التغريبة الجبيليّة والانتخابات: صراع عقاريٌّ وخطابٌ طائفيٌّ ووعودٌ شيعيّة!

لم تحمل الانتخابات النيابية الأخيرة في جبيل أخبارًا سارّة للمسلمين في جبيل، في ظلّ خطاب يقترب من العنصريّة، فاستمرّ واقعهم كأنّ شيئًا لم يكن..

وقد يُجسّد حالهم قول الشاعر:

وقائلةٍ والسَّكبُ منها مُبادِرُ

وقد قرحتْ بالدمعِ منها المحاجرُ

وقد أبصرت حِمّانَ من بَعدِ أُنسها

بنا وهي منا مُقفِراتٌ دواثرُ

كأن لم يكن بين الحَجُونِ إلى الصفا

أنيسٌ ولم يَسمُر بمكَّةَ سامِرُ

فقلتُ لها والقلبُ مني كأنَّما

تَخَلَّبَه بين الجناحين طائرُ

بلى نحنُ كنا أهلَها فأزالَنا

صُروفُ الليالي والجُدودُ العواثرُ.

وقد زار المفتي الجعفري الشيخ أحمد قبلان بلاد جبيل للوقوف على واقع المنطقة المحرومة، فالتقى في قرية قرقريا الواقعة في وادي نهر إبراهيم أهالي وشخصيات جبيليّة، وحذّر من إجراءات بل سياسات عقارية تهدف إلى تهجير أهالي البلدات، ويقصد المنتمين إلى الطائفة الإسلامية، فلم يعقب الجولة صدًى للتحذير الذي أطلقه سماحته، كما لم تُسمع التحذيرات التي أطلقها عدد من المسؤولين في “الثنائية الشيعية” من قبلُ بخصوص التجاوزات العقارية في منطقة جبيل وكسروان، بل السياسات التي تبتعد عن القوانين المرعية وتتّخذ بُعدًا في العصبية والطائفية. فما المشكلة في التحذيرات المتتالية، وما المشكلة العقارية المزمنة؟

إقرأ أيضا: حصرم البلديات يُضرس المرشح الشيعي في جبيل

على مستوى التحذيرات تتجلّى المشكلة في الجدية والمتابعة، إذ تقتصر على الصرخة من دون المضمون الفعليّ الذي يضع حداً قانونيًا للمشكلة العقاريّة؛ وتتجلّى المشكلة أيضًا، في ما يُشبه، الخيانة من طرف الأشخاص القابضين على التمثيل الرسميّ في البلدات ذات الأغلبية المسلمة، ما يترك المجال واسعًا للمصطادين في المياه الصافية والعكرة، لا فرق..، ويجعل الصفقات موضوعًا مربحًا للمخاتير ورؤساء البلديات على نحوٍ عام، رغم وصول كثير من هؤلاء إلى “سدّة المسؤولية” بدعم سياسي غير خافٍ على أحد.

والسؤال: “لماذا يتلكّأ الجميع من المستويات المختلفة عن القيام بموجبات المنصب والدور المناط بهم؟!”.

لا جواب…

يضيع المواطن في جبيل بخصوص القضية برمّتها التي يركلها المعنيّون من الميدان إلى طاولات المحاكم وقصور العدل ثم زواريب السياسة، في الوقت الذي يُراهن المواطنون على تمثيل صحيح لدى المسلمين، لأنه ليس من سياق وطنيّ يُناضل ضمنه المواطن في الوقت الراهن من أجل تحقيق العدالة وإنفاذ القانون ـ لكنّ المسلم الجبيلي يدفع جزية اتهامه بإنشاء “الإمارة”، ويُحارب إعلاميًا ـ على الأقلّ ـ في محاولة لانتزاع تنازلات عقارية، وفق منهجية النائب السابق فارس سعيّد، الذي لم تنفع معه سياسة “السفارة” التي حاول البعض من السياسيين المسلمين التعويل عليها كـ”همزة وصل”، رغم أنها لا تستوقف أحداً في قراءتها.

ولذلك، تستمرّ “تغريبة” التقهقهر لدى المسلمين في جبيل الذين يتضاءل الأمل لديهم في ثبات الجانب المسيحي على موضوعيّته ورفضه الانجرار وراء اللغة الطائفية ومطالبها، وآخر تجلّياتها فلتة النائب الشاب زياد الحواط الذي بدا منقلبًا على تراثه العائلي، ولا نقول الحزبي (الكتلة الوطنية)، وبات يتحدّث عن “يدنا الممدودة إلى القرى الشيعية في البقاع وجبيل”، وهو يتناول مشكلة النطاق العقاري لبلدتي العاقورة واليمونة.

كذلك تستمر المعاناة العقارية في قرقريا، ولاسا، وحجولا وسواها، في نطاق شهد الكثير من التبدّلات الديموغرافيّة والدينيّة والعقارية والسياسيّة.

وإذا أخذنا بلدة حجولا كمثال، وطبّقنا المعايير الآنفة لوجدنا أنّ الهيئة الاختيارية والبلدية المعيّنة ثنائيًّا لم تأخذا مبادرة ميدانيّة أو قانونيّة أو سياسيّة في المجال العقارية، رغم من أنّ الواقع قد يمكّن من الادّعاء الجزائي على الكثير من الأطراف التي تعرقل أعمال المساحة، والتي تتسلّط على النطاق الإداري للبلدة. فالبلدة تعاني لغاية تاريخه من تمدّد النطاق العقاري لقرية عنّايا نزولاً في أراضيها، وتُعاني من قيام جماعة من أبناء القرى المجاورة بمحاولة استحداث قرية جديدة رغمًا عن الواقع القانوني والتاريخي ورأي أبناء حجولا، وذلك بدوافع عقارية وخلفيّات مذهبية، في مقابل تلكّؤ من الفعاليات السياسية والدينية الشيعية وإدارات العمل البلدي.

وكما كانت الحال أيام النائب الشيعي السابق لم نلحظ اليوم تغيّراً أو تبدّلاً في الواقع، مع ما يستتبع ذلك من تجميدٍ للملكيّات العقارية وعرقلة لأعمال المساحة الرسمية التي تجري في نطاق البلدة.

وقد عوّل عددٌ من المسلمين على الانتخابات النيابيّة الأخيرة في تطوّر الوضع المحليّ في جبيل وعلى مستوى تمثيلهم، فجاءت النتيجة مخيّبة للآمال، إذ لم تنجُ الكتلة الناخبة من الاستقطاب العام على مستوى البلد، وحصل شرخ بين الناخبين والتمثيل النهائي، إذ مال أولئك إلى الدعاية المركّزة غيرالمحتوية على أيّ برنامج أو التزام، وركنوا إلى جلسات الماكينات الانتخابية ودعوات الطعام المختلفة والقُبلات التي توزّع بمناسبة ومن دون مناسبة إلا استجلاب الرضا والموافقة حتى يوم الانتخاب، وهو يوم الفصل على مستوى الاتصال والتواصل الذي انقطع بين “الخلان والأحباب” ابتداءً من المستوى الشخصيّ ووصولًا إلى المستوى الهاتفي، وذلك أضعف الإيمان!

في مقابل ذلك، لا يبدو أنّ القضاء ـ وفق رأي الزميل محمد نزال ـ يمثّل ضمانة في هذا البلد، باعتراف صريح من وزير الداخلية السابق مروان شربل بخضوع مجلس الشورى وسواه من المستويات القضائية إلى الضغوط السياسية وسواها، ما يجعل الخلافات العقارية بين القرى المختلفة مذهبياً غير ملائمة للحلّ على قاعدة قانونيّة، لأن الظاهر أن الأحكام القضائية تتبدّل وفقاً للميول الشخصية، وقد تتشكّل المحكمة من فئة محدّدة لتُصدر حُكماً محدداً سلفاً. وما نزاع اليمونة- العاقورة غير أنموذج من النزاعات التي تتطلب حلاً عادلاً وتثبيتاً قانونياً نهائياً حتى لا تبقى حياة الناس وملكياتها عرضة للجمود والفساد.

إقرأ ايضا: المسلمون الشيعة بين الأمميّة والكيانية في انتخابات جبيل

إذًا، المطلوب من القيادات المسلمة، والشيعية تحديدًا الالتفات إلى خصوصيّة المنطقة وتنوّعها وتاريخها وحساسيّاتها وظروفها الاجتماعية والاقتصادية وإطلاق ورشة عمل ضخمة أو مجلس اقتصادي اجتماعي لرعاية التنمية المحليّة، بعد معالجة المشكلات المختلفة، خصوصًا العقارية التي تفتح الكثير من النوافذ على تعقيدات، جبيل بغنى عنها، وبالأخص إذا كانت مسارًا لخطاب التشنّج والعصبيّة.

آخر تحديث: 12 يوليو، 2018 11:32 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>