«كرافات» حوار طارق حرب تقاسيم على الأبيض

أ -البحر الأبيض
.. ولبنان من اللّبان أو من اللبن
ماذا قلت للنورس؟
ماذا قال لك النورس عندما حط على أرنبة أنفك ثم طار وحطّ على القلوع؟ لوّحت له ولم يبادلك!
ماذا بينك وبين النورس؟
أو كنت تخمّن أن البحر يكتم سرك؟
متى تدرك أن قلباً واحداً، قلباً واحداً، وحده يصلح مخبأ للأسرار؟ وأن ما يدلف من قلب إلى قلب، سهواً أو عمداً، ليلاً أو نهاراً، عن خبث أو عن سلامة نيّة، في زمن الحرب أو في زمن السلم، مصيره إلى البحر ؟ يشع في عيني سمكة، يغري صياداً، تدخل السمكة في الشبكة، يصفق الصياد فرحاً، يقول سرَّك لكل الصيادين، والصيادون يقولونه لكل بائعي السمك، وبائعو السمك يقولونه لكل الطباخين، والطباخون يقولونه لكل سيداتهم وزبائن وجبات الغداء في مطاعم شواطئ المتوسط من صور إلى قرطاج.. وتتحدث عنك وكالات الأنباء، تقول : إن شرطة الآداب ضبطتك متلبساً بحب الوطن، والوطن متلبس بحبك ولكنكما لا تتواصلان.

اقرأ أيضاً: عبد الجبار الرفاعي حيث الإسهاب إيجاز

ب – الأبيض السيف
هل قتلت ؟ هل باشرت بقتل؟ هل تسببت بقتل؟ هل حوّلت عيداً إلى مأتم؟
إذن على اي دم تتكئ لتصل؟
قلبك هذا لا يكفي.. لا يصل.. بدنك رقيق جداً وركيك.. ومحطات الوصول صقيع، يشتد محطة بعد أخرى..
هل تستطيع أن تعتقل قرية بكل قمحها وتبغها وأحلام صباياها؟
هل تستطيع أن تغرق مدينة بدموع نسائها؟
هل تستطيع أن تقتل طفلاً بلعبته؟
هل تستطيع أن تكون ذئباً وتثغو؟
هل تستطيع أن تكون ليلاً في نهار بلا شمس أو نهاراً في ليل بلا قمر؟
هل تستطيع أن تأمر مرافقيك بمصادرة نجوم السماء وطبعها نحاساً وقصديراً ومنحها لأبناء عمومتك وبواب منزلك وسائق سيارتك وكاتب خطاباتك ومصورك وطبيبك الخاص ومصفف شعر خادمة عقيلتك وكلب صديقتك..
بمناسبة ختان ابن أختك؟
هل تستطيع أن تلف لحم الوطن – ما تبقى من لحم الوطن – شطائر بالسمن والكاتشاب، تبيعها في أوليات الفجر للسكارى العائدين من خمارات القطط السوداء؟
هل تستطيع أن تنتف ريش عصفور حيّ ؟ ثم تأمره بالطيران! إذن استقل.. ابحث عن وطن آخر.. أو ليبحث عنك وطن آخر.. أو ليبحث عن غيرك الوطن.. استعر وطناً، وماطل عندما يطالبك الآخرون برد العارية.. لا تقترض.. لأنك إذا ما استهلكت الوطن القرض فلن تستطيع سداداً لقرضك ويحكمك القاضي المأفون بالسجن في الهواء الطلق.. خذ وطنك معك إلى حيث ترحل.. ابعث له برسالة باليد.. قابله سراً في دار للسينما أو دار للمعاقين أو خمارة نفياً للشهبة..
احتفظ في غرفة نومك –هل لك غرفة نوم؟- بصورة لخرائب الوطن..
استقل.. أقل أمك من قلق يساورها عليك بلا داع ولا طائل.. عوّدتها على سماع نشرات الأخبار.. ومع كل انقلاب يحدث، حتى لو كان في برمودا – تخاف أن تكون من المعتقلين من رجال العهد البائد وتتمنى أن تكون عضواً في المجلس الثوري. بماذا أساءت لك حتى تسيء لها هكذا.. اتقِ الله يا رجل!!!

ج – الأبيض الأبيض
تستريح الآن من طعنة بيضاء.. تأوي إلى ظل وردة بيضاء.. تتألق في كفن أبيض.
نساء الضيعة {كأنهن بيض مكنون} يرفلن في ملاءات بيضاء، يسقينك من أكفهن الرخصة أو الخشنة البيضاء، قطرات من {بيضاء لذة للشاربين، لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون}.. وينتظرن حتى تصحو..كفاك بياضاً!!!
دع عنك وطناً لا يعرف يوماً أبيض ..
تعال إلى ورقة بيضاء.. تعال إلى حجر أبيض
تعال إلى غزالة بيضاء.. تعال إلى امرأة بيضاء.. تخرج من ذاك الحجر الأبيض، ترتدي شالاً أبيض، ترقد على هذا الورق الأبيض.
تعال إلى حبر أبيض، يخرج من عين بيضاء، ينسكب عند قدم بيضاء لامرأة بيضاء، تنام على ورق أبيض، أتت من حجر أبيض، تحت سحاب أبيض..
تعال إلى رصاصة بيضاء، تطلع من بندقية بيضاء، تخلف دخاناً أبيض، وتوقظ امرأة بيضاء أتت من حجر أبيض، استلقت واسترخت على ورق أبيض، واستحمت بحبر أبيض وغطت في نوم أبيض، نشرت غطاء رأسها الأبيض –قد يكون الأبيض الغطاء والرأس معاً- وكشفت عن أسنان بيضاء وغلب بياض عينيها على سوادهما..
وقد كانت منذ ولدت حوراء حوراء ناعسة الطرف مغناجاً كما لو كانت قرية قد تحررت لتوها وعلى ذراعيها وشم أخضر.

تدخل الرصاصة البيضاء في الجسد الأبيض، يخرج دم أبيض من البدن الأبيض للمرأة البيضاء المستلقية على ورق أبيض. وتبكي المرأة البيضاء التي أتت من حجر أبيض واستحمت بالحبر الأبيض، تبكي دمعاً أبيض يجري على وجنات بيض وتمتلئ الورقة البيضاء حبراً أبيض ولا يستطيع الرجل الأبيض المستريح في كفن أبيض أن يقرأ المكتوب على الورقة البيضاء.. فتبيض عيناه من الحزن.

اقرأ أيضاً: المدينة وأهلها ليالي الأنس في فيينا

عندما ماتت المرأة البيضاء، لفوها بكفن أبيض، ونصبوا على قبرها شاهدة بيضاء وزرعوا وردة بيضاء، واستيقظ الرجل الأبيض وقرأ المكتوب بالحبر الأبيض على الورقة البيضاء وعاد إليه بصره من هول الحزن.
أيقظته زوجته من نومه وقالت : حان وقت الصلاة.
فرك عينيه وقال : كان الوطن هنا معي منذ قليل وأشار إلى فراشه. قالت الزوجة : هذا الوطن كم يثير غيرتي؟

رسالة الريح:
وعاذلة تغدو عليّ تلومني
على الشوق لم تمح الصبابة من قلبي
فما لي إن أحببت أرض عشيرتي
وأبغضت طرفاء القصيبة من ذنبِ
فلو أن ريحاً أبلغت وحي مرسل
حفي، لناجيت الجنوب على النقب
فقلت لها أدّي إليهم تحيتي
ولا تخلطيها –طال سعدك- بالتُّرب !!
وجيهة بن أوس – من شواعر الأعراب

(من كتاب “في وصف الحب والحرب”)

آخر تحديث: 25 سبتمبر، 2018 1:01 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>