العلاّمة الأمين.. تكملة مسيرة الوالد

* بعد عودتكم من رحلتكم العلميّة إلى النجف الأشرف فقد أقمتم في شقراء.. هل كان ذلك بهدف تكملة مسيرة الوالد؟ وهل كان في نيتكم سلوك نفس نهج وأسلوب والدكم؟
إذا أردتُ أن أصف بشيء من الدقة توجّهاتي وأنا أرجع إلى بلدي لا أستطيع القول أنني عدتُ وفي ذهني أستنسخ سيرة الوالد وسلوكه، لأسباب ليس أقلّها أنني خلقت لزمان غير زمانه، وأنني تلقيتُ عناصر ثقافة وتفكير مختلفة، لجهة عنصر الحداثة التي أتاحتها ظروفي المختلفة بين ستينات القرن التي درستُ فيها، وعشرينات القرن التي درس فيها الوالد.
ثم إنني أعترف ـ وربما بسبب هذه الثقافة وما تنتجه من طبائع ومزاج ـ أنني لم أكن أملك الصبر الذي يملكه الوالد، أو ملكه الوالد لجهة الإقامة في بيته، أي في ديوانه الخاص أو مكتبته الخاصّة، حيث كان يؤتى إليه من بلدان المنطقة، ومن نفس البلدة شقراء، ولكنّه كان نادراً ما يغادر المنزل، إلا في مناسبة ملحّة جداً.
إذن كان زماننا قد تغيّر، وكان لابدّ لي أن أتّخذ نهجاً آخر يتوافق مع الزمن الذي جئت فيه إلى لبنان، حيث تطوّرت وسائل النقل، وكثرت فيه مناسبات الاجتماع من أسابيع وغيرها، وبدأت تبرز أنشطة الخطابة والمحاضرة في هذه المناسبات، وكنت أرى في نفسي القابلية للخوض في هذا الأمر.
فقد شاركت ـ منذ مجيئي ـ بالكثير الكثير من ندوات ومحاضرات وخطب، في مجالس لها طابع جماهيري، وفي مجالس ومؤسسات لها طابع نخبوي ثقافي، وفي تلك المرحلة بالذات كان الجو العربي بصورة عامّة، واللبناني بصورة خاصّة؛ منشدّاً من الناحية السياسية إلى القضية الفلسطينية، وإلى تعزيز فعل المقاومة التي كانت في أوائل نشوئها.
وكنت واحداً، وربما مميّزاً من علماء الدين الذين انخرطوا فكريّاً وسياسيّاً بهذا النهج المقاوم، الأمر الذي أنشأ لي علاقات مميّزة مع قيادة الثورة الفلسطينية، وبالأخص مع المرحوم الشهيد ياسر عرفات، والمرحوم الشهيد أبو جهاد الوزير.
وساهمت بسبب قابلياتي الفكريّة والوطنية والإسلاميّة بكتابة مئات الصفحات من الأدبيات المتعلّقة بالمقاومة وبقضيّة فلسطين، وأكثرها نشر في مؤسسات الدراسات الفلسطينية، دون توقيعها أحياناً، وكان لها تأثير في إبراز النزعة الإسلاميّة في أوساط المقاومة، وفي حركة فتح بشكل خاص، كما كان معي آنذاك المرحوم السيّد هاني فحص، والذي أصدرتُ معه مجلّة متواضعة من حيث الطباعة، وكانت توزّع في الأوساط الفلسطينية واللبنانية، وخاصّة في الجنوب، سميناها مجلّة الأرض، ولكنّها توقّفت بعد فترة ليست طويلة، وكان أحد أسباب توقيفها تعدد الإنشغالات من جهة، وعدم توفّر التمويل الكافي لتطويرها والإستمرار في إصدارها.

اقرأ أيضاً: عن الدور الذي لعبه الموروث العائلي في تكوين شخصية السيد محمد حسن الأمين

تنوّع الإهتمامات
* مَن يقرأ شخصيّتكم يلاحظ تنوّع الاهتمامات، وتشعب الحياة، من تولي مهمّة القضاء، إلى الاهتمام بالشؤون الفكريّة، والتفاعل مع القضيّة الفلسطينيّة، ومتابعة شؤوناً إسلاميّة عالميّة، ومع ذلك توزيع السكن بين صيدا وبيروت والجنوب.. هل كنتم تفضلون لو أنكم اتجهتم الاتجاه التقليدي، وحصرتم اهتماماتكم وحديتم منها؟
المسألة الأساسية في شخصي، وفي المسار الذي اتخذته، وشاركت الظروف في اتخاذه؛ يبدأ لا شكّ من الدائرة الأولى الأضيق، والتي هي الأسرة، فقد قُدِر لي أن أكون من أسرة علميّة دينيّة، وكانت الظروف التي أحاطت بي، والتي وجّهتني إلى اختيار الإختصاص الديني منبثقة من مسار هذه الأسرة، وكوني الولد الأكبر لعالم ديني كانت له مكانة مميّزة في الأسرة وفي المنطقة، على النحو الذي أجمع المجتمع المحيط بي من الأسرة ومن المنطقة أن أتّجه إلى دراسة العلوم الدينيّة، والسفر إلى النجف الأشرف.
وكنتُ عند وفاة المرحوم الوالد فتىً لا يتجاوز الثالثة أو الرابعة عشر من العمر أتابع دراستي العصريّة، ولكن معها ـ ومنذ وقت مبكر جداً ـ كان الوالد يحرص على تلقيني الدرس شبه اليومي، في مجال النحو واللغة العربية والمبادئ الفقهيّة، بحيث شعرت عند ابتداء الدراسة في النجف الأشرف أن كثيراً من تلك الدروس الأولية لستُ بحاجة إليها، لأنني كنت قد درستها، كما أسلفتُ ذلك.
وهنا أود أن أذكر أن وجودي في منزل يحتوي على مكتبة كبيرة للمرحوم الوالد قد جعلتني أقرأ مبكراً كثيراً من الكتب والمجلّات التي كانت ترسل إلينا على النحو الذي أشعرني ـ وفي سن المراهقة ـ بالرغبة الجامحة للقراءة، بالإضافة إلى الدروس المفروضة في مجالات متعددة، وأبرزها الأدب بكل أشكاله وصوره، شعراً ونثراً وروايةً ونقداً.
وزاد في توسيع مداركي الأكاديمية دراستي في كليّة الفقه التي دخلتها مبكراً، واطلعتُ فيها على العلوم المعاصرة، كعلم النفس، وعلم الاجتماع والتاريخ والفلسفة.. الأمر الذي جعلني أشعر بأن المعرفة هي ميدان واسع لا يقتصر على الدروس الحوزويّة فحسب، وهذا ما شدّني إلى علاقة متيّنة لقضايا الفكر، وخصوصاً قضايا الفكر المعاصر.
وكنتُ أشعر أن كل انجاز معرفي أحققه حتى في ميادين الفكر العلماني كان يُقربني أكثر فأكثر إلى مبدأ الدين والتدين والإسلام، ولكنّه في الوقت نفسه كان يستوّلد في تفكيري نزعة نقدية كنت في بداية مواجهة هذه النزعة أحاول أن أقلل من بروزها في مجتمع كمجتمع الحوزة، الذي نعرفه جميعاً.
ثم ـ عندما بلغتُ ما أحسبه شيئاً من النضج ـ أخذتُ أمارس إبراز رؤيتي وأفكاري، التي لا أريد أن أتواضع تواضعاً كاذباً فأقول إنّها لم تكن ذات أثر، بل بدأت أشعر أنها في الوقت الذي كانت تواجه مواقف سلبية من البعض كانت تجد تَقَبُلاً وتأثيراً في جيل لا بأس بعدده من شبان الحوزة، وحتى في بعض كبارها، ولكنني كنت مصراً على متابعة الدراسات الحوزويّة، وخالفت في ذلك ما حصل لجيل أسبق مني بكثير، وهو أنهم لم يستطيعوا الإستمرار في الحوزة فتركوها، وبعضهم تبنّى اتجاهات بعيدة عن الفكر الديني، كالمرحوم حسين مروة، والسيّد هاشم الأمين (ابن السيّد محسن)، ومحمّد شرارة، وغيرهم ممن اتجهوا اتجاهات فكريّة مختلفة أو متناقضة مع الفكر الديني عموماً.
ورأيتُ أنه يمكن الجمع، إذا لم نقل أكثر من ذلك، حيث إن الجمع بين حصيلة التراث والفكر المعاصر هو أكثر المناهج قوّة ونفاذاً في انتاج فكر ورؤية معرفيّة، وفاعلة على مستوى الفكر الإسلامي الذي يحتاج إلى عملية تجدد وتجديد يتسع لها النص الديني الإسلامي.
وقد شعرتُ فيما بعد ـ وأثناء وجودي في لبنان ـ أن الخطاب الذي كان يسمعه مني الكثير من المثقفين والمتعلمين كان خطاباً مؤثّراً وفاعلاً، فصرتُ أدعى للمشاركة في المؤتمرات العربية والإسلاميّة واللبنانية، وأساهم في تقديم رؤيتي في المسألة الفكريّة والمسألة القوميّة والمسألة الإسلاميّة، التي كانت تترك انطباعات ايجابية، إن لم أقل إنّها جعلت كثيراً من المشتغلين في شؤون الفكر والثقافة يقتنعون بضرورة العودة إلى الفكر الإسلامي بصورة عامّة.
ووجدتُ أنّ هذا المجال من العمل يجعلني أكثر ارتياحاً من ممارسة الدور التقليدي لعلماء الدين، مع أنّ هذا الأمر كان متاحاً لي بوصفي وريثاً لأسرة دينيّة تعوّد الناس على الولاء لها ومراجعتها في أمور دينهم، ولكنني لم أكن مقتنعاً بممارسة هذا الدور، رغم أني أحترمه، وأجد أنّه متوفّر لدى عدد كبير من العلماء الذين يستطيعون أن يملأوا فراغه.
هذه الاعتبارات، وما نعلمه جميعاً من أن عالم الدين هو كبقية الناس بحاجة إلى دخل مادي يعيش منه، وهذا من الصعب أن يتحقق إلا بالإلتزام إلى حدّ كبير بالدور التقليدي، من صلاة جماعة، وصلاة على الأموات، وعقود القِران، والإلتزام بمجالس الوعظ والإرشاد.. فكان لابدّ لي أن أستعين على ذلك باللجوء إلى وظيفة تتناسب مع اختصاصي في مجال الشريعة الإسلاميّة، وهي تقلّد مركز القضاء، الذي يؤمّن عملاً شريفاً هو الفصل في الخصومات، الذي كان ولايزال جزءاً من اختصاص علماء الدين في جبل عامل.

اقرأ أيضاً: العلماء الذين أثّروا بسماحة العلامة الأمين على المستوى الفكري والديني

وتابعتُ ـ بسبب اكتفائي المادي ـ نشاطي المعرفي والاجتماعي والفكري والديني، وهذا ما يرضي تطلعاتي وإن كان يتنافى مع امتلاكي (الشعبوية) التي تفترض منهجاً آخر في العمل الديني.
ومازلتُ حتى الآن أعتقد بأنني مارستُ وأمارس قناعاتي، ولا أخفي قناعتي بأن المرء مسيّر أكثر مما هو مخيّر، بمعنى أن الفرد في محصلة الأمور هو نتاج ظروف ومعطيات وقناعات لا سبيل دائماً إلى الوقوف في وجهها، هذا مع أنني من دعاة قيمة الحريّة، والتي أعتبرها أحد المقاصد الكبرى للدين الإسلامي وللشريعة. وأريد أن أسجّل هنا أنني أحترم وأقدر كثيراً الانجازات التي حققها أخوة من علماء الدين، استطاعوا إلى حدّ ما أن يوفّقوا بين دورهم التقليدي ودورهم الفكري والثقافي، وقد يكون أبرز هؤلاء المرحوم السيّد محمّد حسين فضل الله على سبيل المثال لا الحصر. وبالتالي فإن هناك قابليات وظروفاً تختلف بين شخص وآخر، فتهيئ للبعض أكثر مما تهيئه للآخر.
ولكنني مقتنع بأن علماء الدين لا يجوز ـ كما قلتها مرّة في رثاء أحد العلماء ـ أن يكونوا نسخاً مكررة لكتاب واحد، وهذا ما فسّرت فيه القول المنسوب إلى الرسول: إذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء، بمعنى أن عالماً آخر لا يمكن أن يكون نسخة طبق الأصل عن العالم الذي افتقدناه. وإذن فإن التعدّد أو التنوّع في اتجاهات العلماء ومناهجهم هو مظهر من مظاهر الغنى والتنوّع.

(من كتاب “أمالي الأمين” للشيخ محمد علي الحاج العاملي)

آخر تحديث: 25 سبتمبر، 2018 1:18 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>