الحشيشةُ الإنجازُ في سجلّ الأمة الفاشلة

كان مزارع الحشيشة وتاجرها في البقاع (ع.ش) فخوراً بالحديث عن النبتة ومحصولها الذي يدرّ عليه 1000.000 دولار، أثناء حديثه إلى إحدى القنوات التلفزيونية، معتبراً ألا استثمارَ يُمكنه تحقيق ما تردّه عليه الحشيشة من عائدات استثنائية.

ولم يكن المزارع المنطلق يُولي عناية لاستخدامات القنّب الهندي المختلفة، خصوصاً الاستعمال الشخصي المؤدّي إلى الإدمان، والذي يدفع ثمنه أشخاص وعائلات كثيرة في عالمنا المعاصر.

إقرأ أيضا: شيعة جبيل والبقاع الغربي: لماذا مرشحو النيابة من خارج مناطقهم؟

لم يتحدّث البقاعي المفتون بحديث القوّة المتوهّمة تجاه الدولة عن المبادئ الزراعيّة، ولا عن وفرة المياه أو ندرتها، ولا عن دور سهل البقاع في الاقتصاد اللبناني وصناعته، ولا عن الحشيشة والمخدرات والرمزيّة التي تلازم صاحبَها، بل تحدّث عن عائداته المالية الشخصيّة من مبيعات الحشيشة، بناءً على الأسعار الرائجة في سوق الممنوعات والتهريب لا في سوق التصنيع الطبيّ وشبهه.

وإذ استرسل المواطن الغافل، وهو يتحدّث إلى المراسلة التلفزيونية في حديث الحرمان والمال، لم تُتعب الأخيرة نفسها في تحليل واقع الحشيشة في عالم التصنيع والتجارة الرسمية، محليّاً وإقليمياً ودوليّاً، ولم تتساءل عن العائدات المتوقّعة إذا تمّ تشريع الحشيشة واعتماد صيغة أشبه ما تكون بحصر التبغ والتنباك في لبنان!

القناة أساساً تعتمد الإثارة والعناوين الجذابة البيّاعة ولا يهمّهما الوصول إلى النهايات البنّاءة!

كان المواطن غافلاً، ولم تكن المراسلة رياديّة في عملها، ولا نبيهة في تناول موضوعها الخطير، برغم أنها لم تكن السبّاقة إلى تناول موضوعها. فقد كان لها زميلة افتخرت بعملها على الموضوع، من دون أن تُميّز أيضاً بين تشريع الحشيشة من أجل الكيف والمسرّة وبين تشريع النباتات لغايات طبيّة ـ من ضمنها الحشيشة ـ وإن كان لها استعمالات جانبية مضرّة. وكذلك فعل كثيرٌ من السياسيين الذين لم يهتمّوا إلا بالشقّ المالي من ملف الحشيشة، فيما غابت عنهم الضوابط القانونية والإدارية والاقتصادية، إلا قليل منهم أصرّوا على ذكر التشريع لزراعة النباتات المستعملة لأغراض طبيّة وعلاجيّة!

المطاردة
بدا المزارع – التاجر مفتوناً بالحديث عن مغامرة تختزل علاقته بالدولة القوية التي تُطارد المزارع الساعي إلى تحصيل لقمته. ربّما ظنّ المزارع الموعود بالثروة نفسه “روبن هوود”. وكان حديثه ينحو باتجاه إسباغ رجولة على نفسه وزملائه، متحدّياً الدولة بالرصاص والقتال بالرّغم من أنّه وزملاءه توسّلوا الدولة في سنوات فائتة أن تشرّع لهم عملهم وتسمح لهم بتصريف إنتاجهم، لكنّها كانت تقوم بإتلاف المحصول بالقوة بنِسَبٍ معيّنة (نتذكّر هنا بعض أجنحة العائلات العسكرية التي ضبضبتها القوى الأمنية بلمح البصر حتى السجن).

والغريب أنّ المزارع الطافر ورجلٌ آخر من المعرّف بهم أنّه من الفعاليات العائليّة تحدّثا عن الحشيشة بشغف، ولا يبدو أنّ شكّاً بضررها الشخصيّ والاجتماعيّ قد سبّب لهم قلقاً، بل لم يُشيروا إلى أيّ مخاطر تهدّد المجتمع، إذا خرجت زراعة هذه النبتة من إطارها الآمن. ورداً على سؤال إن كانت تلك الفعالية مع تشريع الحشيشة أجاب وفق المنطق القائل: “لُك شُو عم تحكي؟”، ولم يكلّف نفسه عناء النظر إلى واقع الناس، من غير التّجار، الذين يُعانون ويتعالجون للشفاء من الإدمان، ويُحاولون الخروج من نطاق المسؤولية الجزائية التي تترتب على هذه الزراعة والتجارة الخطيرة. واللطيف أنّ هذا الرجل كان في موقع إداريّ رسميّ، وفي وضع يُشبه نواب آخر الزمان…

ربّما لا يجدر بنا التعجّب مما نسمع من هؤلاء الداعين إلى تشريع الحشيشة أو زراعتها، فهو شبيه بتصريحات ومواقف سياسية وحزبية واقتصادية لم تعد تبحث عن حلول خلاقة أو مستدامة، بل أصبح الهمّ الخروج من الأزمة الاقتصادية الوطنية بأيّ سبيل، وإن لجأ اللبنانيون إلى المخدرات وتجارة البشر وأدوات القتل!

من جهة أخرى، لم يتوقف كثيرٌ من الداعين إلى تشريع الحشيشة عند البُعد الأخلاقي للمسألة، بل انصبّ الهمّ والاهتمام والتحشيد والتجييش على تشريع زراعة النبتة الخطيرة، بعد استمزاج رأي المرجعيّات الدوليّة، مباشرة أو مواربةً. والسبب في استسهال التشريع ليس نجاعة الحلّ بل الخفّة التي ميّزت عمل الطبقة السياسية الحالية، التي أنعمت على اللبنانيين بالحشيشة والنُفايات…وحرمتهم نعمة النور والماء والسكن والهواء. ونزيد أن الرؤساء الذين يمثلّون مرجعيّات دينية بشكل أو بآخر، خصوصاً في الأزمات، ويُوصفون بسيوف الملّة وفرسانها، كما لو أنهّم بعض الرُسل أو الخلفاء، لا يحفلون بالتحريم الدينيّ للمخدرات، ولا يُفكّرون في كيفية معالجة المرضى من المدمنين برغم التكاليف الباهظة التي تُهدر في هذا المجال الذي لا يُفيد من تعلّق به، بل ينفع من أعرض عنه وتركه!

لم يسأل أحدٌ أحداً شيئاً بخصوص التنمية المقترحة والمطلوبة في البقاع، ولم يتساءل عن فشلها المستمر والمسؤول عن ذلك. ونحن نذكر جيداً منذ سنواتٍ المعاناة والخطط والبرامج والأموال التي ذهبت إلى تنمية المناطق شبه الصحراوية والزراعات البديلة في بعلبك الهرمل وسوى ذلك؛ وكيف سيسأل غربانُ الوطنية عن الفرص المفقودة والوعود الجوفاء في بلدٍ جلّ سياسييه من اللصوص والسماسرة وكثير من إعلامييه أدوات دعائية في أجهزة سلطوية لا تعرف الديمقراطية الحقّة؛ وهؤلاء هم الذين ذهبوا في معمعة الانتخابات بكلّ زبائنية وتعصّب إلى التجديد لكثيرٍ من رموز الفساد وعناصره…فهل سأل أحد المواطنين أحداً من المسؤولين عن إهراءات روما كيف لا تُشبع أهلها زراعةً وصناعةً؟

خرج لبنان من سلطة الانتداب يملك مقوّمات الدولة برغم الكلام الإيديولوجي، وبلغ أوجه في الستينيات وأوائل السبعينيات، ثم بدأ يدخل نفق التقهقر وصولاً إلى يومنا الذي سيطر فيه الفكر الميليشياوي على الدولة والسلطة، وسادت الزبائنية العلاقات التمثيليّة، وبات المواطن فقيراً إلا مَن أنعم الله عليه بالهجرة أو بشيء من خيراتها.

في الجهة المقابلة، يقف الإعلام “الذكي” موقفاً مريباً في ترويض عامة الناس، إذ يقوم بتناول الموضوعات من دون معالجة جديّة تشارك في إنضاج الأفكار، ويقوم بالتعمية على الأفكار الإبداعية لصالح الهاشتاغات المتداولة والرائجة والضاربة على صفحات التواصل الاجتماعي في محاكاة للجمهور، لا للموافقة وتلبية المطالب، بل للذهاب باتجاه أهون الحلول التي لا تكلّف السياسيّ كثيراً من التعب الفكريّ والجهد والمال. فعدة السياسيّ اليوم المشاركة في الفرح، والتعزية بالموتى، والخطابات في المناسبات المختلفة إرضاء لنرجسيته.

إقرأ ايضا: المسلمون الشيعة بين الأمميّة والكيانية في انتخابات جبيل

هل يمكن أن يكون موظف مرتشٍ، يسترزق في مكتب عامّ أو تاجر ممنوعات وحشيشة مثال لنا ولأولادنا وأجيالنا المقبلة؟

التواطؤ الحزبيّ والجماهيريّ مؤامرة في سلسلة من المؤامرات القاتلة لمستقبل هذا الوطن، والقسمة ضيزى!

آخر تحديث: 23 يوليو، 2018 2:16 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>