يُراد للبصرة أن تحترق

يوم أمس كُنتُ أتابع القنوات وهي تبث أخبارَ البصرة وما يجري على أهلها من حيف وظلم، لدرجة أن الأمم المُتّحدة التي لم تهتم يوماً لما يجري على العرب تحدّثت عنها وعن مظلوميتها..!!

وكان من بين القنوات التي تناولت أحداث البصرة قناة “المسار الأولى” ببرنامجٍ حواري استمر لأكثر من ستين دقيقة، كاد فيه مُقدّم البرنامج أن يبكي لحال البصرة وأهلها، وراح يُعنّف الشرطة على قسوتهم في التعامل مع المُتظاهرين السلميين..!!

إقرأ ايضا: مجتبى خامنئي في بغداد.. والصدر يقبل بالتحالف مع «الفتح» الموالي لإيران

فعادت بي الذكريات للعام 2011 حيث حمل البصريّون نعشاً كُتب عليه (الكهرباء) وراحوا يُشيعونه في شوارع المدينة، وكان بعضهم شاقّاً جيبه ـ كما يفعل أهل المصاب ـ لترد حكومة المالكي بالرصاص الحيّ وتقتل أحد المتظاهرين وتُصيب آخرين، وتعتقل جماعة، فما كان من “المسار” إلا أن خرجت علينا لتبرر الجريمة، قائلة: إن التظاهر السلمي حق للجماهير، ولكن حينما يكون هناك مُندسّون فيجب على أجهزة الأمن الرد بحسم.

وخرج علينا المالكي ـ حينها ـ ليقول أن المُندسّين هم من تسببوا بما جرى..!!

أقول: ألا ترون معي مَْن تسبب بمحنة الكهرباء المُزمنة، ألا تتذكرون من قال أن العراق سنة 2011 سيُصدّر الكهرباء، ألا تتذكرون الميزانية الانفجارية 2008 لتسألوا من أمسك بزمام الأمور مُنذ العام 2006 وحتى العام 1014 ليُسلّم العراق مُجرّد خرائب تعيث بثلث أراضيه عصابات “داعش”، بلا ماء ولا كهرباء ولا خدمات ولا حتى جيش..؟!

ألا ترون أن من خرّبوا البصرة ومعها #العراق بالأمس هم أنفسهم اليوم الذين يتباكون على البصرة..؟!
وها هي البصرة تحترق، لماذا..؟!

هم يعرفون مَنْ قطع نهر الكارون عن شط العرب، ومدَّ لساناً ملحيّاً مُشبّعاً بنفايات المصانع، ليغتال (نخل الفاو) ومزارع (أبو الخصيب) وليصبح شط العرب موطنا للأوبئة والأمراض.

هُم يعرفون مَنْ منع معمل الحديد والصلب في البصرة من العمل ليبقى العراق يستورد الحديد، وفتح بدلاً عنه معاملاً للكريستال وأنواع المُخدّرات.

هم يعرفون مَنْ منع فتح معمل البتروكيمياويات الذي كان بإمكانه أن يُشغّل ألاف الشباب البصريين العاطلين عن العمل.

هم يعرفون لماذا تواطأت الحكومات السابقة على عدم بناء محطات توليد الطاقة الكهربائية واستعاضوا عنها بكايبل ينقل الكهرباء من خلف الحدود، يتحكّم به الأجنبي ويستخدمه متى شاء لتهييج الناس وإثارة سخطهم، مع أن إنشاء محطة كهرباء أقل كلفةً من سحب كايبل “ولائي” لمئات الكيلومترات..!!

وحينما علموا أن العقد قد انفرط من أيديهم، وأن العراق سيخرج من قبضة #سُليماني وذيوله، قطعوا الكهرباء لتحريك الشارع، وها هي ذيولهم تتقاسم الأدوار:

فقسم يتخفّى بلباس رجال الأمن ويندس بينهم ـ لأنهم دمج ـ ويأخذون أوامرهم من قادة ميليشياتهم ليطلقوا الرصاص الحيّ على المتظاهرين، فيُثيرون بذلك غضبهم.

وقسم يتخفّون بلباس المُتظاهرين الثائرين ويندسون بينهم فيعمدون إلى إحراق مرافق الدولة ومؤسساتها ويعتدون على أجهزة الأمن لإثارتهم وحملهم على الرد بالرصاص الحيّ.

وما بين هذا وذاك تضيع حقوق البصريين وتتحوّل القضيّة من مُطالبة مشروعة بالحقوق إلى عملية شغب يُقتل فيها المواطنون ورجال الأمن على حد سواء.

وهُنا يُفتح الباب لميليشياتهم ـ بحُجة عدم قدرة رجال الأمن على بسط الأمن ـ للتدخل ورميّ الزيت على النار ولتحترق البصرة ومن ورائها ميسان وذي قار والمثنى والكوت و…إلخ.

هكذا سيحترق جنوب العراق ووسطه كما أحرقوا بالأمس المنطقة الغربية بقيادة مُختار العصر، ولتذهب جهود الخيرين من أبناء الوطن ورجاله وقادته الأوفياء في تشكيل حكومة وتكنوقراط مُستقل بعيداً عن تدخلات سليماني أدراج الرياح.

محرقة أخرى تُعدُّ لها #طهران بكل ما عهدنا من خبث سريرتها لشغل الناس عن أهدافهم الحقيقيّة، في قيام حكومة وطنية توفر لهم رغف الخبز بكرامة، وتؤسس لقيام دولة المؤسسات والخدمات بعيداً عن الفاسدين الذين ضيّعوا ترليون دولار من أموال العراق على مشاريع وهمية وجيش فضائي.

محرقة أخرى لن يكون فيها خاسرٌ سوى الشعب العراقي.

فالحرائق لا تبني مؤسسات بل تُدمرها، والحرائق لا تأتي بالخدمات بل تؤخرها، والحرائق لا تُبعد الفاسدين بل تطيل بقائهم في مواقعهم، والحراق لن تُحرر العراق من سليماني بل هي تُزيد تكبيله، وبعد أن يقع الفأس بالرأس سيأتي كخبير عسكري استراتيجي لإدارة قمع حركة تمرّد الوسط والجنوب كما فعل في الرمادي والموصل وتكريت.

وهنا لا أريد لأهل البصرة التوقّف، أو تنكيس علم الثورة ـ معاذ الله ـ إنما أطالب أهلي الطيبين هناك أن يتعقّلوا وأن يلتفتوا إلى كل هذه الحيل، وقد تحدّث رئيس الوزراء عن أناس يريدون جرّ البلاد إلى مشروع وأجندات لا نعلمها، أما سماحة السيد مقتدى الصدر فقد تحدّث عن اختراقات في صفوف الشرطة.

هذا ما نعلمه فكيف بما لا نعلمه من هؤلاء الذين يملكون من المكر ما لا يمر حتى على بال إبليس بكل ما يملك من مكر وخبث وخداع. {وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ وَعِندَ اللّهِ مَكْرُهُمْ وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} إبراهيم46

فيا أخوة أبي قادر، يا حماة الإسلام ورافعي لواء المُقاومة، يا مَنْ لازالت ذكرى وقفاتكم تُرعب المُحتلين والفاسدين بكل جبروتهم لا تنجرفوا مع كل صيحة دون أن تعرفوا مصدرها وما المراد منها.

إقرأ ايضا: مقتدى الصدر يغادر بيروت: أبواب نصرالله موصدة

وأنا لا أقول لكم ذلك لأنني أكثر وعياً منكم ـ حاشى لله ـ وإنما لأنّني أعرف مدى طيبتكم وصفاء سرائركم لتُصدّقون بكل من يمسح على جراحاتكم ولو بالكلمة وتندفعون معه مع أنّه هو سبب بلائكم وما أنتم فيه، وإن رأيتم أن هُناك مَنْ ضامكم فاعلموا أن لديكم أخوة ورجال لا يسكتون على الضيم وقد جربتموهم عند الشدائد، وسمعتم قائدهم يقولها بكل صراحة: (لا تختبروا صبرنا).

آخر تحديث: 6 سبتمبر، 2018 10:06 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>