العلاّمة الأمين.. العلاقة مع الإمام الخميني وإيران

* إلتقيتم بالإمام الخميني قبل وبعد انتصار الثورة الإيرانية، فما هي حقيقة علاقتكم مع الإمام الخميني والثورة؟
إذا كان لا بدّ للمرء من حديث أو تصريح يتكلّم فيه عن نفسه، فإنّ المرء سيكون محرجاً عن قول الكلمات التي يمكن أن يرى فيها البعض خروجاً على فضيلة التواضع والشعور بتضخم الذات، وفيما يتعلّق بالعلاقة التي ربطت بيني وبين الثورة الإسلاميّة في إيران، فإنّني لا أريد أن أتباهى بالقول أنني كنت أحد المبادرين الأساسيّين للالتزام في المبادئ والأسس التي قامت عليها الثورة، الأمر الذي كان يوجب عليّ أن لا أكتفي ـ وأنا في مرحلة الشباب والفتوّة ـ أن لا أكتفي بمجرد الولاء الفكري والسياسي دون الخوض في معتركات كبيرة وهامّة، ويمكن وصفها بأنّها خطيرة أيضاً. وكانت المرحلة التي سبقت انتصار الثورة تقع في تداخل مع المرحلة التي كانت فيها المقاومة الفلسطينية مجالاً حيوياً بممارسة دور الدعم والتأييد والجهاد في صفوف هذه المقاومة، وعلى الأخص في المجال الفكري والسياسي، وبطبيعة الحال في المجال التعبوي لدعم الثورة الفلسطينية، وكنت أشعر أنّ مؤشر انطلاق الثورة الإسلاميّة في إيران الذي ابتدأ في العام 1977 هو مؤشر يدفع إلى مزيد من الأمل في تعاظم الحركة الفكريّة السياسيّة التي تشكّل في بعض جوانبها ـ بل في أبرز جوانبها ـ وعداً حقيقيّاً وميدانياً في اجتراح نقلة نوعية على المستوى العربي والإسلامي باتجاه تحرير فلسطين.

اقرأ أيضاً: علاقة العلاّمة الأمين مع اليسار

في تلك المرحلة رأيتُ أنّ من واجبي على نحو الوجوب العيني ـ بحسب التعبير الفقهي ـ أن أباشر في العمل على تعزيز وتطوير العلاقة بين الثورة الفلسطينية والثورة الإسلاميّة في إيران؛ وكان هذا يقتضي أن أقوم بدور أساسي في هذا المجال، وكان على مستوى العلاقة العميقة مع قادة الثورة الفلسطينية، وعلى رأسهم المرحوم ياسر عرفات، يضعني في الموقع الذي يمكنني أن يجعل الثورة الفلسطينية أكثر حداثةً وجديّةً في تفعيل العلاقة بين ثورتين.
وكانت أولى الحلقات التي ساهمتُ فيها بما أستطيع القول أنّه كان مرضياً لضميري أنني ساهمتُ في دفع الثورة الفلسطينية ـ وخصوصاً بقيادة المرحوم ياسر عرفات والمرحوم خليل الوزير أبو جهاد ـ إلى إحداث نقلة نوعيّة في تبني الثورة الفلسطينية بصورة كاملة مبادئ الثورة الإسلاميّة في إيران، والعمل الميداني في بيروت وفي لبنان على احتضان عدد كبير من الشبان والرموز الإيرانية التي فرضت عليها الظروف أن تتواجد في لبنان، باعتبار لبنان منبراً فاعلاً تحتاجه الثورة الإسلاميّة، وكان لا بدّ من احتضان لهؤلاء الشبّان الذي أصبح معظمهم فيما بعد قادة في الجمهورية الإسلاميّة بعد انتصار الثورة.
وكان هذا الدعم من قبل الثورة الفلسطينية دعماً مطلقاً، وخاصّة في مجال توفير الإمكانات المطلوبة لهؤلاء الشباب العزَّل، الأمر الذي أدى إلى أنّ تصبح الساحة اللّبنانية ـ الفلسطينية أهم موقع من مواقع دعم الثورة الإسلاميّة بل ربّما الموقع الإقليمي الوحيد لدعم هذه الثورة، كما يعرف من عاصروا تلك الفترة.
كان طموحي في أثناء ذلك أن أساهم في قيام علاقة مباشرة وحميمة بين قيادة الثورة الفلسطينية ممثّلة بالمرحوم ياسر عرفات والمرحوم أبو جهاد من جهة، وقائد الثورة الإسلاميّة الأعلى وهو الإمام الخميني من جهة أخرى.
بادرتُ في اقتراح تبادل الرّسائل بين ياسر عرفات والإمام الخميني، وكما هو معلوم فإنّ الإمام الخميني كان مقيماً في النجف الأشرف، وكما هو من المعلوم أيضاً أنّ النظام العراقي لم يكن راضياً على حركة الإمام الخميني، وحاول جاهداً احتواء الإمام الخميني الذي وجد فيه قائداً لا يمكن احتواءه، فكان أن اتّخذ النظام العراقي من الإجراءات ووسائل الضغط على الإمام الخميني درجةً لم يعد من الممكن أن يمارس الإمام دوره في قيادة الثورة بالصورة التي يطمح الإمام لها..
وفي لقاءات متعددة ومتواصلة كنتُ أشارك في بحث الوسائل التي يمكن أن تساعد فيها الثورة الفلسطينية على تحرير الإمام الخميني من هذا الجو الضاغط في العراق، ومع الأسف يومذاك أنّ قيادة الثورة الإسلاميّة لم تكن على علاقة حميمة مع النظام العراقي، فاقترح ياسر عرفات أنّه لا بدّ للإمام الخميني أن ينتقل من العراق إلى مكان آخر تتوفّر فيه الظروف الإيجابيّة التي تساعد قائد الثورة الإسلاميّة على ممارسة مهمّته القياديّة للثورة بالحد الأعلى من درجات الحريّة.
وكان الاقتراح الذي أجمعنا عليه ـ في جلسة كانت تضم بالإضافة إلى عرفات مجموعة من القياديّين الأساسيّين في الثورة الفلسطينية ـ هو أنّ انتقال الإمام الخميني من العراق لا بدّ منه، وأنّ الموقع المناسب والذي يتيح للثورة الفلسطينية أن تؤمّن للإمام الخميني الظروف السياسيّة والأمنية المطلوبة، هو لبنان، ومنطقة البقاع بصورة خاصّة.
كُلّفتُ بعد هذا القرار بالانتقال إلى النجف للّقاء مع الإمام الخميني، لتداول هذا الموضوع، وللوقوف على رأي الإمام بذلك، فانتقلتُ فعلاً إلى النجف، وسارعتُ إلى مقابلة الإمام الذي شعرت بأنّ الطريقة المفضية إليه وما يحيط بمركز إقامته تحتشد فيه أعداد كبيرة من المخابرات العراقيّة، ولم يكن من الضروري أن أستفهم من الإمام عن الضغوط التي يواجهها في العراق، الأمر كان واضحاً بصورة جليّة، كانت ضغوطاً أمنية وسياسية بالغة الخطر والتحدي، وكان الإمام صريحاً معي بأنّه لم يعد من الممكن أن يستمرّ وجوده في العراق، وهنا طرحتُ عليه فكرة الانتقال إلى لبنان، وكنتُ صريحاً بأنّ الثورة الفلسطينية مستعدّة لأن تضع كلّ ما تملكه من إمكانات أمنيّة وسياسيّة بتصرّفه، وباختصار فإنّ الإمام وعد بصورة دقيقة وواضحة بأنّه سيدرس هذا الموضوع بصورة سريعة ويعطي جواباً على ذلك، وكنتُ مرتاحاً لنتائج هذا اللقاء وإحساسي بالتقدير الكبير الذي يوليه الإمام الخميني لقضية فلسطين وللثورة الفلسطينية؛ وعندما رجعتُ أبلغت القيادة الفلسطينية بتفاصيل هذا اللّقاء، وقناعتي أنّ الإمام ميال للتجاوب مع اقتراح انتقاله إلى لبنان، وإن كان الأمر يستدعي بعض الوقت لدراسة هذا الموضوع.
وبعد فترة قصيرة ـ لا تتجاوز الأيام الأربعة أو الخمسة ـ أرسل الإمام الخميني رسالة إلى ياسر عرفات، حملها أحد مستشاريه وهو السيد محتشمي الذي أصبح فيما بعد سفيراً للجمهوريّة في سوريا، وعُيّن وزيراً للداخليّة فيما بعد.
وقبل استقبال ياسر عرفات للسيّد محتشمي أرسل إليّ أبو عمّار مع أحد أخصائه يطلب مني أن أكون حاضراً في اللّقاء الذي حدّده للسيد محتشمي، الذي كان قد حمل رسالة من الإمام الخميني، وقد سلّمها بحضوري إلى أبي عمّار، وكان الجزء الأهم فيها يتعلّق في هذا الموضوع الذي ذكرته، وهو البحث الدقيق والمعمّق للظروف والمعطيات التي يمكن أن تحيط بوجود السيد الخميني في لبنان، وفي منطقة البقاع خصوصاً.
وبعد رجوع السيد محتشمي بدأت الخطوات الفعليّة في التمهيد لقدوم الإمام الخميني، وكانت المسألة المركزية التي كانت محل قلق في هذا الموضوع هي الموقف السوري من هذه الخطوة، خصوصاً وأنّ القرار السوري هو قرار حاسم وأساسي بسبب فاعليّة الوجود العسكري السوري في لبنان، وخصوصاً في منطقة البقاع، فكان لا بدّ من موافقة القيادة السوريّة، وبخاصّة الرئيس حافظ الأسد، الذي سارع ياسر عرفات للانتقال إلى دمشق واللقاء مع الرئيس السوري لأخذ رأيه بهذا الموضوع، ولإقناعه بأهميّة وجود قائد الثورة الإسلاميّة برعاية من القيادة السورية ودور فاعل من الثورة الفلسطينية.
وبكل أسف، وباختصار؛ فإنّ اللقاء ـ الذي علمتُ من ياسر عرفات مباشرة أنه دام طويلاً، والذي بذل فيه كل الجهد لانتزاع موافقة منه على هذا القرار ـ الذي انتهى إلى الفشل بسبب عدم اقتناع الرئيس الأسد بهذا الاقتراح..
وهنا أفضي بسرّ ـ لا يعرفه إلّا القلّة ـ وهو أنّ ياسر عرفات حين سألته عن السبب الحقيقي لموقف الرئيس الأسد السلبي لا يكمن في تفاصيل كثيرة شرحها الرئيس الأسد لياسر عرفات، ويكمن ـ كما قال لي ياسر عرفات ـ بأنّ الرئيس الأسد ليس ميّالاً إلى الاعتقاد بأنّ الثورة الإسلاميّة سوف تحقق أهدافها، ربما كان يرى أن أمريكا والغرب ستدعم شاه إيران بدرجة تمكّنه من القضاء على هذه الثورة؛ وبالتالي ـ كما قال عرفات ـ فإنّ الأسد كان يحسب حسابا كبيراً لردّة الفعل التي سيقوم بها شاه إيران ضد سوريا، وضد العرب بصورة عامّة.
وقد اقتضى ذلك أن يتمّ تبليغ الإمام الخميني بهذه العقدة الصعبة التي تحول دون تنفيذ خطة مجيئه إلى لبنان، واقتضى ذلك أن يختار أبو عمار والقيادة الفلسطينية أن أحمل رسالة إلى الإمام الخميني بهذا الشأن، والوقوف على مطالب الإمام الخميني من الثورة الفلسطينية ـ التي كانت تعرض كل إمكاناتها وبدون أيّ تحفظ على الإمام، وعلى ما يمكن أن تقوم به، وفق أيّ رغبة من رغبات الإمام، وبالفعل سافرتُ في اليوم الثاني إلى النجف الأشرف، وحملت رسالة خطيّة من جهة، ورسالة شفهيّة من جهة، أكثر توسّعاً في التفاصيل التي كتبت في الرسالة الخطية.
وحملت من الإمام الخميني الشكر للجهود المبذولة من قبل الثورة الفلسطينية، ولقد حدستُ أثناء اللقاء مع الإمام الخميني أنه يضمر بديلاً آخر عن مشروع انتقاله إلى لبنان، دون أن يصرّح بالجهة التي سينتقل إليها بعد أن بات وجوده في العراق مستحيلاً.
ما عايشته بعد ذلك وبعد انتقال الإمام الخميني إلى فرنسا، أكّد لي بأنّ الإمام الخميني عندما قابلته كان في مرحلة البحث، بل ربّما في اتخاذ القرار البديل وهو الانتقال إلى فرنسا.
طبعاً الأمر كان يتطلّب مزيداً من التواصل مع الإمام الخميني، وعندما وصل الإمام إلى فرنسا أصبح من السهل على القيادات الفلسطينية باستثناء ياسر عرفات الذهاب إلى مقابلة الإمام الخميني في باريسParis، وازدادت حيويّة العمل والنشاط السياسي والجماهيري في لبنان، لدعم الثورة الإسلاميّة.
وتمّ اقتراح تداولته مع بعض الأخوة من رجال الدين أن نقوم بزيارة الإمام في باريسParis، بحافز الحماس من جهة للقاء الإمام، وللوقوف على توجيهاته بخصوص الساحة اللبنانية، والدور الذي يريده الإمام من هذه الساحة.
وكان لقاءً ذا أهميّة، وخصوصاً لنا نحن الوفد الذي التقاه في مقرّه في (نوفل لوشاتوNeauple le château ) في ضاحية من ضواحي باريس..

اقرأ أيضاً: العلاّمة الأمين.. تكملة مسيرة الوالد

إنّ انطباعي وانطباع الأخوة كلّهم، هو أنّ الإمام الخميني كان متفائلاً أشدّ التفاؤل، بحتميّة انتصار هذه الثورة.
لكي أختصر في هذه الرؤية الموجزة؛ فإنني أنتقل مباشرة إلى زيارتي له بعد انتصار الثورة في مدينة قم قبل أن ينتقل نهائياً إلى طهران، وكنا بضعة من العلماء وقد جعلنا على رأس هذا الوفد أحد علماء اللبنانيين الكبار، والذي كان ذا موقف فاعل ومميّز في دعمه للثورة الإسلاميّة في إيران، وهو المغفور له سماحة السيد علي مهدي إبراهيم، وبعد سلامنا على الإمام الخميني وكانت الوفود تتقاطر من أنحاء الجمهوريّة الإسلاميّة إلى قم، عندما اختصّنا بهذا اللقاء، وقبل بداية الحديث معه، التفت إليّ باسماً وقال لي العبارة المشهورة: «ربّ ضارة نافعة» وعرفتُ قصد الإمام في هذا الكلام، والقصد واضح، وهو أنّ فشل محاولة الانتقال إلى لبنان تمّ التعويض عنه في الانتقال إلى باريس، التي شكّلت للإمام الخميني منبراً عالمياً لم يكن ليتوفّر في غير هذا المكان.
وكان هذا بالنسبة لي آخر لقاء شخصي مع الإمام، الذي كنّا نلتقي في سفراتنا اللاحقة إلى الجمهوريّة الإسلاميّة مع الإمام ولكن ضمن جماعة واسعة من وفود مختلفة.
سؤال: قد يؤخذ عليكم في مسعاكم للمجيء بالإمام الخميني إلى لبنان أنكم بذلك تساهمون في تحويل لبنان إلى مستوعب لثورات المنطقة، حيث كان الحضور الفاعل للثورة الفلسطينيّة في لبنان، ولو جاء الإمام الخميني لكان وضع لبنان أشد هزالةً، ولأضحى عديم السيادة.. اليوم، وبعد عدّة عقود من الزمن: هل تعتبرون أن هذا المنحى السابق لديكم كان صائباً، أو لديكم رأي آخر؟
في تلك الفترة لم يكن في لبنان دولة بالمعنى الحقيقي، وكانت السيادة لفريقين هما: منظّمة التحرير الفلسطينيّة، والجيش السوري الذي يحتل أكثر من نصف لبنان، لذلك عندما أُريد للإمام الخميني أن يأتي إلى لبنان لم يفكر أحد بدور للدولة اللبنانيّة، بل ذهبت الأفكار باتجاه سوريا ومنظّمة التحرير. ولبنان بكل الحالات – آنذاك – لا يخسر شيئاً بوجود الإمام الخميني فيه؛ فيما الذين يتوقّعون الخسارة هما النظام السوري والنظام العراقي.. فأحدهما طرد الإمام الخميني، وهو النظام العراقي، وثانيهما رفض استقباله وهو النظام السوري. السؤال: البعث العراقي لم يكن مرتاحاً للإمام الخميني في العراق، والبعث السوري لم يكن يريده في لبنان..

(من كتاب “أمالي الأمين” للشيخ محمد علي الحاج العاملي)

آخر تحديث: 8 أكتوبر، 2018 12:52 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>