مدعاة لأن أتلقى شيئاً مميزاً من العاطفة بين أبوين، ولكن يتضمن الكثير من حرص الوالد على تربيتي وتعليمي بسن مبكرة، رغم أني كنت ككلّ أبناء جيلي في المدرسة الرسمية في بلدتنا شقراء، ولكنّه لم يكن يكتفِ بذلك وكان يصر على تلقيني دروساً خاصّة سواء في الأحكام الشرعيّة، أو في النحو والأدب ومنها حفظ المقاطع الشعرية التي كان يكافئني على قدر ما أحفظ منها.
كانت هذه الدروس تجعلني مميّزاً في المدرسة الرسمية وخاصّة في مادة اللّغة العربيّة لدرجة أنّني كنت أنصرف عن الاهتمام بدرس القواعد العربية، التي تعطى لتلاميذ صفي لأنّني كنت أشعر ـ وأساتذتي يشعرون ـ أنّ لديّ من الكفاءة في هذا المجال ما يخوّلني أن لا أهتمّ بهذه الدروس وربما لا أحضرها أحياناً.
كما أنّ اختياراته الشعرية كانت تتسم بالانتقاء الحصيف من الشعر السهل الذي يتناسب مع سني المبكر، وقد حفظت الكثير الكثير منها، ولا أنكر أنني بسبب ذلك ربما قلت الشعر بسن مبكرة جداً بالمقارنة مع الشعراء الآخرين.
كما أنّي كنت أجيد قراءة القرآن الكريم، وذلك بعد تمرين طويل كان يشدّد الوالد في تعليمي إياها وتمريني عليها، وكان الوالدq يردد قولاً منسوباً للنبي، وهو: «اتركوهم سبعاً، وعلّموهم سبعاً، واصحبوهم سبعاً…» ما زلتُ متأسفاً أنني عشت معه الطورين الأول والثاني لأنّه توفّي وأنا في سن الرابعة عشر، أي لم أدرك فترة السنوات السبع التي كان ينبغي أن أصحبه فيها.
ولكنني مع ذلك أرى أنني كنت أحضر مجالسه، الديوان الذي يستقبل فيه الضيوف وأصحاب الحاجات، وعلى الأخص جلسات الشريعة والبتّ في الدعاوى التي تُعرض عليه من أبناء المنطقة.
لا يجوز للمرء أن يمتدح أباه بالدرجة التي ربما تصل إلى المبالغة، ولكن في وسعي وأجدني غير بارٍ بوالدي، إذ لم أذكر بعض الصفات المميزة في شخصيّته، فقد كان مهاباً ومتشدّداً في موضوع الكرامة الشخصيّة ومترفّعاً بصورة واضحة عن المال وعن مظاهر الوجاهة، وكان يلقى الاحترام المميز من جميع الطبقات في المجتمع، ونادراً ما كان يخرج من المنزل إلا في الضرورات الشديدة التي منها الصلاة على الموتى.
ومعروف لدى الرأي العام في منطقتنا وفي غيرها أنه لم يزر على الإطلاق زعيماً أو وجيهاً بارزاً، أو ثرياً من الأثرياء رغم أنّه هؤلاء كانوا يزورونه ولكن أحداً منهم لم يتطلب منه أية زيارة.. ولم يكونوا مستائين من ذلك، لأنّهم ربما كانوا يرون أنّهم بحاجة إلى مقام كمثل هذا المقام، وكان متفرّغاً للقراءة، وللتدوين إلّا في الوقت الذي يكون هناك ضرورة لاستقبال ذوي الحاجات الشرعية، أو لبعض الزوّار.
وكان قد حدد موعداً لاستقبال الآخرين بحيث يكون جلّ وقته للبحث والقراءة.

(من كتاب “أمالي الأمين” للشيخ محمد علي الحاج العاملي)

آخر تحديث: 16 أكتوبر، 2018 12:48 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>