الإمام موسى الصدر.. وجع التاريخ وتغيّب الأمل

لم يكن الإمام موسى الصدر بالشخصيّة المغمورة ليتم تغيّبه بتلك الطريقة التي لم يسبق أن حدثت لضيف بحجمه يزور دولة بدعوة رسمية من قبل رئيسها.

في البدئ يجب أن يعلم القارئ الكريم أن السيد المُغيّب عندما عاد إلى وطنه الأم ـ لبنان ـ قادماً من إيران كان الشيعة هناك يعيشون حالة من الضياع وفقدان الهويّة، فهُم منقسمون بولاءاتهم فيما بين الطوائف كل بحسب المنطقة التي يسكنها، وكان الفقر والحاجة هي التي تلجئهم إلى التخندق مع هذه الفئة أو تلك.
فقرر الصدر النهوض بواقع الشيعة هناك لا بدوافع طائفيّة إنما هو وجد أن من حق الشيعة أن يُساهموا في صياغة القرار اللبناني، كما أن لبنان ـ كوطن ـ بحاجة إلى هذه الطائفة من أبنائه لينهضوا بواقعه بعد أن ينهضوا هم مما فيه من التشتت والضياع، فأنت لا يمكن أن تنهض بواقع المُجتمع وأهل بيتك يعيشون في قاعه.
ومع ولادة حركة أمل المحرومين كانت لُبنان تعيش حالة من الفوضى في ظل السلاح الغير منضبط للجماعات الفلسطينيّة التي كانت تموّل من قبل مُعمّر القذافي، والتي أدت بالنتيجة إلى اجتياح جنوب لبنان من قبل الجيش الإسرائيلي بحجة حماية حدودهم.

اقرأ أيضاً: عن خبر استشهاد موسى الصدر: من يصدّق أنّه لا زال حيّاً؟

كما كان هناك الكثير من فصائل الطوائف والجماعات الدينية التي عادةً تستقوي على بعضها كنتيجة طبيعية لغياب سلطة القانون.
فكان الصدر يرى ضرورة استبدال تلك الجماعات بالجيش الوطني اللبناني ليشعر المواطن اللبناني بالانتماء للوطن لا للطائفة التي توفّر له الحماية من اعتداء ميليشيات الطوائف الأخرى.
ولم يغب الإيرانيّون عن المشهد اللبناني إذ أنهم دخلوا لبنان حتى قبل انتصار ثورتهم في إيران، وهم لم يتوافقوا يوما مع الصدر على مشروعه الوطني، فهم ـ كما هي العادة ـ يرفضون أي حديث عن الوطن ويرون أن لبنان جزء من الكيان الإسلامي الكبير ولا يحق لأحد أن يمنع مجاهد من العمل على أرضه لمُجرّد أن غير لبناني.
طبعاً الفكرة في جوهرها صحيحة مائة بالمائة لكن في التطبيق نرى أن الإيرانيين عندما يتعلّق الأمر بإيران فهم إيرانيّون حد النخاع، إلى درجة أن شرطتهم النهرية تقتل الصيادين العراقيين الفقراء من أهل الفاو عندما يعبرون متراً وهمياً من مياه شط العرب بحجة حماية السيادة الإيرانية، لكن عندما يتعلق الأمر بالدول الأخرى فهي مُستباحة لهم بحجة أن الحدود المعروفة دولياً صنيعة الاستعمار..!!
وفي الحقيقة لو عدنا لجوهر الخلاف فيما بين الإيرانيين والسيد موسى الصدر نجد أنهم كانوا يريدونه أن يكون جزءاً من حاشية السيد الخميني وداعية له، فكانوا يطالبونه بالاعتراف بمرجعية الخميني والدعوة لتقليده في لبنان، وهذا الأمر ذكره الشيخ هاشمي رفسنجاني في مذكراته إذ يقول في ذيل كلام طويل له:
{…وكان أنصار الإمام الخميني وعلى رأسهم ابنه المرحوم السيد مصطفى في نزاع مع السيد موسى مصدره الأصلي والوحيد مسألة المرجعية.
إذ لم يعلن السيد الصدر تأييده لمرجعية الخميني… وكان الشبان الإيرانيون في لبنان يريدون أن يأخذ السيد موسى موقفاً صريحاً.. وكانت لهم خطب لاذعة وبيانات.. فذهبت لمقابلة الإمام الخميني في النجف وللتقريب بينه وبين السيد موسى الصدر، ولكن مساعي التقريب لم تنجح.. وتفاقم الصراع بين الخط الراديكالي الخميني والخط الاصلاحي الصدري}
طبعاً هناك نقطة أخرى أنا أرى أنها عمّقت من ذلك الخلاف فيما بين السيد الصدر والإيرانيين، وهو موقفه من قضية اتهام السيد مهدي الحكيم من قبل الحكومة العراقية بالعمالة لبريطانيا، وقد خاض السيد موسى الصدر معركة إعلامية ودبلوماسية كبيرة بالتنسيق مع السيد الشهيد محمد باقر الصدر (قدس سره) لفك الحصار عن السيد محسن الحكيم والإيرانيون كانوا على خلاف شديد ـ بل تناقض ـ مع مرجعية الحكيم، لذلك كانت طبقة كبيرة من حاشية السيد الخميني تنظر إلى الصدر الأول على أنه عميلاً أمريكياً، وبالطبع فإن دفاع السيد موسى الصدر عن مرجعية الحكيم وابنه وضعته على رأس قائمة المستهدفين من قبل حواشي السيد الخميني.
أقول: البعض يشير بأصابع الاتهام إلى إيران في قضية تغييب الإمام موسى الصدر وأنها نسّقت الأمر مع القذافي، خصوصاً وإن الإيرانيون أرادوا إبعاده من الساحة اللبنانية بدعوته لاستلام منصب رئيس الجمهوريّة، ليس حباً بالصدر وإنما لتحجيم دوره باعتباره زعيم نهضة وقائد أمّة، ليُصبح مجرّد موظف كبير الرتبة في الدولة الإيرانيّة، ولأنهم يعلمون أن الرئاسة في إيران منصباً شكلياً وإن القرار الأخير بيد الولي الفقيه، ولذلك رفض السيد الصدر تلك الدعوة.

اقرأ أيضاً: #عقيدة_وثبات في ذكراه الأربعين: هذا هو الامام موسى الصدر

وللحق أنا في رأيي أن إيران حتى لو لم يكن لها يد في عملية اختطافه وتغييبه، فهي أكيداً تجاهلت البحث عن مصير الرجل رغم العلاقات الوثيقة التي ربطتها بالقذافي، حتى أن عبد الله السنوسي مدير المخابرات العامّة الليبية في زمن القذافي قال بعد سقوط القذافي: إن إيران وإلى العام 1992 كان بإمكانها أن تستنقذ الصدر من احتجازه إلا إنها لم تفعل.
أحد علماء لبنان البارزين قال: إن لم تتدخل إيران في عملية اختطاف الصدر فهي قد غضت الطرف عنه ورأت أن الحفاظ على حزب الله ككيان موالي لها أثمن من رأس الصدر، فهي خشيت بعودته انهيار حزب الله وعودة أغلب قادته تحت عباءة الصدر.
العلوية رباب الصدر ـ شقيقة السيد موسى الصدر ـ قالت في مقابلة لها على قناة (BBC) العربية: إن إيران لم تقم بأي فعل يمكنه الكشف عن مصير الإمام الصدر، ولم تقدّم لنا أي مساعدة.
وإلى لحظة كتابة هذه السطور لم تقم إيران بأي دور ـ على الأقل للكشف عن مصير الرجل ـ فضلاً عن استنقاذه مع أنها تدخلت بقوّة في مصر ـ أثناء الثورة المصرية ـ لإخراج وتهريب اثنين من أعضاء حزب الله، وقد نجحت بذلك على الرُغم من أن الأوضاع في مصر لم تنفلت إلى درجة انفلاتها في ليبيا أثناء وبعد الثورة.
من كل ما تقدم يظهر أن الإيرانيون يخشون حقاً من الكشف عن ملابسات اختطاف وتغييب الإمام موسى الصدر لذلك هم يطوون عنها كشحا، ويتجاهلونها بشكل مريب.

آخر تحديث: 22 سبتمبر، 2018 12:28 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>