الرسّامة نجلاء حبيش: هكذا ترسم بيروت نفسها… بالموسيقى

تأمل في لوحات الفنانة التشكيلية نجلاء حبيش.

“وعيت من النوم لقيت حالي رسامة”، بهذه الكلمات تستقبل السيدة نجلاء حبيش أسئلة زائري معارضها، التي تدور في معظمها حول بداية علاقتها مع فنّ الرسم. وليس غريباً أن تسأل حبيش هذا السؤال، هي الآتية حديثاً إلى كوكب الفنّ من كوكب الأرقام. فالسيدة التي استحقّت بجدارة منصبها الحالي، كرئيس دائرة في مديرية “اليانصيب الوطني اللبناني” في وزارة المالية، تخبّئ خلف نظراتها الحادة وخطواتها الجدية، روحاً تخربش فوق الورق فتولد لوحاتٌ وجدارياتٌ تستقبلها بحبّ ولهفة معارض لبنان والدول العربية.

لا تتحدث حبيش كثيراً عن نفسها، هي البعيدة بشكل عام عن الإطلالات الإعلامية. أما هويتها الفنية فيمكن تجميع خيوطها عند متابعة معارضها والاستماع إلى الحوارات الشيّقة التي تجري بينها وبين الزائرين على هامش هذه اللوحة أو تلك، وبالطبع حين نتأمّل أعمالها الجميلة.

“الفنّ للفنّ”، تحت هذا المبدأ ترسم “حبيش” لوحاتها التي أغلبها عبارة عن جداريات كبيرة الحجم ، وهي في “لغة السوق” متعارف أنّه “يصعب بيعها”. إلا أنّ ذلك ليس ضمن أولويات الرسام الحقيقي. فأكثر ما يهمّها هو إفراغ طاقة الشغف التي تشعر بها في داخلها، والتي لا تعرف كيف تترجمها بغير الرسم.

هذا العبور إلى عالم الألوان لم تكتشفه الفنانة التشكيلية باكراً فظلّت تنظر إلى خربشاتها الورقية القديمة وكأنّها “عادية”، إلى أن اتجهت إلى الرسم على الفخار، لتخوض مغامرة رسم اللوحة الأولى بعد تحدٍّ بينها وبين شقيقتها رندة.

ربحت “حبيش” التحدي، فاللوحة الأولى التي رسمتها في العام 2012 وهي تراقص بريشتها نوتات الموسيقى، قالت للرسامة الصامتة في داخلها “آن الاوان لتنطلقي”، فانطلقت حتّى كان المعرض الأوّل لها في “الزيتونة باي” بمناسبة يوم السلام العالمي.

لعبة الألوان والخطوط والأضواء مفاتيح سرية. عليكَ أن تبحث عليها في لوحات “حبيش”. فهي لا تبصم المشهد ولا تنقله، وإنّما تصوّر أحاسيسها في لوحة، وكيف تشعر أمام المشهد، وكيف تراه في عيونها الداخلية، وليس في العينين المعلّقتين بالوجه. أحياناً يصرخ الصوت من داخلها، وأحياناً تبكي الطفلة التي في داخلها، وأحياناً تشتاق المرأة، وتعشق الحبيبة…
وبين اللون واللون، تقول ما لا تبوح به بالكلام، فتحوّل كلّ جدارية إلى قصة، فيما تبقى القصة الأكثر تعلقاً بالرسامة والأكثر قرباً لروحها هي لوحة “The departure” التي رسمتها، دون أن تدريَ أنّ هذه اللوحة سوف تجسّد لاحقاً الحالة التي ارتدَت خيوطها بعدما استسلم والداها مؤخّراً لمرض السرطان، وتركاها لتواجه الألوان الرمادية.

 

لوحة The departure

قبل فترة يمّمت شطر ريشتها صوب بيروت. هي ابنة المدينة التي ارتبطت بتفاصيلها في السلم والحرب، في الحب والموت والفراق. “ذاكرة بيروت- بيروت بين الأمل والألم”، هو العنوان الذي اختارته “حبيش” لمجموعة جداريات نقلت رؤيتها للعاصمة، عبر رسومات متنوعة عن المدينة.

لا تنقل “حبيش” صورة بيروت كما نراها بالعين المجردة، فتؤكد لزوارها أنّها تغمض عينيها وتطلق ذاكرتها حرّة خالية من القيود، وتسمح لمشاعرها أن تجنح فوق الورق الأبيض، فترسم المدينة كما هي داخل قلبها وبين جنبات روحها، مدينةً جبارة، مدينةً لا يُسكرها الألم، فتنتصر دوماً، والانتصار لغة أتقنتها “حبيش” بالأضواء المتناثرة على أطراف الجداريات.

“حبيش”، التي تعرّف الوافدين إلى المعارض لرؤية لوحاتها، تعترف أنّها ليست أوّل من رسم بيروت ولا آخر من سيرسمها. فهي مدينة مفتوحة. لكنّها تؤكد أنّ هذه المدينة ليست ملكاً لأحد، وبالتالي يحقّ لكل من يعشقها أن يرسمها، وهي بدروها تعلن هذا الحب باللون والضوء والخطوط.

جدارية رسم الفنانة نجلاء حبيش

 

ماذا بعد بيروت؟
تصمت “حبيش” بين لوحاتها، فتجيب السائل – الزائر: “أنا لا أعرف ماذا أرسم، فقط أجلس في مرسمي وأنصت وأنا مغمضة العينين إلى تلك الموسيقى المتصاعدة.. هناك وفي تلك الحالة أسافر في ذاكرتي في أحاسيسي، فترسم اللوحة لوحدها دون أي إرادة مني”.

هل تبالغ نجلاء؟ ربما. لكن من ينظر إلى لوحاتها، سيرى نتفاً من تلك الموسيقى، وسيعرف أنّها لا تبالغ. علينا فقط أن ننصت جيّداً، فيما نتأمّل.

إقرأ أيضاً: الرسّام المتخفّي في بدلة رجل أمن: دانيال أبي اللمع

جدارية رسم الفنانة نجلاء حبيش

 

للإطلاع على المزيد من اللوحات يمكنكم زيارة صفحة الفنانة التشكيلية على موقع انستغرام najlahobeiche

آخر تحديث: 8 سبتمبر، 2018 1:29 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>