السيد محمد حسن الأمين.. نظرة على أجواء الدراسة في النجف

* كيف تصفون دراستكم العلميّة التقليديّة، خصوصاً في ذلك الزمان المحتشد بأسماء العلماء الجهابذة، الذين تركوا بصماتهم العلميّة، والتي ستبقى موضع دراسة الأجيال القادمة، ومن هم العلماء الذين أثّروا في شخصيتكم العلميّة؟الرموز الأساسيّة الذين كانوا يُعتبرون الدرجة الأولى في الحوزة بالنجف على رأسهم: الشيخ محمد رضا المظفّر، والشيخ محمد تقي الإيرواني، والسيّد محمد تقي الحكيم، والشيخ محمد تقي الجواهري، وهذا الأخير درستُ عليه المكاسب والرسائل.. بخلاف مرحلة المقدّمات فقد كانت لدى علماء عاديّين.. درستُ لدى السيّد محمد حسين الحكيم لفترة طويلة.

والحق أنّ هذه الدروس الحقيقيّة والمجدِيَة، والتي كانت تتألف حلقاتها من أشخاص معدودين، بحيث كان الدرس مجالاً للأسئلة والاعتراضات والنقاش والاختلاف في الرأي حتى مع الأستاذ نفسه، وهذا ما كان يميز هذا الرّعيل من العلماء الكبار.. حيث كانوا يفسحون في المجال للآراء والمناقشات التي تصدر عن طلابهم، ولا يمنع أن يُعيدوا النظر في الكثير من آرائهم وفتاواهم..

اقرأ أيضاً: حياة وذكريات العلاّمة السيد محمد حسن الأمين

ويجب أن أذكر أنّ أهم حلقة من حلقات تدريس علم أصول الفقه، كانت للشيخ محمد رضا المظفر (صاحب الكتاب المعروف) والذي استطاع أن يعيد صياغة هذا العلم بأسلوب عربي وسهل، دون أن يتخلّى عن العمق المطلوب في هذه الدراسة.
كما كان درس أصول الفقه المقارن وقواعد الفقه لدى السيّد محمد تقي الحكيم مصدراً شديد الأهميّة في عرض المسائل وطرحها والتجديد في العبارة والمضمون.

ومن الجدير بالذكر أنّ أحد هذين الدّرسين ـ وهو أصول الفقه المقارن ـ قد درّسه السيّد الحكيم لطلاب كليّة الفقه في السنتين الثالثة والرابعة، وكنّا في أثناء ذلك وبعده نتابع دراسته خارجاً مع السيّد نفسه، فإذا انتقلنا إلى دروس السطوح العالية ـ كما تسمّى ـ بما يشمل كفاية الأصول، وكتاب الرسائل، وكتاب المكاسب، فقد قُيّض لي أن أدرسها ـ وبصورة كاملة ـ لدى ثلاثة، كان أبرزهم فيها من وجهة نظري: الشيخ محمد تقي الإيرواني، وكان يتمتّع بعقل فقهي نادر، بحيث كان يتحوّل درسه إلى ما يتجاوز عبارات المؤلّفين.

والإيرواني نفسه درّسنا الفقه خلال السنّوات الدراسية في كليّة الفقه، والتي كان يحرص على أن يستوعبها حتى الطالب المتوسط الذكاء، ويصرّ على إجراء الامتحانات الدقيقة في هذا المجال، وإنّي أرى أنّ لهذا العالِم الكبير الدور المميّز في تكوين الذائقة الفقهية، فضلاً عن المعلومات الفقهية، كما أنّه خصّص لنا درساً مهماً في آيات الأحكام معتمداً فيه على متن كنز العرفان ولكنّه كان يتعدّاه لشروح جديدة، وإضافات كثيرة، في تدريس هذه الآيات، والتي ـ للأسف ـ لم يكن برنامج الحوزة العلميّة مشتملاً عليها.

طبعاً كان هناك تفاوت بين طلاب الحلقة الواحدة، وكان هذا التفاوت يعود لأحد أمرَين، أحدهما: القابليّة المتقدّمة لطالب على آخر، وثانيهما: الجهد المبذول من قبل طالب دون آخر.

وإني أسجّل هنا سواء في بحوث الإيرواني أو في دروس غيره، أنّني كنتُ حريصاً على مطالعة الدروس قبل إلقائها من جهة، ومراجعة مصادر أخرى لآراء الفقهاء والأصوليّين فيها، وهذا ما جعلني أحياناً أشعر بسهولة تلقي هذه الدروس التي لا يخلو بعضها بل الكثير منها من التعقيد، وأحياناً من الفضول.

وأنا الآن أكثر اعتقاداً بأنّ المادّة الدراسيّة في مجال أصول الفقه، وبعض كتب الفقه، ينبغي أن تُطوّر منهجاً ولغةً وأسلوباً، لأني أعرف كثيراً من الطلاب الذين كانوا يملكون قابليات بسيطة متوسطة، تركوا هذه الدروس لشدّة التعقيد الموجود في بعضها، عبارة ومنهجاً.

كما أنّ لديّ رأياً آخر ـ قد أكون أشرتُ إليه ـ وهو أنّ الطالب في الحوزة يدخل في صلب دراسة العلم المراد استيعابه دون أيّة مقدّمات تاريخيّة تشرح أهميّة هذا العلم من جهة، ونشأته ومراحل تطوره، مما يؤثّر تأثيراً سلبياً على تكوين الرؤية التاريخية والمتطوّرة، وتأثير الظروف والاعتبارات التي تمّ فيها نشأة وتطوّر هذا العلم، وضرورة استمراره، كما أنّ الطالب كان أبعد ما يكون عن أن يسمع أو أن يقرأ آراءً نقديّة بشأن هذا العلم ومسائله، ولا تمييزاً في مسائل هذا العلم بين ما هو جوهري وأساسي، وبين ما هو شكل من أشكال الفضول، وأحياناً شكلاً من أشكال العبث الذهني.

وهذا ما دعا ـ كما أشرتُ سابقاً ـ إلى محاولة صياغة مناهج جديدة من قبل الشيخ المظفّر ورفاقه لتكون مشروعاً جديداً في تطوير الدراسات الحوزويّة، وإدخال العلوم الحديثة كمناهج مقرّرة، كي يكون لهذه العلوم وأسلوب دراستها تأثير في عقل الطالب الذي سيغدو فقيهاً، بحيث تساعده الحصيلة العلمية الحديثة على استنباط مناهج وأساليب وأفكار جديدة، وغير منفّرة عندما يتعلق الأمر بدراسة مسائل معقّدة ممكن اختصارها أو التخلي عنها أحياناً.

وأذكر على سبيل المثال: باب انسداد العلم في أصول الفقه، والتعقيدات الكثيرة التي تبدو أحياناً بدون جدوى، وما دمتُ في هذا السياق فلا بدّ لي من الإشارة إلى أنّني منذ أيام طلب العلم في مراحله المتقدّمة، وخاصّة علم الفقه والأصول، أنّ هذا العلم في الحوزات الشيعية صار مادة ذهنيّة صرف، أعني أنه ينشأ ويستمرّ ويتطوّر بعيداً عن الظروف المعرفيّة للعصور التي نعيشها، ويفوّت على الطالب آفاقاً واسعة في مجال الفكر والفلسفة الإسلاميّة، والتطلع إلى إبداع صيغ جديدة كما كانت تعتبر في العصر السابق إبداعات صاحب الكفاية والرسائل والمكاسب إبداعاً جديداً في عصرهم.

قد تجد طالباً محصّلاً بالمفهوم السائد للتحصيل العلمي في النجف ولكنه خارج موضوع المسائل التي درسها لا يملك الأفق الضروري لمناقشة أي قضية فكريّة خارج المسائل التي درسها ـ كما قلت ـ حتى بين طلاب الشهيد السيّد محمّد باقر الصدر، فإني أعجب أنّ القليل القليل منهم من انعكس عليه التفكير والرؤى الجديدة لهذا العالم المتنوّر، بل أعرف منهم من كان ينتقد بشدّة موضوعات طرحها هذا العالِم، وتبدو غريبة عن المنهج المقرر في الحوزة العلميّة، كبحثه المميّز في موضوع الآفاق المستقبلية لحركة الاجتهاد وهو منشور في بعض كتبه.

اقرأ أيضاً: السيد محمد حسن الأمين: السلطة الإسلامية لا تأخذ شرعيتها من رجال الدين

على كلّ حال، إذا كان لي أن أقيّم الظروف العلميّة والفكريّة التي مرَرتُ بها في ستينات القرن الماضي في النجف، فإني أعتبر نفسي ذا حظٍ كبير، في فرص دراسة أكثر تطوراً من الدراسات المألوفة، وأساتذة أكثر كفاءة وتطوّراً من حيث العقلية العلميّة والفكريّة عن كثير من غيرهم، وكانت مرحلة الإنفتاح على الثقافة الحديثة، وعصرها الذهبي، وفيها انتشرت كتب طه حسين، والعقّاد، والمازني، والكُتّاب المصريين، وغيرهم، وتكاثرت المجلّات..
ولو قُدِّر للسيّد محمّد تقي الحكيم أن يكمل لوضع علم الأصول في إطاره التاريخي الصحيح، وحتى السيّد محمّد باقر الصدر كذلك، حيث إنّه جريء.

(من كتاب أمالي الأمين للشيخ محمد علي الحاج العاملي)

آخر تحديث: 31 يوليو، 2018 6:06 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>