هل يحتاج اللبنانيون حكومة وجمهورية؟

يعيش اللبناني على برَكَةٍ تخصّه وحده: يسرع، يهرول، يبطئ، يستعجل، ينْطنط، يلهث، أو يأخذ نفَساً.. ثم يعلق، في المصعد، أو في السيارة. يرقص على أسلاك الكهرباء غير الحكومية.

يتلوّى، فيتخلص من المآزق بقذف كراتٍ في الهواء، وبحركاتٍ مدهشة. مثل مهرِّج على خشبة السيرك. وبخفّة البهلوان وتوازنه، يغطّي، يمرّر، ينجو، يرشو، يخالف القانون، بمحبة وإتقان. طبعاً يمكن أن يقع، فيموت على الطرقات المحفورة المتروكة، أو لا يموت، فيعود فينهض، أقوى مما سبق، معتزّا بمهاراته بالبقاء على قيد الحياة. فالوقت عنده سيف مسنّن، يدهمه، يُباغته، يصدمه. يجب ألّا يضيع، هذا الوقت، أو يتفتّت، أو يسبقه إلى حيث يتّجه. والمعجزة تكون في أن يدرك الوقت، فلا يقتله هذا الأخير أو يجرحه، أو يُمرضه… وليته يبقى على هذه الوتيرة فائقة الحيوية والحركة، إذ إنه، في حالات ثانية، لا تقلّ هولاً عن الأولى، يموت هذا الوقت. فتكون مضيعته ومضيعة العمر معه، خصوصاً إذا كان هذا الوقت مستقبلياً، فلا حاجة لتفكيرٍ طويلٍ لكي يسكته؛ يُسكت خياله المستقبلي، يمتنع عن التفكير به، ولو بلمحةٍ عابرة، كي لا ينتابه الذعر، فيميت الوقت. لا يريد أن يتصوّر ما يمكن أن يؤدي إليه عيشُه في خرابٍ عميم. أم أن هذا الوقت ميّت من زمان، لا ينقصه سوى الإمعان في تشويه جثته. وإلا باتت الحياة عنده تكهّنا وترقبا وانتظارا لمصيبة، أو حرب، أو أي نائبةٍ أخرى من نوائب الدهر اللعوب، لا يحميه منها دعاء ولا إيمان ولا إرادة… والمعجزة أنه، أي اللبناني، ما زال على قيد الحياة. وسط فلتان وانهيار، ومعايشة الموت، في الطريق أو خارجه: من مستشفىً لا يستقبله، أو تلوث أو نفايات أو مازوت أو دخان، أو أية آفةٍ مخفيةٍ أو مكشوفةٍ من آفات يومياته. أن يستمر، هكذا منيعاً، حصيناً، يلجأ إلى أنواع التضامن العائلي، أو الصحبة أو الأصدقاء. أو كثير كثير من المال، ينفقه على من يقوم مقام الدولة أو الوزارة أو المؤسسات.. وبعد ذلك كله، إذا ضاقت به سُبل التلاعب ببلاويه، كانت الهجرة ملاذه.. لو بقيت على ما كانت عليه أيام عزّها.

إقرأ ايضا: تشريع الحشيشة في لبنان في مرمى خطر العقوبات الدولية

يقول أصدقاء عرب، اختاروا العيش في لبنان، إن أشد ما يجذبهم إليه “فوضاه”. فيتعلمون من اللبنانيين كيف يستفيدون منها، تلك الفوضى، كيف يراوغونها، كيف يخدعونها، يتملصّون من  “الوزراة – الحصة هي مغارة علي بابا، تغري كل نسّاك الدنيا بالتحوّل إلى فاسدين” أذاها، أو ينالون منها، أو يغْنمون. هكذا يعيش اللبنانيون، من دون حاجةٍ إلى رؤساء وزراء أو جمهورية أو برلمان.

من دون الحاجة إلى دولة، ميزانيتها، رعايتها، مشاريعها.. إلخ. هكذا فعلوا في الماضيين، القريب والبعيد، وهكذا يستمرون. فهؤلاء الممثلون الأعلون لمؤسسات الدولة لا يقومون بأدوارهم. لا يحمون اللبنانيين. لا يبنون ما تسمّى البنى التحتية، إلا في حال تلزيمات الفساد المعروفة، والتي لا تقع، لسوء حظهم أو حُسنه، إلا على حفرياتٍ معادةٍ مئة مرة ومرة. ثم، لا يكترثون بالصحة العامة، ولا بالتعليم، ولا بالطرقات، أو النفايات، أو أيٍّ من الشؤون التي تعطّل حياة اللبنانيين ومماتهم.. لا يشرّعون القوانين، وإذا فعلوا، كانت لصالحهم. آخر صيحاتهم، أو نكتهم: أنهم بعدما عجزوا عن إعادة الكهرباء، على الرغم من المبالغ الفرعونية التي أُنفقت عليها، وبعدما سهّلوا تحويل مولّدات الكهرباء إلى بزنس، كبير أو صغير، يغطّونه كيفما اتفق.. صاروا الآن منزعجين من كثرة هذه المولّدات، وبدل أن ينكبّوا على إصلاح الكهرباء، أطلقوا حملةً رسميةً من أجل فرض عدّاداتٍ على المولّدات “غير الشرعية”؛ الادّعاء بأن العدادات هي لحماية المستهلك يلقى صدّا تهكمياً من اللبنانيين، فلفرط قلة ثقتهم بـ”المسؤولين”، قالوا إن ثمّة صفقة عدّادات في الوزارات المعنية، والمطلوب تسويقها عبر فرضها بالقوة وبالقانون على أولئك “الزّعران” الذين ركّبوا مولّدات كهرباء.

يبرعون في الضحك على “المسؤولين القابضين أنفسهم”.. ولا يخطئون. العدّادات من أجل “حماية المستهلك” صفقة وزراء ومتنفذين، والأسماء شبه جاهزة، سوف تمرَّر بعد حين… يتابعون، ساخرين. عليهم أن يسخروا، وإلا ماتوا قبل الأوان المرسوم.. يتابعون إذن: هل سمع أحدكم بوزير مكافحة الفساد في حكومة تصريف الأعمال؟ هل تذكرون اسمه؟ أو تذكرون واحداً من أعماله؟ فتحاً من فتوحاته؟  أصلاً، هناك تناقض لغوي جوهري بين وزارة ومكافحة الفساد. وزارة تعني “حصّة” معلنة، غير مخفية، أي قطعة من الحلوى اللبنانية. الوزارة – الحصة هي مغارة علي بابا، تغري كل نسّاك الدنيا بالتحوّل إلى فاسدين.

أما مكافحة الفساد، فتعني الكشف عنه؛ “وزارة مكافحة الفساد” تفسد القياس المنطقي نفسه: فكيف لفاسدٍ أن يكشف عن فساد؟ طبعاً عندما تحتدم لحظات الخلاف على حصّة، يدبّ صوت وزيرٍ أن زميله الوزير الفلاني فاسد. قبل دخولهما إلى اجتماع مجلس وزراء أو نواب، أو بعده؛ تحصل خناقاتٌ أحياناً  “فقط المتنفذون و”الكِبار” سوف يفوزون بمزيد من الدولة، أي بمزيد من الثراء والإمتيازات” مسجّلةً: “أنتَ فاسد”. فبماذا يجيب الخصم؟ “أنتَ وحدكَ فاسد”، أيضاً. الأعمال الأخرى؟ الأعمال الأكثر مصيريةً مثلاً؟ مثل الحرب والسلم؟ ليس رئيس وزراء أو نواب أو جمهورية.. من يقرر أحدهما. إنما يقرّره حزب، داخل الحكومة، يسعى إلى أن يكون مهيمناً على أولئك كلهم، فيدمج قرار حزبه بقرار لبناني رسمي. ويكون نظيفاً أنيقاً شرعياً أمام الأمم الأخرى ودبلوماسييها. تلك هي ربما الأهمية الوحيدة لتكشيل حكومة أو لانتخاب رئيس جمهورية أو نوابٍ إلى البرلمان. عدا ذلك، فاللبنانيون لا يحتاجون إلى كل هذه الرجالات، لكي يعيشوا، أو يتدبّروا عيشهم.

إقرأ ايضا: دلال البزري تفْتَحُ «دفاتر الحرب الأهلية اللبنانية»…

لذلك، كل الجَلَبة الدائرة حول الحكومة وضرورة تأليفها والتهويل على التباطؤ في تشكيلها، وكل المشاحنات حول حصة كل حزب، كل طائفة… لا ينال من عيشنا بشيء. قبل ذلك، عشنا بدون رؤساء جمهورية ووزراء، ولم تختلف الحياة معنا أونصةً واحدة. فقط المتنفذون و”الكِبار” سوف يفوزون بمزيد من الدولة، أي بمزيد من الثراء والإمتيازات. الوجوه نفسها، مع تعديلاتٍ بسيطة، تترجم “توازن القوى الإقليمي – الدولي”، الوجوه نفسها ستعود مع الحكومة المنتظرة. تأليفها يتأخر لأن شيئا خارج إرادة الجميع تغير، فالتسوية التي جاءت برئيس الجمهورية قبل عامين، كانت من حظه الملغوم: أي اتفاق إيراني أميركي.

وبعد أن تحوّل هذا الإتفاق إلى حرب بقرار ترامبي، واختلف الإيرانيون والأميركيون، تتعثّر الآن التسوية، ويتأخر تشكيل الحكومة. السيادة الوطنية! آه… نسينا السيادة والاستقلال. وهما فكرتان لا تشغلان بال اللبنانيين، قدر انكبابهم على تضليل الفوضى بما يُبقيهم على قيد الحياة. وهذه مقاومة من النوع الخاص جداً. لا تحتاج إلى رؤساء وزراء أو جمهورية أو برلمان.

آخر تحديث: 17 أغسطس، 2018 11:20 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>