علاقة العلاّمة الأمين مع اليسار

* من الملفت جداً علاقتكم وانفتاكم على قوى اليسار في وقت مبكر، بل في ظرف بالغ الحساسية بين الدينيين واليساريين، كيف تقيمون ذلك؟
أثناء وجودي في النجف الأشرف، وخاصّة في المرحلة الأخيرة، انفتحتُ ـ بسبب الدراسات الحديثة في كليّة الفقه ـ على الاتجاهات والمذاهب الفكريّة المختلفة، وكنتُ أرى أن من واجبي أن أحصل على معرفة واسعة تؤهّلني لمواجهة الاتجاهات التي كانت تنبذ الدين وتدعو إلى التحرر منه، وقد ازداد إحساسي بهذا الواجب عندما جئتُ إلى لبنان، وأخذتُ أمارس الخطاب والمحاضرة والكتابة في الصحف، مما شعرتُ معه أنّ كثيراً من اليساريين ومن غيرهم كانوا متقبّلين ومعجبين بأسلوبي في تقديم الفكر الديني، وربما كان سبب هذا الإعجاب أيضاً أنني لم أتوقّف عن نقد الفكر الديني، ووصفه بأنه فكر بشري قابل للصواب وللخطأ، وأن الفكر الديني هو فكر تاريخي متغيّر بعكس الدين الذي هو نصوص ثابتة، ولكنّها قابلة للتأويل، ومثل هذه الفكرة دفعت الكثيرين من اليساريين إلى إعادة النظر في موقفهم من الدين،خاصّة وأنني شاركتُ ميدانيّاً في تبني المطالب المحقّة لليسار ولغيره من القوى السياسية ذات النزعة الشعبية. ولذلك أعتقد أن هناك من لم يعجبه هذا المسار فأطلق عليّ تسمية اليساريّ أو الوجوديّ، والحق أن ما قدّمته من كتابات ومحاضرات كانت أكثر قسوة ضد الفكر اللاديني! وإني ألاحظ الآن أنّ كثيراً من الأفكار التي قلتُها مبكراً أصبح تداولها أمراً مشروعاً، على سبيل المثال كنت مندرجاً في خط المقاومة وأُطلق اسم «المقاومة الوطنيّة» عليها بهدف الجمع بين فصائل المقاومة الإسلاميّة واللبنانية والفلسطينية؛ فكان البعض يرى في تسميتها بالمقاومة الوطنية انحرافاً، وها نحن نلاحظ أنهم يستعملون هذه التسمية، بل هناك الكثير من المفاهيم التي كانت شبه محرّمة أصبح الآن موضع دراسة وأخذ ورد بين الإسلاميين أنفسهم، وعلى الأخص الفكرة التي رددتها دائماً ومارستها في نقد التراث، وإزالة عنصر القداسة عن التراث، واعتباره نتاجاً تاريخياً. كما أني خضتُ مبكراً في كل المسائل الحديثة التي يخوض فيها الآن المجددون من الإسلاميين، وبالتالي فإذا كانت كلمة اليسار تعني الإعتراض مقابل القبول والإستسلام فأنا حقاً يساري، لأنني رأيتٌ منذ تعمّقتُ في الفكر الإسلامي أنه فكر يبعث على التجديد، بل على نقد السلفية كما في آيات كثيرة من القرآن الكريم، كقوله تعالى : ﮋ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﮊ فالإسلام دين التغيير، واحترام العقل، ودين المسؤولية، وما التراث الذي نستند إليه ـ نحن المسلمين ـ إلا إنجازاً تاريخياً حضارياً، ولكنه لا يستعاد بحرفيته فلكل زمان ـ كما يقول المثل ـ «دولة ورجال»، أي فكرة جديدة ورؤية جديدة، مع الثبات على المبادئ الراسخة غير القابلة للتأويل أو التبديل.

اقرأ أيضاً: عن الدور الذي لعبه الموروث العائلي في تكوين شخصية السيد محمد حسن الأمين

بين العقل والعاطفة
السؤال: كون منهجكم عقلي وفلسفي.. هل تشعرون بطغيان هذا الاتجاه على حساب العاطفة؟
العاطفة الدينيّة في الشأن الفكري والعلمي في جوهر الدين، ليس صحيحاً أن العقل يؤثّر سلباً على العاطفة الدينيّة والروحية، بل يساعد على تركيزها أكثر فأكثر.

اقرأ أيضاً: العلاّمة الأمين.. تكملة مسيرة الوالد

ومن خلال تجربتي الشخصية، فإنّ علاقتي بالدّين أراها تزداد رسوخاً وعمقاً كلما أتيح لي أن أحقّق إنجازاً فكرياً في فهم الدّين، وكلما وجدتني أحقق إنجازاً فكرياً في نقد التراث الديني، ولا أحسب أنّ التديّن هو عاطفة روحانية بمعزل عن نشاط العقل، بل أرى أنّ المزيج من التديّن الفطري الطبيعي مع ما يبدعه العقل البشري هو الدين الأكثر رسوخاً في العقل والوجدان، وأكثر مدعاةً إلى إخضاع السلوك البشري لمفاهيم الدين الحقيقية التي نتوصل إليها ونقتنع بها، ولم يعد لديّ ما أسميه بمفهوم القداسة المطلقة، خصوصاً بعض هذه القداسة المستندة إلى نوع من التربية، وإلى نوع من الأفكار السائدة عن المفاهيم الدينيّة أو عن الشخصيّات الدينيّة.
كما أني أؤمن أنّ كل مسلم هو مدعوّ إلى نوع من الاجتهاد، بالمعنى اللغوي لهذه الكلمة، وليس بالمعنى الاصطلاحي الذي يتطلب أدوات قد لا يتوفّر عليها جميع المسلمين، بل المتعمّقين منهم خاصّة بالعلوم الدينيّة.

(من كتاب “أمالي الأمين” للشيخ محمد علي الحاج العاملي)

آخر تحديث: 2 أكتوبر، 2018 5:10 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>