لبنان: من أزمة تشكيل الحكومة الى أزمة نظام سياسي

عادت الأزمة الحكومية بعد الصيغة الحكومية التي عرضها الرئيس المكلف على رئيس الجمهورية إلى نقطة الصفر، بفتحها بابا جديدا للإجتهادات الدستورية حول الصلاحيات لتفجّر حرب مواقع بين وكلاء رئاستي الجمهورية ‏والحكومة.

فلم يكد بيان المكتب الاعلامي لرئاسة الجمهورية يصدر، والذي أبدى فيه رئيس الجمهورية ملاحظات على الصيغة الحكومية للحريري، حتى بدأت الردود من قبل كتلة “المستقبل”، ورؤساء الحكومة السابقين والمرجعيات السنية إعتراضا على إشارة البيان الرئاسي الى “الأسس والمعايير التي كان قد حدّدها ‏رئيس الجمهورية لشكل الحكومة” بإعتبار انها في غير محلها لأنها ‏تستند الى مفهوم غير موجود في النصوص الدستورية المتعلقة بتشكيل ‏الحكومات في لبنان‎”.‎

اقرأ أيضاً: أزمة تأليف الحكومة تفتح «معركة الصلاحيات» بين الرئاستين الأولى والثالثة

وعلى الرغم من أن الرئيس الحريري ظلّ يعتمد سياسة التهدئة في محاولة منه لإمتصاص ردود الفعل ‏السلبية التي صدرت من فريق العهد لكن دون جدوى حيث يتولى نواب تكتل “لبنان القوي” التابع لرئيس الجمهورية هجومهم اللاذع على رئيس ااحكومة المكلف من باب الدفاع عن صلاحيات رئيس الجمهورية.

وأمام هذه المشهدية إلى أي مدى ممكن أن يطول هذا الخلاف؟ وما هي حدود صلاحيات رئيس الجمهورية في هذا الملف؟

الخبير الدستوري الدكتور عصام اسماعيل أوضح لـ “جنوبية” أنّه “بداية يجب معرفة المقصود من وضع المعايير، فهل كان المقصود وضع معايير كضوابط مخالفة للنص الدستوري أم لا، مشيرا إلى أن هذه المعايير تتوقف على وجود إتفاق بين الرئيسين حولها”.

كما أشار إسماعيل أنه “شئنا أم بينا هناك ثلاثة أطراف معنية بتشكيل الحكومة حيث يقوم رئيس المكلف بإستشارات نيابية ملزمة بموافقة رئيس الجمهورية وبالتالي التركيبة الثلاثية عليها أن تتخذ القرار من خلال التوافق على التشكيلة الحكومية”، لافتا إلى أنه “في الجلسات الإلزامية يحدث نقاشات حول مواضيع معينة، والمعايير هي عبارة عن تصورات وليست إلزامات وفي حال عدم موافقة رئيس الحكومة عليها لا يستطيع أحد إلزامه على السير بها”.

وأكّد أن “رئيس الجمهورية ليس مرجعا ملزما بوضع معايير أو أسس لآلية تشكيل الحكومة بل يعرض رأيه من باب التمنّي وهو مشروط بموافقة رئيس الحكومة”، وتابع ” لا يمكن لأي جهة وضع معاييرا لتشكيل الحكومة بل هناك توافقات لكل عملية بمفردها”. مشيرا إلى أن “الخلاف الحاصل هو حول معيار عدد الوزراء والحقائب وليس معيار المصلحة العامة فلو كان هذا هو المعيار والهاجس الفعلي لهم من حيث إختيار الشخص المناسب في المكان المناسب لكانت الأمور قد حلّت”.

وخلص إسماعيل بالتأكيد أن “الأزمة قد تطول لأن لا شيء في الدستور يلزم رئيس الجمهورية الموافقة على أي تشكيلة حكومة أيا كان عددها وشكلها، وكذلك الرئيس المكلّف لا إلزام بخضوعه وليس هناك مهلة محددة للتأليف”.

إلياس الزغبي الصحافي والمحلل السياسي رأى في حديث لـ “جنوبية” أن “البيان الرئاسي أعاد مسألة تشكيل الحكومة إلى عُقدة جديدة، بمعنى أن المسألة لم تطرح في الأساس على قاعدة أن رئيس الجمهورية يضع أسسًا ومعايير لتشكيل الحكومة، مؤكّدا أن “الدستور لهذه الناحية واضح وحاسم، خصوصا في المادة: 49، 53 و64″، مضيفا “لذلك فإن المستشارين الذين قدموا نصيحة لرئيس الجمهورية بإصدار هذا البيان والتركيز على ما ورد فيه بأنه حدّد مسبقا أسسا ومعايير لتشكيل الحكومة، هذه النصيحة أدّت إلى تعقيد ومضاعفة حساسية الصلاحيات التي كانت تطرح بين الحين والآخر على مدى الأشهر الثلاثة الفائتة”، مشيرا إلى أن “بيان الرئاسة جاء ليطرح مسألة الصلاحيات من بابها الواسع وبصورة غير محقة، لأن هذا الطرح يتجاوز الدستور بنصه الواضح ولأن المعايير والأسس هي عامة ودستورية يلتزمها الرئيس المكلّف بشكل عفوي بدون أيّ تدخل من قبل رئيس الجمهورية، وهذا ما أثار غضب المرجعيات السنية وتحديدا رؤساء الحكومة السابقين إضافة إلى تكتل “المستقبل” وحتى الشخصيات السنية المناهضة للرئيس الحريري ولاحقا نواب سنّة آخرون وهناك إتجاه سني عام لرفض هذا التجاوز”.

وبرأي الزغبي فإن “رئيس الجمهورية كان في غنى عن هذه النصحية الخاطئة جدا لإصدار هكذا بيان، فبدلا من أن يقترب التشكيل الحكومي من نهاياته السعيدة فإذ به يبتعد مسافات ضوئية عن التشكيل، ويطرح المسألة في أساسها الميثاقي والدستوري وكأنه ربما يطرح إعادة النظر بإتفاق الطائف وما أدّى إليه من الدستور القائم”، وتابع “إذاً المسألة من خلال البيان الرئاسي تخطت عملية التشكيل التقليدي كي تعيد طرح مسألة النظام السياسي برمته، لذلك نحن الآن أمام إحتمال تحوّل الأزمة إلى أزمة حكم وإلى ما هو أعلى أي أزمة الكيان والنظام السياسي بحدّ ذاته”. مشددا على أن “هذا البيان خطير لدرجة أنه يعيد طرح هذه القضايا التي كانت التسوية الرئاسية قد تجاوزتها “.

اقرأ أيضاً: ماذا بعد تشدّد الرئيس عون ورفضه لتشكيلة الحريري الوزارية؟

وأمام هذا الواقع، دعا الزغبي الفريق السيادي أن “يعيد رفع سقف مطالبه إلى الصيغة المتوازنة والعادلة ومناصفة المقاعد الوزارية 15/15”.

كما رأى أن “المسألة تزداد خطورة إذا نظرنا إلى الخلفية التي نصحت بإصدار هكذا بيان، وبحسب الزغبي فإن “ثمة قوّة خفية لكنها معلومة وتتمثل بـ “حزب الله” الذي يقف على مسافة بعيدة عن الأنظار وراء هذا التصعيد من قبل الرئيس عون، لأن الحزب يعمل لتحقيق مكاسب ميدانيا في إدلب وسواها، وفي حال حصول ذلك يتم توظيفه داخليا عبر تحقيق مزيد من الغلبة فلا يعود يرضى بصيغة 17/ 13 التي قدمها الرئيس الحريري”.

وخلص الزغبي بالإشارة إلى أن “هذا الفريق ربما يطمح إلى ما هو أعلى من ذلك أي إلى الثلثين، وإذا إستطاع يريد أخذ الحكم والحكومة والسلطة بأكملها، وهذا رهان موجود ولو حاول هذا الفريق إستبعاده”.

آخر تحديث: 6 سبتمبر، 2018 11:39 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>