«الجزيرة» وإيران في عالم الإعلام: من العداء إلى الممالأة

كانت الجزيرة...ولم يكن معها أحدٌ يُنافسها جدّياً في الفضاء العربيّ، حين شكّلت معلماً في تاريخ الإعلام القوميّ، كمّاً ونوعاً، وسط عالم عربيّ محكوم بأنظمة وُلدت في عصر الثورات القومية واليسارية، أو كانت وليدة الشرعيّة الدينيّة التقليديّة، ووسط ديمقراطية هي محلّ أخذ وردّ...

تمتّعت الجزيرة في تلك الفترة بميزات كثيرة، أهّمها الخطاب المنشغل بقضايا العرب، تحت شعار كبير هو “الرأي والرأي الآخر”، الذي امتدّ مجاله الحيويّ ليشمل الصهاينة…”حوارياً”.

إقرأ أيضا: الطائفة الأحمدية تحجز مكاناً لها على أثير المنار!

في تلك الفترة المستقرّة، وفي ظلّ قواعد مهْنيّة معتَبرة، لم يكن ثمّة مجالٌ لبروز الخطاب الإسلامي جليّاً في صوت الجزيرة، ولا في وجوه الكادرات العاملة في الشبكة، فظلّت قِبلة أنظار العرب وموضع “إجماع”، خصوصاً في خلال التغطيات الكبرى، كما في تغطيتها غزو التحالف الدولي للعراق عام 2003، حيث فقدت المصوّر طارق أيوب، وفي تغطيتها مجريّات عدوان تموز ضد لبنان في عام 2006.

لكن الظروف لا تستقرّ على حال، فتغيّرت في عام 2011، وتغيّر معها تالياً خطّ الجزيرة التحريريّ، فكان الانحياز الواضح إلى ما عُرف لدى البعض باسم “الربيع العربي” و”ثورة الياسمين”… وهي تسميات وألقاب وشعارات ذكّرتنا بالدعاية الأميركية وملحقاتها لـصالح “المجاهدين الأفغان”، حين كانوا يقاتلون الجيش الروسي والنظام الشيوعي في كابل بدعم مميز من واشنطن، حتى إذا انقلبوا أمراء في “إمارة إسلامية” كان الوصف جاهزاً، ودُمغوا بالإرهاب، بعد أن أودت بهم بوصلتهم في اتجاهات شتّى، ولم يجد فيهم ساسة واشنطن رمزاً “إسلامياً” ومثالاً، في وقت كانت قلوب الحالمين الإسلامويين في أصقاع الأرض تهفو إليهم، وفي مخيّلتهم صورة طوباوية لخلافة على منهاج النبوة لا ولي الأمر ولا الحاكم المتغلّب…والله أعلم.

وفي سنوات لاحقة من أيام “الربيع العربي”، لم يعلم العرب كيف دخلت أوطانهم دوّامة “الثورات”، انطلاقاً من المغرب العربي، ولا كيف ظهر تيّار “الربيع العربي” محوراً صلباً في انتمائه المذهبيّ، فبدأ المواطنون التحرّك رفضاً لواقعهم المرير ـ من دون شكّ ـ تحت أنظار القوات المسلّحة وجيوش الأمنيين وأجهزة الاستخبارات. وبدأت التحركات انتصاراً لمظلومية رجل بسيط هو محمد البوعزيزي، الذي لم يفكّر كثيراً في الموقف الذي اتّخذه، إلا أنّه ضاق ذرعاً بحياته البائسة في مدينة سيدي بوزيد التونسية، حيث صفعته شرطيّة، ولم تراعي فيه وضعاً اجتماعياً أو نفسياً أو سواه.

أمام التداعي الحرّ للحركات الاحتجاجية، وسرعة تشكّل المجموعات الرخوة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وفي ظلّ تنظيمات شعبيّة إسلامويّة ذات تنظيم مقبول، وتشتّت القوى اليسارية والقومية، لم تُبادر القوى الراعية للأنظمة العربية إلى تقديم المعونة للأنظمة الشموليّة الراسخة القدم في عالم الأمن، ولربّما خطّطت أو تلقّفت اللحظة تحت عنوان نشر الديمقراطية في رقعة جغرافية وتاريخية لم تعرف سوى أنظمة الاستبداد في تاريخها، فكانت فرصة دوليّة لاستبدال الأنظمة المثقلة بممارستها القمعيّة، مع مراهنة على جولة سياسية بمعيّة حركات الإسلام السياسي التي عانت كثيراً من القمع، قبل أن تحين لحظة خروج عناصرها من مخابئها ومنافيها إلى ممارسة الحكم…..

كانت نقطة الارتكاز في المشروع الجديد ذي السّمات الإسلاميّة تركيا، حيث جرى التمكين لـ حزب العدالة والتنمية، بعد أن تجاوز المطبّات الأربكانيّة، بفضل سياسة رسم معالمها السياسي الإسلامي الليبرالي رجب طيب أردوغان، ثمّ انسحبت على عدد من دول الشمال الإفريقي بنسبة وبأخرى، في ظلّ فضاء تمرح فيه قناة مهيمنة وراعية هي “الجزيرة” القطرية وشبكتها الضخمة.

في هذا السياق، كانت “الجزيرة” الآتية من تجربة مهنية ثرّة تُحكم قبضتها على الفضاء العربي، وربّما الإسلامي، وناصرت العصر السياسيّ الجديد، وبدأت تدشّن خطّاً تحريرياً جديداً يقوم على مناصرة “الثورات” ومناوأة الأنظمة والبلدان التي اختارت الانحياز إلى منطق دستوري وقانوني، أو راهنت على خيارات الأنظمة المستقبلية، أو خشيت خيارات معلنة وكامنة لدى حركات الإسلام السياسي المراهقة في الميدان السياسي وفي تصوراتها للأنظمة السياسيّة والدولة وعلاقتها بمجتمعها وشعوبها.

وعلى تباين بين مسارات “الثورات” في الدول المختلفة، شهدت سوريا اصطداماً مروّعاً بين جبهتين تشكّلتا على مدار سنوات، كانت “الجزيرة” فيها ـ من موقعها الإعلامي ـ على تقابل بينها وبين المحور الإيراني، وفي تحالف مع السعودية وبعض دول الخليج العربية.

شهدت تلك المرحلة هيمنة “الجزيرة” على الفضاء، وقوامها خبرتها وتاريخها المهنِيّان، وسعة انتشارها، وكثافة المحتوى التحريري، وتوزّع شبكة مراسليها، ونوعيّة مصادر معلوماتها، فارتفع منسوب المناصرة، وتقلّصت مساحة الحوار، وخفت حضور “الآخر”، بالرّغم من أنّ بيانات “الجماعات” و”الجيوش” و”الألوية” و”الكتائب” و”السرايا” المؤدلجة باتت محتوى تقارير المراسلين ومستندات المحرِّرين في مكتب التحرير وخزان معلومات للمحاوِرين والمذيعين والمقدّمين على شاشة القناة، فشهدنا ضعفاً في حضور الشخصيات المتحالفة والمنضوية في المحور الإيراني، ورفضاً لسرديّاتها ومنطقها ومصالحها وتبريراتها، في الوقت الذي شكّلت الجزيرة منبراً لكلّ تيارات الإسلامويين، بمن فيهم “النصرة” و”داعش”، صراحة أو على استحياء.

منذ بداية المرحلة المستجدّة في حياة “الجزيرة” المهنيّة وانحيازها على اختلاف درجاته، تتالت الأثمان التي دفعتها، فخسرت أولاً حياة أحد مصوّريها علي الجابري عام 2011 في ليبيا، مقابل رسالة أصحابها مؤيّدون للزعيم الليبي معمّر القذّافي، حين أراد القتلة أن تتوقّف الدوحة عن دعم من تراهم طرابلس تهديداً لها…ثم تبع ذلك استقالات مختلفة داخل الفريق العامل، تداخلت أسبابها على خلفية الموقف من مستجدات الساحة العربية والإسلامية، وتقلّصت مساحة المشاهدين بسبب ارتفاع منسوب العدائية والأدلجة…، وبسبب تدّني نسبة المهنية في التغطيات وتغييب القناة مكونات وأجزاء مهمة وثريّة من المجتمع العربي.

في تلك الأجواء، لم يشفع للإيرانيين موقفهم التقليدي من تيارات الإسلام السياسي، خصوصاً “الإخوان المسلمون”، في بقاء الودّ بينهم وبين “الجزيرة”، بالرّغم من الخطاب الإيراني الساعي ـ يومها ـ إلى استيعاب “الثورات” ضمن مشروع “الصحوة الإسلامية العالمية” الذي يدعو إليه دائماً، كذلك لم تشفع التطوّرات اللاحقة لطهران لدى محور “الجزيرة”، بل صنّفت في تواصلها الخجول مع عهد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بناءً على واقعية سياسية إيرانية لا لبس فيها، ضمن العدائيّة السابقة.

ومجدّداً، لم يدُم الأمر على حاله، ولم تبقَ الجزيرة ثابتة على خطّها التحريريّ المستجدّ خلال سنوات “الثورة”. ففي 3 يوليو 2013 ، تاريخ عزل الرئيس المصري السابق محمد مرسي، تجلّت ظاهرة إيجابية لصالح المحور الإيراني وتمثّلت باشتداد تماسك المحور السعودي – المصري، في مقابل محور قطر – تركيا. ثم جاء حصار الدوحة في 5 يونيو 2017 ليشكّل محطة تاريخية ومفصلاً حاسماً في رسوّ محورين متقابلين في الخليج خصوصاً، وفي المنطقة عموماً؛ قطر في مواجهة السعودية، ومن ورائهم بحر عظيم من العرب والإسلاميين. كانت “الجزيرة” في صلب التطورات، بل لاعبة في ميدان السباق بين مشروعين، بل صانعة أحداث، فبلورت سياسة تحريرها خروج الدوحة من نطاق السياسة الخليجية التي تقودها المؤسسة السعودية باتجاه سياسة ذات اعتبارات خاصّة، تراهن على جزء من المعارضة المسلّحة في سوريا، والشرعية الدستورية في اليمن، وأولوية الإسلاميين في ليبيا وتونس.

يُمكننا إذن رصد الانعطافة التحريريّة أو التطور الجزيريّ ضمن سياسة المحاور في تبدّل الموضوعات والشخصيات وكميّة الوقت ونوعيّة التغطيات…فالسعودية باتت منبعاً للأخبار السيّئة، واستدعت الجزيرة الإعلام العالمي إلى غرفة تحريرها، ولم تترك وسيلة فرنسية أو إنجليزية أو روسية إلا وترجمت معلوماتها ومقالاتها التي تكيل للسعودية وقيادتها ونظامها كلّ قبيح من الفعل والقول، ومن دون أن توفّر المؤسسة الدينية السلفية من نقدها، خصوصاً مع اشتداد التشنجات بين السلفية الجامية والمدخلية ومشايخ الصحوة…. ومن سوء حظ الرياض أنها باتت “الشاخص” الذي ترميه “الجزيرة” بالمسؤولية في خطابها الإعلاميّ، الذي تمحور حول منبع التطرّف الدينيّ والمسؤولية عن انتشاره، بالإضافة إلى قمع المعارضين وتقييد الحريات العامة، فضلاً عن الخطوات السياسية الفاشلة.  كذلك أصبح الموضوع البحريني أثيراً لدى الجزيرة وانقلبت على سياسيتها السالفة لصالح تغطية شاملة للملف، خصوصاً ما تعلّق بالسجناء السياسيين وقمع الحريات وأحكام الإعدام، فكان وقع ذلك أشدّ وطأة من تأثير الإعلام المموّل إيرانياً، وأنجح في الوصول إلى المعلومة، وأبرع في التكييف القانوني، وأفدح في ميزان الرمي على الخصوم، لأنهم في الساحة الواحدة مذهبياً واجتماعياً ولغوياً، ولأنهم أقدر على معايشة مجتمع الحداثة والعصر.

أمّا الموضوعات الإيرانية فعادت لتحتلّ مكانها في صدارة وعناوين شاشة الجزيرة، وباتت البلاد الإيرانية مساحة للتراث والإبداع…أما الشخصيات الإيرانية فتكثّف ظهورها مجدّداً على شاشة الجزيرة، وخاطبت الجمهور الذي ناصبها العداء منذ فترة، بالرغم من أنّها شخصيات مقرّبة من المؤسسة الحاكمة أكثر من كونها معارضة أو متمرّدة…وفي الحوار مع الضيوف، لم تعدّ العدائية هي السمة الغالبة على الحوار، وتوقّفت المبارزات، وتبدّلت التلقينات. ويُمكن الاستشهاد بالمذيعة غادة عويس التي كانت تصل إلى درجة الاشتباك “الدموي”، أو التي كانت تتلطّف فتُسكت الضيف، ولم يك ينفع مع “شراستها الثوريّة” صرامة الضيف أو مطالبته بتحكيم المعايير المهنيّة؛ ولم يكن زميلها الدكتور فيصل القاسم أشفى حالاً وأحسن، فهو أشهر مثال لتلقين المذيع والمقدّم الجزيريّ الأجوبة لضيوفه، رغماً عنهم، إن كانوا من المحور المقابل.

وفي السياق، باتت مقاربة الموضوعات المرتبطة بحزب الله ـ لبنان أكثر سلاسة وهدوءاً، وبات النظر إلى خطواته العسكرية أقرب إلى التفهّم منه إلى العدائية من خلال منظار الصراع العربي الإسرائيلي ـ وفق ما يدعو إليه هو ـ وعاد ظهور الودّ بينه وبين حركة “حماس” تحديداً، خصوصاً الرموز المحسوبة على المحور الإيراني كالقيادي يحيى السنوار وصالح العاروري…، بعد أن كان الحزب متهماً بالإساءة إلى قضية القدس وفلسطيني سوريا والمشروع الإسلامي.

تؤكّد سياسة التحرير في “الجزيرة” منذ ما قبل “الربيع العربي” و”ثوراته”، وما بعد ذلك، أن الإعلام في العالم العربي تحديداً صنوٌ للعملية السياسية، بل هو جزء من حلقاتها المتكاملة، ولم يكن صعباً عليه أن يؤدّي دور الطيب والشرير بطريقة محترفة وفاعلة، وبنفس الأشخاص، إذ جيّش أولاً، ثم بطّأ خطواته المتسارعة لصالح المصالحة التي لم تتمّ حتى الساعة؛ ولنقل لصالح إيقاف الأعمال العدائية، وفق قواعد اشتباك جديدة، أقلّها تقبّل التعددية في داخل الأمة العربيّة والإسلامية، بعيداً عن الوحدانية السنيّة، وبعيداً عن استحضار المخيال المذهبيّ واستدعاء أساطير وصور وروايات تاريخية تتعلق بالدولة الفاطمية والصفوية والفرس الأوائل للتشكيك بإسلام المحور الآخر…بالرّغم من التفاوت التاريخي والأخطاء المنهجية في المقارنات وتبدّل الانتماءات عبر العصور.

إقرأ ايضا: الأرْيَنة والأَيْرنَة في حديث أيْك الرَضْونَة

والخلاصة أنّ التصورات والمفاهيم التي شكّلت مادة التداول في الرسائل الإعلامية على مختلف الجبهات والمحاور هي وليدة عصور تقليدية غير حديثة، ونتيجة جهل فاقع بالتاريخ الإسلامي، وحصيلة صراع مستمرّ حول التأويل النصيّ، وثمرة تنازع الإسلام لصالح الأنظمة والدول، فيما شعوب هذه العقيدة والدول تدفع من دماء أبنائها غالياً لقاء سراب التغيير الإمبراطوري، ولا يبدو أنّ الخروج من هذه المراوحة الدموية قريب.

آخر تحديث: 20 أغسطس، 2018 12:59 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>