التكافل الاجتماعي ورعاية الأقارب في النجف

أوّل ذهابي إلى النجف الأشرف، بين الأشخاص الذين وجدتُ عندهم بعض الإحتضان هم أقارب وأصهار، كالسيّد أحمد شوقي الأمين، والسيّد عبد الكريم نور الدين (من جويا، ابن السيّد نور الدين)، وهو صهري زوج عمّتي، كنتُ على صلة دائمة فيه، كذلك المرحوم الشيخ محمّد مهدي شمس الدين، بحكم المصاهرة، كنتُ أتلقى من هؤلاء بعض الرعاية والإهتمام، بما كنتُ أحتاج إليه، من معلومات عامّة حول الدراسة، والإقامة في النجف.
وأشهد أن أموري الخاصّة كطالب علم أعزب كانت تؤمن من هذه البيوت الثلاثة بالتحديد، كإعداد الطعام، وغسل الثياب، مما يحتاجه الطالب، ومما يأخذ وقتاً طويلاً من الطلاب الآخرين.
وفي المرحلة التي سبقت زواجي كانت هذه البيوت الثلاثة تؤمّن لي هذه الأمور، وتساعدني على التفرّغ الكامل للدرس وطلب العلم.

اقرأ أيضاً: بداية تعمُّم السيد محمد حسن الأمين

مفارقة عند بداية المجيء للنجف
هناك طلاب مشتغلين في علم النحو – في النجف – ويعتبرون من المحصّلين، ولكنّهم، وهذه مفارقة، أكثرهم كان يعجز عن إعراب النصوص، مع العلم أن الهدف من دراسة النحو هو معرفة الإعراب. الأمر الذي أردتُ أن أشير إليه أنه عندما وفدتُ إلى النجف وجدتُ نفسي متميّزاً حتى قبل بدء الدراسة في مادّة الإعراب، حيث كان يطرح نصوص أو أبيات شعر، وكنتُ أُبدي تميّزاً خاصّاً في إعرابها، والسبب في ذلك أنني منذ سن العاشرة بدأتُ أتلقى فيما أتلقاه على يد الوالد علم النحو، وخاصّة إعراب الجمل والأبيات، والتي ـ فضلاً عن كونها جزءاً من الدرس، فإنّه في جلساته العاديّة داخل المنزل، وخاصّة فترة العصر، حيث اعتاد أن يجلس معنا لشرب كؤوس الشاي كعادة يوميّة ـ كان يطرح عليَّ جملاً أو أبيات شعريّة، ويطلب مني إعرابها، مما ولّد لديَّ ملكةً مبكّرة في معرفة الإعراب بشكل خاص، والنحو والصرف بصورة عامّة. هذا بالإضافة إلى حفظ نصوص شعريّة قديمة وحديثة، كان يطلب إليَّ حفظها بقصد تنمية الذوق الأدبي. وأحسب أن هذا يشكل سبباً أساسيّاً في أنني نظمتُ الشعر مبكراً، لدرجة أنني بدأتُ أشارك في الندوات والإحتفالات الشعريّة في مدينة النجف المعروفة بأدبائها وشعرائها، في سن مبكرة جداً، في السادسة عشرة فما فوق. حيث ألقيتُ قصائد في محافل عامّة، وفي العشرين من سني كنتُ شاعراً معروفاً في الكثير من الأوساط العراقية، وليس النجفية فحسب.

اقرأ أيضاً: تجربة السيد محمد حسن الأمين في القضاء الشرعي

ورثيتُ في تلك المرحلة المبكرة علماء وأدباء كالشيخ المظفر مثلاً، والشيخ عبد الرسول الجواهري، وغيرهم. وأعترف أنني منذ تلك الفترة، وكنتُ قد دخلتُ في منهج دراسة حديثة عبر كليّة الفقه، وتأثّرتُ بعلوم مختلفة عدا دراسة الفقه والأصول، وكان هذا التأثّر خاصّاً بالفلسفة وبالدراسات الأدبيّة والنقد الأدبي، وقد شاركتُ خلال سنوات الدراسة في الكليّة في نشر القصائد والمقالات في مجلّة النجف التي أصدرتها الكليّة لمدّة سنوات قليلة، وكان أحد المعنيين في الإشراف على إصدارها وتبويبها وجمع المقالات والقصائد اثنان من زملائي الذين سبقتهم في دخول الكلّيّة، والوصول إلى الصفوف المتأخّرة، وهما: المرحوم السيد هاني فحص، والسيد عبد الهادي الحكيم. وبالإجمال فإنّها كانت مرحلة خصبة على المستوى العلمي والثقافي والأدبي، وقد تخرّجتُ مبكراً في هذه الكلّيّة، أي عام 1967، واستمرّيتُ في النجف لتلقي الدروس العالية حتى أواخر عام 1972، السنة التي عدتُ فيها إلى لبنان. وهنا أذكر أنه كان بودي أن أبقى مدّة أطول خاصّة بعد أن أصبح لدي منزل وزوجة وأولاد، كأني كنتُ أعتقد أن جو النجف سيتيح لي المزيد من التفرّغ للعلم والكتابة، ولكن الظروف السياسية التي دهمت العراق في تلك المرحلة، والتي كانت النجف الأشرف أكثرها تأثّراً بتلك الظروف، وأكثرها استهدافاً للنظام السياسي؛ جعل جو النجف غير مشجّع للبقاء وللاستمرار، ففضلتُ الرجوع إلى الوطن، وربما خيراً صنعتُ، لأن هذه الظروف تفاقمت أكثر فأكثر بعد هذه الفترة، للدرجة التي تبدد فيها الجو الإيجابي الذي عشناه في الستينات، وأصبحت النجف وعلماؤها مشغولين في مواجهة الظلم السياسي والمادي الذي تعرضت له على يد النظام، للفترة الطويلة التي نعرفها، أي حتى سقوط النظام السياسي عام 2003م.

(من كتاب “أمالي الأمين” للشيخ محمد علي الحاج العاملي)

آخر تحديث: 4 سبتمبر، 2018 2:55 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>