«رحيل المدن».. رواية من ذاكرة الحرب لـجنى نصرالله

"رحيل المُدن"، هو إسم الرواية الجديدة، للصحافية والروائية اللبنانية الكاتبة جنى نصرالله. وهي صدرت مؤخراً عن "دار رياض الريس للكتب والنشر" في بيروت، وفي طبعة أولى، في الـ2018.

وتتألف هذه الرواية من تسعة وعشرين فصلاً، موسومة بالعناوين التالية: “العزاء/جهاد”؛ “المفتاح/ بيت العائلة”؛ “ذيل الحصان/ كريستينا”؛ “هرّة سامية/ الكوليج بروتستانت”؛ “حبل الكلام/ شاندرا”؛ “سحب من دخان/ مايا”؛ “سلَّة الخضار/ جهاد”؛ “جولة جنائزية/ دبي”؛ “مهلَّبية/ مقهى الجميزة”؛ “لباس غجري/ لمى”؛ “عصفور فراس/ بيروت 1982″؛ “اللون الرمادي/ باريس”؛ “قهوة مرّة/ الملجأ”؛ “المنشفة البيضاء/ ورد”؛ “تجارة الأنتيك/ حلب”؛ “بوس اجتماعي/ طارق”؛ “سياحة الذاكرة/ حلب “المدينة”؛ “نبات الصبار و”الواوية/ الحمراء”؛ “رحيل/ ساره”؛ “هجوم الفيلة/ سريلانكا”؛ “موسيقى السالسا/ رامي”؛ “اللون الخلاسي/ كوبا”؛ “النوافذ الأربعة/ سكايب”؛ “رائحة التبغ/ مارينا”؛ “ريح عاتية/ بيروت”؛ “زهر البيلسان/ مايا”؛ “مطر حزيران/ ورد”؛ “صورة في إطار/ لِيا”؛ “موسيقى كلاسيكية/ العائلة.

اقرأ أيضاً: أنا ابنُ هاجَرَ…

ومن الرواية: صبّت لمى كأساً من النبيذ، وأشعلت سيجارة، وغرقت داخل سحبها البيضاء التي تشكَّلت في فضاء الغرفة. مرَّ شريط حياتها، في تربية ليا، سريعاً أمام عينيها. لم يكن الأمر سهلاً على الإطلاق. التربية أمر صعب في حد ذاته، فكيف حين تكون وحيدة، في بلد ليس بلدها، ومجتمع لا يُشبه المجتمع الذي نشألت فيه بشيء؟ واجهت لمى، في كل مرحلة من مراحل تربية ليا، صعوبة مختلفة. تتذكر وتتنهد. تسأل نفسها كيف استطاعت أن تجمع بين الاهتمام بطفلتها، وعملها، وإدارة شؤون بيتها؟ لو تعرضت للتجربة نفسها اليوم، لفشلت فشلاً ذريعاً. هذا ما فكرت فيه في هذه اللحظة. لم تكن الإمكانات المادية، لها ولزوجها، تسمح لهما باستخدام من يهتم بابنتهما أثناء غيابهما في عملهما، فكانت الحضانة هي البديل الذي يحل الأزمة بشكل جزئي. فحين تمرض لِيا، على أحدهما التغيّب عن عمله للبقاء معها في البيت، وليس الأمر بهذه السهولة. وحين ترتفع حرارتها، على أحدهما السهر إلى جانبها حتى الصباح. وكما تبدو هذه الأمور تفصيلية، مقارنة بالصعوبات الأخرى التي واجهتها لمى، مع انتقال ليا إلى المدرسة. بدأت معاناتها مع اختلاط ابنتها بالأولاد الآخرين، والتأثر بتصرفاتهم، والإصرار على التماهي معهم في المأكل، والملبس، وعادات الخروج من البيت، ساعة تشاء من دون مرافقة والديها. وتفاقمت هذه المشاكل حين أصبحت ليا في سن المراهقة لعلها المرحلة الأكثر صعوبة التي واجهتها لمى في تربية ليا. كيف تحميها من احتمالات الانحراف في أجوا المخدرات، والجنس الشائعة في المدارس، من دون أن تبدو قمعية؟ كيف تمنعها عن معاشرة فلان أو علان من دون التسبُّب في تعقيدها؟ صعب، كل شيء كان صعباً، ومرهقاً، ومضنياً في تربية ليا… وبعد! هل أحسنت تربيتها؟ هل حصَّنتها بما فيه الكفاية، لمواجهة المجتمع بكل تعقيداته، وانحرافاته؟ لا تعرف لمى الإجابة عن أي من هذه الأسئلة.

كتاب رحيل المدن

كلُّ شيء من حولها، محاط بألف علامة استفهام. استعادت حديثاً، لا تدري كيف استحضرته ذاكرتها، رغم مرور وقت طويل عليه، جرى بينها وبين والدتها، في إحدى زياراتها لها في باريس، وكانت ليا يومئذ طفلة. أصرّت والدتها سارة أن تشحن لها ثريّاً قيِّمة ورثتها عن والدتها سُليمى، التي ورثتها بدورها عن والدتها ازدهار. حين اعترضت لمى بحجة بيتها الصغير، وعدم حاجتها لمثل هذه القطع الأثرية الضخمة، أجابتها والدتها بانفعال: “إنها ثريا العمر، وهي هدية مني لحفيدتي ليا يوم تتزوج”.

اقرأ أيضاً: مذكرات نقيب أرمني قاتل إلى جانب الجيش العثماني

ابتسمت لمى بمرارة حين استرجعت هذه الحادثة. تخيّلت الثريا متدلية من سقف شقة ابنتها، وقد دخل صديقها مارك، وارتطم رأسه بها، فصرخ محتجاً على ضخامتها، وطلب من ليا إزالتها، واستبدالها بواحدة تناسب حجم شقتهما الصغيرة. ولكنها رفضت، حرصاً منها على الحفاظ على عادات العائلة، وتقاليدها في توارث هذه الثريا القيمة. وأجابته بانفعال جدّتها نفسه: “إنها ثريّا العمر”!

“العادات والتقاليد”، رددت لمى تحدِّث نفسها، “آه يا أمي، كما أحتاج في هذه اللحظة إلى “ثريّا العمر””…

آخر تحديث: 20 أغسطس، 2018 2:10 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>