مسرحية «المسرحية الكيماوية»

الهجمات الكيماوية في سوريا من الكثرة؛ بحيث لا يوجد إحصاء دقيق لها بعد أن تخطت المئة الأولى وربما الثانية، لذلك فإن الإعلام العالمي يركز على "الهجمات الكبيرة" منها، وهي غالباً ما كانت تترافق مع المعارك الكبرى التي يخوضها النظام السوري، منذ العام 2013 وإلى يومنا هذا.

وبقدر ما يزداد إعلام النظام السوري وحلفاؤه في الحديث عن معركة مرتقبة في الشمال السوري؛ بقدر ما يزداد هذا الإعلام في الحديث عن “التحضير لمسرحية كيماوية جديدة”. ويستبطن هذا الادعاء عنصرين:
1- عدم وجود هجمة كيماوية أصلاً وتالياً عدم وجود ضحايا.
2- مسؤولية المعارضة عن تحضير وتنفيذ “التمثيلية”.

اللافت أن إعلام النظام السوري وحلفاءه يركز حالياً على العنصرين معاً، فيما كان في السابق يركز على مسؤولية المعارضة عن الهجمات الكيماوية لعدم قدرته على نفي وجود ضحايا، وقد وصل الأمر اليوم –في ظل غياب المحاسبة- إلى حد ابتلاع النظام روايات سابقة له؛ اتهم فيها المعارضة بالهجمات، وتالياً إقراره باستعمال الكيماوي ووجود ضحايا، الأمر الذي سحبه اليوم؛ طالباً من الناس تصديق النسخة الجديدة من روايته.

إن مراجعة الأحداث والمواقف المتعلقة باستعمال الكيماوي -التي سترد في هذا التقرير- تثبت استعمال الكيماوي في سوريا، وذلك وفقا للطرفين؛ النظام ومعارضيه، وتالياً فإن ووجود الهجمات وسقوط ضحايا؛ يسقط القول المستحدث بوجود “مسرحيات” و”ممثلين”. يبقى أن النظام السوري، كان يتهم المعارضة بالمسؤولية، لدى إقراره، كل مرة، بوجود هجمة كيماوية. وأكثر من ذلك؛ فإن النظام السوري نفسه دعا الأمم المتحدة للتحقيق بوقوع هجمات كيماوية مسؤولة عنها المعارضة، ما يعني أن المسرحية التي يحاول أبطالها “الأحياء” اليوم؛ التمثيل؛ لإقناع الناس بوجود ممثلين ماتوا خلال التمثيلية الحقيقية؛ هي عمل فاشل لأن المخرج نفسه سبق أن أعلن خلافه.

لقد شهد شهر آذار/مارس 2013 أولى الهجمات الكيماوية الكبرى، وللمفارقة فإن استخدام غاز السارين حصل في بلدة خان العسل بحلب، وهي منطقة يسيطر عليها النظام السوري لا المعارضة (حوالى 26 ضحية)، وقد اتهم النظام السوري حينها؛ المعارضة المسلحة، زاعماً أنها سرقت الغاز المستعمل من مراكز البحوث العلمية. نفت المعارضة مسؤوليتها، فطلب النظام من الأمم المتحدة التحقيق في الحادث، الأمر الذي تحقق في شهر آب/أغسطس 2013، أياما قليلة فقط على مجزرة الغوطة الشهيرة، “ما دفع بالتحقيق في خان العسل إلى الخلفية”، وفقًا للمتحدث باسم الأمم المتحدة، ولكن في 12/12/2013 خلص التقرير الأممي المتعلق بخان العسل إلى “احتمال استخدام الأسلحة الكيميائية بالفعل”، دون أن يحدد المسؤول عن ذلك. وفي شهر شباط/فبراير 2014 ذكر تقرير لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة أن العوامل الكيميائية المستخدمة في هجوم خان العسل تحمل “نفس السمات الفريدة” المستخدمة في هجمات الغوطة 2013، غير أنه “في أي من الحادثتين، لم يتسن للجنة أن تستوفي عتبة الإثبات فيما يتعلق بتحديد هوية مرتكبي الهجمات الكيميائية”.

بالعودة إلى مجزرة الغوطة الشهيرة في 21 آب/ أغسطس 2013 (حوالى 1200 ضحية)؛ فإنها الأكثر مأساوية -حتى الآن-. في البدء نفى الإعلام الرسمي السوري وقوع الهجوم الكيماوي أصلا، زاعماً أن الحديث عن استعمال الكيماوي في الغوطة “مؤامرة خليجية لتشتيت الانتباه عن هجوم خان العسل”، ثم ما لبث أن أقر بالجريمة زاعماً أن المعارضة هي المسؤولة عنها، وأن “جنود الجيش دخلوا أنفاقا لمقاتلي المعارضة وعثروا على مواد كيماوية في جوبر” (التلفزيون الرسمي السوري 24/8/2013)، فيما قدمت صحيفة “السفير” اللبنانية، نقلاً عن مصادر تابعة للنظام رواية أكثر تفصيلاً تدور حول صاروخين محليي الصنع أطلقهما لواء الإسلام”، وهي الرواية نفسها التي اعتمدها الروس لاحقا. في المقابل، قدّمت الاستخبارات الألمانية تقريراً حول اتصال رصدته بين مسؤول كبير من “حزب الله” والسفارة الإيرانية في بيروت؛ أشار خلاله مسؤول الحزب إلى مسؤولية بشار الأسد عن الهجوم وأنه بدأ يفقد أعصابه. وفي 3/9/2013 نشرت صحيفة الغارديان الفرنسية تقريراً يرتكز على صور جوية لانطلاق صواريخ من مواقع قوات النظام وقت الهجوم، و47 شريط فيديو التقطها الناشطون وتحقق أطباء فرنسيون من صحتها. كما قدمت منظمة ” Human Rights Watch” أدلة على تورط النظام السوري في الهجوم، بعد نحو 3 أسابيع على وقوعه. وفي 16/9/2013، صدر تقرير لجنة التفتيش التابعة للأمم المتحدة الذي أشار إلى أن غاز السارين أطلق بواسطة صواريخ أرض-أرض، -وهي صواريخ لا يملكها إلا النظام السوري- علماً أن عمليات التحقق الدولي من تدمير السلاح الكيماوي لم تسر بسهولة؛ حيث تعرض مفتشو المنظمة المتجهين إلى الغوطة لنيران قناصة، ثم عندما وصلوا؛ أمهلتهم السلطات السورية ساعتين فقط لمقابلة الشهود وأخذ العينات (في 18/8/2018 نبش النظام السوري قبور الذين قصفهم بالكيماوي في زملكا، ونقل الجثث إلى مكان مجهول، واعتقل كل من اعترض على ذلك).

بعد انضمام النظام السوي إلى منظمة حظر الأسلحة الكيميائية في العام 2013 والتعهد بالتخلص من مخزونه الكيماوي عقب هذه المجزرة – سبق أن نفى النظام وجود مخزون كيماوي لديه قبل مجزرة الغوطة الشهيرة- أبلغ النظام السوري المفتشين الدوليين في العامين 2014-2015 أنه استخدم 15 طنا من غاز الأعصاب و70 طنا من خردل الكبريت لإجراء أبحاث. ووفقاً لـ “رويترز” فإن المحققين يعتقدون أن تلك الكميات أكبر من الحاجة وليس لها “مصداقية علمية”. كما لا يُعرف مصير ما لا يقل عن 2000 قذيفة كيماوية؛ قال النظام إنه تم تحويلها إلى أسلحة تقليدية.

في 29 نيسان/أبريل 2014 وقع هجوم كبير جديد على بلدة سراقب التي تسيطر عليها المعارضة في إدلب. وبعد يوم واحد ألقت مروحيات النظام على بلدة كفرزيتا بريف حماة أسطوانات غاز الكلور، وقد توجه محققون دوليون إلى المكان لكنهم تعرضوا لإطلاق نار، واحتجز مسلحون مجهولون بعض أعضاء الفريق لمدة 90 دقيقة.. وفشلت المهمة، لكن مصدراً مشاركاً في فريق المراقبة، أعلن لاحقاً أن “النظام السوري استخدم الكلور كسلاح ترويع، حتى تكون لها اليد العليا في ساحة المعركة عندما كانت إحدى قواعده في كفرزيتا مهددة بالاجتياح في 2014”. وفي وقت لاحق اعتبرت الأمم المتحدة “سراقب، وخان العسل، والغوطة الشرقية، وجوبر، وصحنايا مناطق وقعت فيها هجمات بغاز الأعصاب”. وفي تشرين الأول/أكتوبر 2014 أكد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة استخدام غاز الكلور عبر البراميل المتفجرة في كفرزيتا. ومن الملاحظ أن هجمات عديدة أخرى وقعت بعد الهجوم على كفرزيتا، تعتمد كلها على غاز الكلور، ما دفع الأمم المتحدة لإصدار البيان رقم 2209 الذي يدين استخدام غاز الكلور في سوريا.

إقرأ أيضاً: المبعوث البريطاني ل​منظمة حظر الأسلحة الكيميائية: المنظمة فشلت في التصرف إزاء سوريا

في نيسان/إبريل 2015 أكدت منظمة Human Rights Watch مرة أخرى في تقرير مطول لها على “استخدام النظام السوري عناصر كيماوية في ست هجمات جديدة على إدلب”.

وبحلول تموز/يوليو 2016، وبعد زيارة سوريا 18 مرة لتفتيش مواقع ولقاء مسؤولين سوريين؛ أعلن فريق التحقيق الدولي أنه لا يمكنه “التحقق بشكل كامل من أن سوريا قدمت إعلاناً يمكن اعتباره دقيقاً ومستوفى” عن سلاحها الكيماوي.. وما لبث أن تجددت الأنباء عن استهداف مواقع للمعارضة بالغازات السامة عن طريق الجو، لا سيما في بلدة سراقب (30 ضحية في آب 2016). وفي تشرين الأول/أكتوبر 2016 خلصت لجنة تحقيق أممية إلى أن “القوات الحكومية السورية استخدمت غاز الكلور كسلاح كيماوي في ثلاث حالات، وأن متشددي تنظيم الدولة الإسلامية استخدموا غاز الخردل”. وعلى الأثر تبنى المجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية قرارا يدين النظام السوري و”الدولة الإسلامية” باستخدام الأسلحة الكيماوية.

في 4/4/2017 وقعت مجزرة خان شيخون بريف إدلب (أكثر من 100 ضحية)، وكما في مجزرة الغوطة عام 2013؛ قدّم النظام وحليفه الروسي روايات يكذب بعضها بعضاً؛ ففي 5/4/2015؛ أعلنت موسكو أن طائرات سورية قصفت “مستودعا ًللإرهابيين في خان شيخون، يحتوي على مواد كيماوية وصلت من العراق”. وفي 13/4/2017؛ قدّم بشار الأسد شخصياً رواية مغايرة، مفادها أن “الهجوم الكيماوي على خان شيخون مفبرك 100%، وأن الولايات المتحدة الأميركية والغرب متواطئون مع الإرهابيين، وقد فبركوا هذه القصة”. وفي 1/5/2017؛ نص تقرير Human Rights Watch على أن “جيش بشار الأسد لم يستخدم الكيماوي مرة واحدة في خان شيخون، وإنما استخدم غاز الأعصاب 4 مرات على الأقل في الأشهر الأخيرة .. وهو اعتاد على استعمال غاز الكلور كعنصر كيماوي قبل أشهر…ولدينا تقرير يكشف استخدام السلطات السورية لغاز الكلور لاستعادة شرق حلب”. وفي 5/10/2017 أعلنت بعثة تقصي الحقائق التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيماوية رسمياً أن “غاز السارين استخدم في هجوم الرابع من أبريل/ نيسان على منطقة خان شيخون بشمال سوريا.. وقالت اللجنة إنه “من المرجح بشدة استخدام غاز السارين في بلدة اللطامنة في 30/3/2017، قبل أقل من أسبوع على هجوم القوات الحكومية بالسارين على بلدة خان شيخون، حيث يظهر التقرير نقاط تشابه بين الهجومين” (نوع الذخيرة/طريقة الهجوم من الجو)، وقد حمّلت “آلية التحقيق المشتركة” بشار الأسد المسؤولية عن هذا الهجوم، لكن روسيا استخدمت حق النقض (الفيتو) لصالح عدم إدانة النظام السوري.

إقرأ أيضاً: المواد الكيميائية تخزّن في سوريا.. بإشراف روسي!

نصل إلى الهجوم الكيماوي على دوما في 7/4/2018 (150 ضحية)؛ فبحسب تقارير صحفية؛ وقع الهجوم بصواريخ يرجّح أنها تحوي غاز الكلور السام، وأخرى تحوي غاز السارين. هذه المرة رفض النظام الإقرار بوقوع هجمة كيماوية، مدعياً أن ما جرى مسرحية، زاعماً أن الهلال الأحمر السوري؛ سأل أهالي دوما عن الهجمة الكيماوية “المزعومة”؛ فأجابوا بالنفي، فيما أعلنت الشرطة الروسية أنها دخلت دوما و”لم تجد أثرا لاستخدام الكيماوي”، لكن النظام السوري عاد ليناقض نفسه بإعلانه العثور على موقع لتصنيع المواد الكيميائية تابع لـ”جيش الإسلام” في دوما. وتحت الضغط الدولي؛ أعلن مندوب النظام السوري في الأمم المتحدة؛ “الترحيب بلجنة مفتشي منظمة حظر الأسلحة الكيميائية”. بقي المفتشون في دمشق بانتظار السماح لهم بدخول دوما أسبوعاً كاملاً؛ بدعوى أن “مقاتلي المعارضة يمنعونهم من دخول دوما” (بوغدانوف 18/4، علماً أن المسلحين وعائلاتهم كانوا قد غادروا إلى إدلب بباصات التهجير القسري)، ليعلن الروس بعد ذلك “اكتشاف معامل للمسلحين لتصنيع السلاح الكيماوي” (كانت الرواية الروسية السابقة تتهم المخابرات البريطانية بتنفيذ مسرحية في دوما على خلفية الخلاف الروسي-البريطاني). بدوره قدّم النظام السوري طفلاً للإفادة بأنه لم “يشعر بوجود الكيماوي”، إضافة إلى شهود وأطباء نزحوا إلى دمشق، في مواجهة شهود وأطباء نزحوا إلى الشمال السوري وأكدوا وقوع الهجوم الكيماوي، لكن لجنة التحقيق رفضت مقابلة أي من هؤلاء أو هؤلاء.

الوقائع السابقة أعلاه تشير بوضوح إلى:
1- وقوع هجمات كيماوية كثيرة وسقوط ضحايا فيها.
2- مسؤولية النظام السوري عن الاغلبية الساحقة لهذه الهجمات.
ومع أن هذه الخلاصة تبدو أكثر من عادية في الأعوام الماضية، إلا أن ثمة آلة إعلامية تعمل اليوم على تنظيف الذاكرة الجمعية من المعلومات المتعلقة بالكيماوي، وصولا إلى حد اعتبار كل الكلام عن الكيماوي من أوله إلى آخره مسرحيات ينفذها عناصر من الدفاع المدني التابع للمعارضة (الخوذ البيضاء) بدعم خارجي. رغم فجاعة هذه البروباغندا إلا أن ثمة رؤساء وقادة في سوريا وروسيا وإيران ممن يروجون لذلك؛ لعل آخرهم أمين عام “حزب الله” حسن نصر الله؛ الذي أعلن في 26/8/2018 عن “وجود معطيات تتحدث عن تحضير لمسرحية كيميائية جديدة في إدلب من قبل الغرب، لمنع سوريا من استكمال تحرير أراضيها”.

آخر تحديث: 2 سبتمبر، 2018 10:47 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>