رحلة الاحتجاز بين تورنتو وبيروت

عشية عودتي من كندا إلى لبنان، أقول لبيتر، صديق نور، إنني لا أحب السفر. وأجزم، من دون تجربة شخصية، وأزايد، بأنني أكره السفر، لأن أي مواطن حرّ يمكن أن يتحول خلاله إلى لا مواطن.

ثم تأتي الرحلة من تورنتو إلى بيروت عن طريق باريس، لتصدق سوداوية حدسي، بل تتجاوزها. بعد ثماني ساعات من الطيران، إذن، أصل إلى باريس عن طريق الخطوط الجوية الفرنسية. ولكن إهمالاً، أو خطأ من الشركة الفرنسية يطيّر طائرتي قبل موعدها المحدَّد على الشاشة. لا أستوعب الأمر بدايةً، كأنني ضائعة.

إقرأ ايضا: دلال البزري تفْتَحُ «دفاتر الحرب الأهلية اللبنانية»…

أسأل هنا وهناك، حيثما يتوفر مكتب للشركة، والإجابات تضيعني أكثر. كأنني عالقةٌ في شبكة غامضة، تتجاوز فهمي وفهم ممثليها الباردين، البليدين. لأبلغ في النهاية، بعد ركض متواصل من هنا وهناك، المكتب المخوَّل البحث بأمري. ويكون حكم المشتغلين فيه أن موعد الطائرة المقبلة التي يمكن أن أستقلها هو في اليوم التالي ظهراً، وأن عليّ أن أدفع مبلغا (385 يورو) مضافاً إلى أجرة الفندق الذي سأنام فيه (177 يورو). أحاول إفهامهم أنهم مخطئون، أنهم لم يسجلوا أصلاً رقم البوابة على بطاقة الصعود إلى الطائرة، وأنني ضحية خطئهم، بلا جدوى. أعطيهم ما بقي في جيبي من مال، أغطّي به سعر البطاقة “الجديدة”، ويدفع ابني همام أجرة الفندق، من بعيد، عبر “الفيزا كارت”.

من ناحية المال، حلّ الموضوع. أما الآن، فكيف أتعامل مع “الاحتجاز” هذا، أنا المُصابة باكلاستروفوبيا، برهاب الأماكن المغلقة؟ وبالكاد عاكستُ نفسي في الطائرة، ومارستُ ما كنتُ أفعله في الحرب الأهلية، أي النسيان المطلق لِما أنا عليه، وتخيّل أماكن، أو حالات أخرى.. لكي لا أصل إلى حافة فقدان الوعي اختناقاً، كما حصل لي في حالات إغلاق سابقة؛ وهذه المرة رهابٌ لا أختار ظروفه، إنما يُفرض عليَ. ماذا أفعل الآن؟ أسال مدير المكتب. كيف أتنشق الهواء؟ “اخرجي إلى باريس” يجيب. وأنا طبعاً، بكل بساطة، أسأله “كيف؟”، “من هناك، بالوجهة المقابلة…”. أتجه نحوها، وأقدّم جواز سفري الذي لا يحتوي على فيزا “أعرف الفرنسيين قليلاً، وأدرك أنهم يعانون سؤال تراجعهم من بين أمم الأرض” “شنغن”.

وهذا ما لا أنتبه له إلا لحظة انتباه رجل الأمن. فيكون حنقي.. الذي سيستمر أكثر من يومين آخرين، بسبب إلغاء الشركة الفرنسية رحلة اليوم التالي، في الظهر. مداولات جديدة مع مكتب الشركة، جماهير ممن ألغيت رحلتهم، صراخ وعصبية وبكاء وأطفال غلبهم النوم وأمهات منهكات، مرتبكات.. يوم ثان من الاحتجاز، تؤجَّل الرحلة إلى بيروت، ولكن هذه المرة على نفقة الشركة التي تراضي جميع المتضرّرين بشنْطة بحجم كف اليد، تحتوي على ما تراه من ضروريات البيات ليلة واحدة خارج المكان؛ “ضروريات” أقول، بأدنى ما يمكن من حاجات، ومن بينها قميص أبيض (تي شيرت)، مصنوع من “البوليستر”، كفيل بإنزال أشدّ درجات التعرّق.

المهم أنني أمضي ثلاثة أيام وليلتين في جحيم الغيظ من الاحتجاز. لا أنام، لا آكل، بل أمشي في الردهات، بطولها وعرضها، وبسرعةٍ كأنني ذات هدف، وبالحاجة إلى إخراج تعكّري إلى مستوى الكلمات التي يستحقها. فأسأل، أستفهم، أتحرّش هنا، وأعلق هناك بسخرية، او بمزيد من الغضب، وأحيانا بالشتائم التي يفهمها الفرنسيون.

لكن كيف لي أن أتجرَّد من “واقعي الملموس”؟ كيف يمكنني أن أتوازن، وأنا واقعةٌ في شرك، لا يتطلب أكثر من التسليم؟ ربما شيء عندي يحوِّل طاقتي إلى ما هو أقل ضرراً. أنجح قليلاً في تجاوز عصبيتي، في ممارسة هوايتي المفضلة، أي مراقبة الناس والأماكن، وصفهم، تسمية ما هم عليه.. هكذا أجد نفسي في الثلاثة أيام هذه لا أفعل سوى ذلك؛ ومعه أمشي وأمشي.. أدخن السجائر، أحاول تناول الطعام المتوفر، وهو كله مسمومٌ بالسكر، مهما كان مالحاً. وأتكلم، على الهاتف أو من دونه. ومن بين من أتكلم معهم، أخي عصام الذي يطلب مني، هو الجاهل بعلوم جوازات السفر، حامل ثلاثة منها، أن أخرج إلى باريس، كي نلتقي. منذ متى لم أره، هو العائش في ساحل العاج؟ هو في باريس لأربعة أيام، يقول، يمكن أن “نتنزّه هنا”! يعود القهر فيشتدّ عليّ: الفيزا، “شنغن”، جواز السفر اللبناني. لا هو يمكنه الدخول إلى حرم المطار، لأنه ليس مسافراً الآن، ولا أنا يمكنني الخروج منه.. شيءٌ يفيض عن العبث.

لماذا لا أستطيع النوم وأنا محتجزة في مطار شارل ديغول؟ وحتى لو كنتُ من بين المحظوظين الذين دفعوا أجرة الفندق، ولستُ من البؤساء الذين اضطروا للنوم على الكنَبات الكثيرة الملقاة على مدخل هذا الفندق، أو حتى على الأرض، حيث يفترشون؟ لماذا كل تلك القدرة على عدم النوم خلال ليلتين متتاليتين، سبقتهما مثيلتهما في الليلة السابقة، داخل الطائرة؟
الروائح أولاً: وأنْفي يعذّبني بذلك، بقدر ما يفرحني في أوضاع أخرى.

أشمّ كل الروائح؛ لا شمّة سريعة، يمكنها أن تتبخر في العجالة الطبيعية، عندما أكون في حالة الانتقال من طائرة إلى أخرى. إنما شمّة الذي يملك كل الوقت ليحدّد ما هي هذه الرائحة بالذات، رائحة ماذا بالضبط؟ فمنذ تقرّر مصيري بالاحتجاز في مطار شارل ديغول، يأخذ أنفي يلحّ عليّ، فأنتبه إلى رقصة الروائح: تأتي وتذهب، أحياناً بمفردها وأحياناً أخرى مجتمعة. ولكن دائما تحت راية رائحة واحدة، متشبثة: رائحة المازوت، المختلطة برائحة رطوبة قديمة، لها أسنان. ترافقهما روائح “متحرّكة”، “ثانوية”؛ مثل رائحة البرتقال المعفَّن، والجوارب المتّسخة، ومواد التنظيف رخيصة الثمن، والملفوف المسلوق، والنفايات القديمة، أو العطور الدارجة التي تشبه رائحة السكر المحروق. الرائحة الوحيدة التي أستطيع السيطرة عليها هي رائحتي أنا. أتعرَّق بشدة، من كثرة المشي العصبي، المتواصل. فيكون الحل الوحيد أن أدخل حمام السيدات، أخلع قميصي، أغسله من جهة إبطيه، ثم أغتسل، وأعود وألبس القميص وهو مبلَّل. خمس مرات أو ستاً، لا أذكر. وكل مرة أخرج من الحمام، أترقب الساعة التي سوف أعود إليه، أقيس المسافات بينه وبين ردهة الفندق أو غرفة التدخين.. وهكذا.

ملاذي الوحيد، محطتي الوحيدة، بين كل هذه الممرّات والردهات والمداخل.. هو القاعة المخصّصة للمدخنين. في الحالات العادية، أحوم حولها، ولكن من كثرة الضباب الأبيض العالق بداخلها، أعدل عنها، حتى لو ألحّت عليّ السيجارة. ولكن الآن، لا.. لا أفكر برائحة الدخان على شعري وثيابي، أذهب إلى الغرفة، أو بالأحرى أسعى إليها، بطيب خاطر. وأكتشف فيها دنيا أخرى، ناطقة: موظفو الشركة الفرنسية الذين يفهمونني شيئاً من أزمة شركتهم، كوريون جنوبيون أعتقدهم صينيين فيحنقون، ويحتجون، إذ يكرهون الصين ويكرهون “وصايتها” على بلادهم. أفارقة حضروا مؤتمراً، أو ورشة، ووجدوا أنفسهم عالقين، من دون أي قرش. لبنانيون قادمون من مونتريال، بعد زيارة أحفادهم، وأرجنتيني، ذاهب إلى المغرب ليتسلم هناك إدارة شركة تسويق أغذية.

وجميعهم، من بين المسافرين، عيونهم متعبة، محمرة، جاحظة.. من قلة النوم، ضحايا الخلل الإداري السائد في الشركة الفرنسية.. لستُ وحيدةً في محنتي. بل صاحبة امتياز بغرفة في الفندق. أعلم أن بعضهم ممن لا يملك أجرة الفندق، لهم الحق فقط باستئجار أحد حماماته ليستحموا، مقابل أجر زهيد. وفي إحدى جلسات “التدخين”، مع موظفين من الشركة، يتحسّرون على أيامٍ غير بعيدة، كانت فيها الخطوط الجوية الفرنسية “زهرة الاقتصاد الفرنسي”، يحزنون على ما أصبحت عليه اليوم، مصدراً للشكاوي والأخطاء المكرّرة. يأخذنا الحديث، فأسألهم عن اللغة الثالثة، بعد الفرنسية والإنكليزية التي تتصدَّر اللوحات الإرشادية  “إنها أزمة شركة كانت تابعة للدولة، ثم خصْخصت بنصفها، أو أقرب، وصارت تمشي عرجاء، بين ضمانات الدولة وضرورات المنافسة”

داخل المطار، وربما خارجه أيضاً. إنها اللغة الصينية يجيبون. منذ متى؟ منذ عامين. وما السبب؟ أعود فأسأل. فتكون الغمْغمة والابتسامات الفاهمة والكلام نصف المنطوق؛ ثم أخيراً يأتيني جواب ضئيل، خجول: إن الصينيين يسافرون كثيراً. هل حقا هذا هو السبب؟ ألحّ عليهم. ابتسامات أخرى مراوِغة، صفراء. ولكنني أعرف الفرنسيين قليلاً، وأدرك أنهم يعانون سؤال تراجعهم من بين أمم الأرض، بعدما كانوا أسيادها. وربما لا يريدون أن يعترفوا، أولئك الموظفون، لكنني بصفتي ابنة منطقة عرفت استعمارهم، هم والإنكليز، تنتابني الرغبة بالشماتة المازحة، فأقول لهم إن الصينيين اليوم يمارسون ما كنتم أنتم تفعلون عندما كنتم أقوياء عظماء: يبيعونكم كل ما تحتاجون بأرخص مما تصنعون. وهم سوف يسيطرون، كما سيطرتم أنتم في الأيام الخوالي.. استعمار قديم يلاقي الاستعمار الواعد المقبل في بداية طريقه.. متعة التشفّي في هذه الحالة تنسيني لحظةً أنني ما زلتُ محجوزة.

إقرأ ايضا: «ميراث أبي»… روايةٌ أُولى لدلّولة حديدان

شركة الخطوط الجوية الفرنسية اعتذرت أن خطأ واحدا ارتكبته معي، أي الثاني بإلغاء الرحلة. فأرسلتْ لي قسيمة، أُملي تواريخها وأرقامها وأعيدها إليها لكي تعوّضني عما فاتني من الحياة بمبلغ 400 يورو. وفي النهاية، أثارت كثرة المتضرّرين من الشركة فضولي، فما هي أزمة هذه الشركة بالضبط؟ بعد الأسئلة والبحث، النتيجة هي، ربما: إنها أزمة شركة كانت تابعة للدولة، ثم خصْخصت بنصفها، أو أقرب، وصارت تمشي عرجاء، بين ضمانات الدولة وضرورات المنافسة مع الشركات الأخرى التي اخترعت “السفر الرخيص”، التجاري، عالي الربح. المسافر في هذه الحالة، مؤكد أنه قد يتحول إلى محتجَز، أو أكثر، في كلتا الحالتين: حالة الخطوط الجوية الفرنسية، الضائعة بين تجارة رخيصة ودولة حامية؛ وحالة منافساتها، العابرة للقارات، المنفلتة من عقالها، والتي سوف تزداد مخاطرها اكثر فأكثر مع الأيام المقبلة، كلما توسعت بأرباحها على حساب المسافر: وقته، طعامه، راحته، بل ربما أيضاً أمنه. بحيث يتحول السفر إلى مغامرة خطيرة، كما في أيام قراصنة البرّ والبحر.

آخر تحديث: 26 يوليو، 2018 11:00 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>