انطباعات وذكريات عن والد العلاّمة السيد محمد حسن الأمين

* حبّذا لو تضعونا بشيء من ذكرياتكم وانطباعاتكم عن والدكم المقدّس السيّد علي مهدي الأمين ؟
لا أعرف شخصاً من العظماء والعلماء تتمثّل فيه الخصال والصفات التي كانت تتميّز فيها شخصيّة العالِم والمجتهد الكبير السيّد علي الأمين، وهو رغم حياة قصيرة ـ وبالضبط 54 عاماً ـ استطاع أن يؤسس حضوراً مهيباً في جبل عامل، في المنطقة التي كان يعيش فيها.
وكان معروفاً بالإباء الشديد، وعزّة النفس والمهابة، ومما يمكن ذكره في هذا الموضوع أنه لم يزر زعيماً قط؛ بل كان يردّ طلبات الزعماء عندما كانوا يودّون زيارته في المناسبات السياسية.

اقرأ أيضاً: تجربة السيد محمد حسن الأمين في القضاء الشرعي

لم أجد أحداً سلّم على المرحوم السيّد علي مهدي دون أن يقبّل يده، بما فيهم زعماء المنطقة، وأذكر أنّ القاضي رضا التامر رئيس محكمة الجنايات العليا في بيروت، وكان صديقاً للرئيس كميل شمعون بحيث كان يعتبره البعض الرجل الثاني في الجمهوريّة اللبنانيّة، وكان بين فترة وأخرى يأتي لزيارة الوالد، ويبادر بسرعة للسلام عليه كي لا يقوم من مقامه، ويقبّل يده، جافياً على ركبَتَيه. وأذكر أنّه كان يطرح عليه أسئلة فقهيّة تتعلّق بالقضاء، وكنتُ أرى شخصياً الإجابة المنطقية والسلسة والعلمية التي كان يندهش لها القانوني الكبير رضا التامر.
وأمّا في سيرتي الشخصيّة معه، فإني أذكر أنه لم يكن يرغب في السفر إطلاقاً إلّا للضرورات، وكان يرسل بعض حواريّيه من المؤمنين إلى القرى والمنطقة والبلدة لعقود الزواج، وأحياناً للصلاة على الموتى، إلّا إذا كان الميت ذا صلة خاصّة به.
وإني أعجب الآن كيف أمكنه أن يعيش هذه الحياة المتقشّفة، والتي كانت تبدأ منذ مطلع الفجر في غرفته الصغيرة، يبدأ بالمطالعة والبحث حتى الساعة العاشرة، حيث يخصص ساعة لاستقبال أصحاب الحاجات والأسئلة، ثم يعود ليتابع المطالعة والبحث، وهكذا في الليل، مع ليلة واحدة أو ليلتين كان يستقبل بهما الزوار.
وكان ينعقد في مجلسه مجلس أدبي وعلمي لبعض الأدباء والمتفقّهين في بلدة شقرا، المعروفة بوجود عدد كبير من الأدباء، ويستمعون إليه، ويطلب منهم أن يقرأوا شعرهم ويوجّهوا إليه أسئلتهم.

ولم يكن يعبأ بالشهرة فضلاً عن زهده في قضايا المال؛ حيث كان يوزّع في اليوم نفسه ما يأتيه من حقوق شرعيّة، بحيث أنّه توفّي وهو لا يملك قرشاً واحداً، وكان يرفض أي هدية من أيّ واحد من الوجهاء والأغنياء الذين يريدون التقرّب إليه بالهدايا وليس بالحقوق الشرعية.
درس الوالد على علماء لبنان، وقال له الشيخ حسين مغنية +: «لم أعد أستطيع أن أفيدك» فذهب إلى النجف الأشرف، كان عمره 21 سنة، ورجع إلى جبل عامل وهو في 35 من عمره، كما أنه لم يتزوّج في النجف.
وقد كان المسيحيون في منطقتنا (في برعشيت، ودبل، وتبنين، وصفد ..) يتشارعون عند الوالد، وكان إذا حكم وطُلب إليه من الطرف الرابح، أو من الطرفين، أن يكتب مؤدّى الحكم، فيصبح وثيقة يسلّم بها الجميع.
وأذكر أنّ قضاة المحكمة المدنيّة ـ فضلاً عن الشرعيّة ـ كانوا عندما يرجع إليهم أحد الخاسرين في دعوى، وأن السيّد علي الأمين قد نظر فيها فكانوا يرفضون النظر فيها..
كان عنده هيبة، لم يكن له شرطة، فقط قوة الشخصيّة، والمهابة، وحتى أنه كان المتشارعون يخرجون مرتاحين عندما يحكم بقضاياهم، بما فيهم الخاسرون.
وهناك جيل يعرفون مآثر كثيرة عنه، لم تكتب، وقد ذكرت بعض هذه الصفات عنه.
وقد جمع بين التقشّف والمهابة، وعرف عنه أنّه كان يعتني بلباسه، ويضبط مجلسه، كما عرف بقدرته على لجم الانحراف الذي يحصل بين المتخاصمين، حتى نسبت إليه أحياناً القسوة، طبعاً تجاه بعض المشاغبين من المتخاصمين.
وقد توفّي بنوبة قلبية، وولد له ولد بعدي بإحدى عشرة سنة، وقد كان الوالد يميّزني، كما كان قاسياً عليَّ فقط في موضوع الدرس.

اقرأ أيضاً: الدور والتجربة الرائدة للعلاّمة السيد محمد حسن الأمين في «المؤتمر القومي الإسلامي»

وقد كانت وفاته في شهر حزيران من العام 1960م ودفن في الغرفة الموجودة، التي لها قبة، وفيها مراقد كبار العلماء: السيّد علي محمود الأمين، السيّد حسن الأمين، السيد محمّد حسن الأمين من كبار آل الأمين.
وقد تأثرتُ كثيراً بعد وفاة والدي، وبعد ثلاثة أشهر ذهبتُ إلى النجف الأشرف، وجدتُ نفسي كطالب مبتدئ متفوق جداً، لأنني لم يخلُ يوم لم أخضع لمعلومة، سؤال أو فائدة، أو مسألة شرعية..
سؤال: مع مَنْ كان للوالد+ علاقة صداقة وتواصل مِن علماء الدين؟
الشيخ عبد الكريم شمس الدين+، والسيد عبد الصاحب الحسني+، وقد استمرّت علاقته بهما حتى بعد عودتهم إلى لبنان من النجف الأشرف. ومع أكثريّة علماء جبل عامل، وفي مقدّمتهم المرحوم الشيخ موسى عز الدين+، كان له معه علاقة طيبة كثيراً، ومع السيّد نور الدين نور الدين+، والشيخ زين العابدين شمس الدين+، حيث كانوا يتبادلون الزيارات.

(من كتاب “أمالي الأمين” للشيخ محمد علي الحاج العاملي)

آخر تحديث: 10 أغسطس، 2018 1:00 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>