سورية الجديدة تبدأ من إدلب؟

الارتياح لسحب السلاح الثقيل من المنطقة العازلة بين الجيش السوري والمسلحين المعارضين في إدلب، يمكن اعتباره شعوراً إنسانياً أكثر مما هو موقف سياسي، فالأزمة السورية، بل أزمة إدلب كتفصيل، لن ينهيها تطبيق الاتفاق الروسي- التركي حول التهدئة. ما يحدث استراحة في محطات الحرب التي لن تتوقف إلاّ بشروط إقليمية ودولية، وحتى سوريّة لم تتضح معالمها بعد. ولم يطرح الأطراف المعنيون الى الآن، رؤيتهم إلى سورية المستقبل واستجابة صورتها لمصالحهم الاستراتيجية.

تتصرف الولايات المتحدة بعقل بارد تجاه الأزمة السورية، وتربط وجود جيشها هناك بمهمة القضاء نهائياً على «داعش» وسائر المتطرفين، ومثلها تركيا، التي تؤكد يومياً أن أحزاباً كردية رئيسية هي جزء أساس من الإرهاب، بل تعتبرها أكثر إرهاباً من «داعش» و «القاعدة». ويتصف الروس أيضاً بالبرودة، مثل الأميركيين والأتراك، وهم يحتاجون إلى وقت أطول من الذي مضى على وجودهم العسكري في سورية، ليؤكدوا هذا الوجود ويعطوه شرعية أبعد من موافقة حكومة بشار الأسد، أي شرعية إقليمية ودولية. أما الإيرانيون فيحظون بوجود المتسلل في سورية خلف تركيا وروسيا، مستندين إلى شراكتهم مع الدولتين في معظم الاجتماعات المعنية بضبط الأحداث السورية.

اقرأ أيضاً: مسألة نظام.. وليست مسألة صواريخ!

لا أحد يشعر بوطأة الوقت سوى المواطنين السوريين، سواء الذين نزحوا في الداخل والمنطقة المحيطة أو الذين هاجروا إلى أوروبا وما خلف المحيط. يشعر هؤلاء شيئاً فشيئاً بفراغ الانتماء، لأن خطاب المعارضة الذي وصلهم واستجابوا اليه هو مجرد رفض مبسّط لا يعي مشكلة الوطن السوري والارتباطات المعقدة التي تشد المواطن إليه، بل لم يبقَ من خطاب المعارضة سوى مشاعر الكراهية المجانية للنظام وللدول والجماعات التي تسانده.

ومثل المواطنين السوريين، وإن بدرجة أقلّ بالطبع، شعور النخب العربية الحاكمة وغير الحاكمة بوطأة الوقت وبخطورة فقدان الوطن السوري من خريطة سياسات المنطقة، وأن هذا الوطن الذي كانوا يتفقون مع دولته أو يختلفون، أصبح لعبة لقوى إقليمية ودولية أكثر مما هو مجال عربي، مهما بلغ تأثير العرب في ماضي الشعب السوري وحاضره.

في هذا الفراغ الذي تؤكده برودة الجبهات، تبدو سورية كمن ينتظر مصيره بأيدي جهات لم تكتمل أجندتها بعد، وأمام شهود عرب لم يستوعبوا صدمة انهيار بلد مؤسس في جامعة الدول العربية ومشارك دائم في الصراع العربي– الإسرائيلي.

يحاول بشار الأسد ملء مرحلة الفراغ، أو برودة الأطراف الخارجية المؤثرة، بإجراء تعديلات على نظامه، رشح منها توسيع صلاحيات وزارة الأوقاف لتستوعب ما أمكنها من جماعات الإسلام السياسي التي طغت على الثورة السورية. ومنها «سورنة» حزب البعث والتخلي عن «مهماته» العربية ليصبح وطنياً سورياً ينحصر اهتمامه بالداخل ويترك العلاقات مع ما كان يسميه «الجماهير العربية» لتصبح علاقة دولة بدولة. هذه «السورنة» تطوي مرحلة كانت فيها الدولة البعثية في سورية مهتمة بتفاصيل مجتمعات لبنان وفلسطين والأردن أكثر من اهتمامها بالمجتمع السوري نفسه، بل يمكن القول إن الإدارة البعثية الحاكمة في دمشق فوجئت بالثورة السورية، في حين أن قارئ ألف باء السياسة كان يدرك أن هذه الثورة آتية ولن تتأخر. ومن إجراءات ملء الفراغ أيضاً إصدار الرئيس السوري عفواً عاماً عن الفارين من الخدمة في الجيش، يستفيد منه بالدرجة الأولى ضباط الجيش الحرّ وجنوده الذين يشكل معظمهم ما يسمّى المعارضة المسلحة المعتدلة.

لن يتأخر الأتراك والروس والأميركيون في استكمال أجندتهم السورية، وستنطوي مرحلة الفراغ والبرودة السياسية، وأولى الخطوات في هذا الأمر تفعيل لجنة الدستور السوري الجديد، خصوصاً لجهة إعطاء البرلمان سلطة تفوق سلطة رئيس الجمهورية. في هذا الملف بالذات يمكن من تبقّى من معارضين وطنيين أن يشاركوا في صوغ سورية الجديدة، بعيداً من الرفض المجاني للنظام والاستخفاف بخطورة الجماعات الإرهابية التي قتلت المعارضة ودمرت المجتمع وعجزت عن إلحاق الأذى بالنظام. هنا يفتقد المراقبون المحايدون لغة معارضة بناءة تستطيع وضع بصماتها على خطط ولادة سورية الجديدة، ولا تترك هذه المهمة التأسيسية للدول الإقليمية وغير الإقليمية المعنية بمصالحها قبل أي شأن آخر.

الكتابة عن سورية ليست مثل مزامير داود. ولكن، على مَنْ تقرأ مزاميرك يا داود؟

آخر تحديث: 11 أكتوبر، 2018 5:52 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>