هكذا «تعرفت» على رفيق الحريري

في الأسبوع الفائت بدأت المرافعات النهائية في قضية إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري في مقر المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في لاهاي.

لا اريد هنا أن أعيد وأحلل وأناقش ما أعلنه الإدعاء العام من معطيات ودلائل وقرائن وصلت حدود ال 3000 تقريبًا، فهذه ليست مهمتي ولا إختصاصي ولا هدفي. أريد فقط في هذه المناسبة أن أستذكر كيف “تعرفت” على رفيق الحريري لأول مرة، لا تقديسًا للرجل ولا تنزيهًا له عن الأخطاء، إنّما فقط لإحساسي الدائم ومنذ الإغتيال بأننا فقدنا رجلاً إستثنائيًا لا يعوض والدليل ما وصلنا إليه اليوم حيث أننا نفتقده أكثر وسط هذا الظلام الذي أحاط ولا يزال بمصير لبنان الوطن والكيان وكما يقال في الليلة الظلماء يفتقد البدر.
نستذكر المرة الأولى التي سمعنا بها بإسم رفيق الحريري وكانت عقب الإجتياح الصهيوني للبنان عام 1982 ووصول هذا الإجتياح ودخوله أول عاصمة عربية وأية عاصمة… إنها ست الدنيا بيروت وسط صمت عربي ودولي قاتل ومريب. يومها كان الدمار والخراب يلف لبنان وبيروت بشكل خاص وكان وجه بيروت وجسدها مثخنا بالجراح والركام والغبار ، فكان ان إمتدت يد لتمسح عنها هذا الواقع المرير وتعيد إليها بعضا من إبتسامتها وبصيص أمل بعد أن كان اليأس قد دب في النفوس جراء هول الفاجعة. وكانت هذه اليد يد رفيق الحريري.

وبعدها عرفناه مفاوضًا ومبعوثًا للمملكة العربية السعودية لمحاولة حل النزاع في لبنان بين اللبنانيين أنفسهم تارة وبين السلطة إبان ولاية أمين الجميل والنظام السوري تارة أخرى وكان مؤتمري لوزان وجنيف وصولًا إلى مؤتمر الطائف الذي أنتج إتفاق الطائف الذي أوقف الحرب الأهلية اللبنانية، والذي يحاول البعض اليوم الإنقضاض او بأقل تقدير الإلتفاف عليه دون إدراك وتقدير عواقب هذا الأمر بعد كل ما كلف إنجاز هذا الإتفاق من ضحايا وخسائر.

نستذكر أيضًا المرة الأولى التي تولى فيها رفيق الحريري رئاسة الحكومة في لبنان أواخر العام 1992 وكنت يومها في لبنان لأشهد على “هستيريا” الفرح والأمل التي عمت ارجاء الوطن الجريح الخارج من تحت أنقاض الحرب وكان شيئا أشبه بالخيال حيث فجأة إنهال اللبنانيون على البنوك لتبديل دولاراتهم بالعملة الوطنية اللبنانية لدرجة بات معها البنك المركزي عاجزا عن تلبية طلب الناس على عملتهم وكان أن عاد الدولار ليستقر على 1500 ليرة ولا يزال بعد أن كان جاوز عتبة ال 3000 ليرة لبنانية.

ولعل أطرف ما قرأته يومها يافطة في مدينة صيدا كتب عليها.. الحريري يتكلم والدولار يتألم.

إقرأ أيضاً: تفاصيل تخطيط وتنفيذ اغتيال الشهيد الحريري بين بدر الدين وسليم عياش!

نستذكر كم ضحى وعانى في سبيل إعادة إعمار البلد من البعض من قادة طبقة ميليشياوية حكمت البلد بحكم الأمر الواقع وباتت متحكمة بمصيره مدعومة بوصاية سورية لئيمة ديدنها الإبتزاز والتسلط لتمرير صفقاتها، بحيث لم يبق أحد لم “يبل” يده برفيق الحريري حسب تعبيره رحمه الله في إحدى جلسات المجلس النيابي قبيل إغتياله ومع ذلك نجح بصبره وإرادته وحبه لوطنه وجهود المخلصين من أبناء لبنان وعلاقاته العربية والدولية أن يقود ورشة الإعمار في جهد خرافي وزمن قياسي لم يتجاوز ست سنوات في وضع مليء بالألغام السياسية والأمنية والإجتماعية والإعتداءات الصهيونية المتكررة ومنها إجتياح عام 1993 الجوي وعناقيد الغضب عام 1996 ومن منا ينسى تهديدات العدو يومها من أن إسرائيل لن تدع الحريري ينجح في مهمته وينجز حلمه فكان أن إستطاع بعد حرب 1996 ونتيجة جهده الدولي الخارق يومها متنقلا بين عواصم العالم من أن ينتزع شرعية للمقاومة ومن منا ينسى إحتضانه لأطفال ضحايا مجزرة قانا.

كل هذا قبل أن تتمكن سلطة الوصاية من إحكام سيطرتها المباشرة على مفاصل الدولة وتغولها مستغلة كعادتها تراخي الإهتمام العربي والدولي بالوضع في لبنان بعد إتفاقية أوسلو وبدء التحضير لمباحثات السلام الإسرائيلية – السورية عبر إدارة كلينتون لتضع العصي في دواليب مسيرته عبر تنصيب ازلامها المباشرين في سدة الحكم وكان ما كان إلى لحظة إستشهاده.

إقرأ أيضاً: العراق عشية اغتيال رفيق الحريري

واليوم والمحكمة الدولية باتت في مراحلها الأخيرة وبعد مرور أكثر من ثلاثة عشر عاما على إستشهاده ما زلنا نرى ونسمع بعض السياسيين والإعلاميين -من المحور إياه- ومنهم من أعادته دماء رفيق الحريري إلى الحياة السياسية والإعلامية وهم يتطاولون عليه وعلى ذكراه بحقد مريض منقطع النظير ولم يخفف من حقدهم مرور كل هذه السنين على غيابه لأنه بالحقيقة لم يغب إلا جسديا ولن يغيب وستبقى سيرته وذكراه نارا تلهب قلوب كارهيه ليموتوا بغيظهم وحقدهم، وبردا وسلاما ونورا على كل محبيه ومحبي الوطن الحبيب لبنان الذي إستودعه الراحل الكبير وقبل إستشهاده أمانة لدى من لا تضيع عنده الأمانات .. لدى الله رب العالمين، المنتقم الجبار من كل قاتل وظالم.. رحم الله الرئيس الشهيد.. وحمى الله لبنان.

آخر تحديث: 20 سبتمبر، 2018 11:47 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>