الليطاني «مجرى الموت» (3): الحلول برسم الهدر لا طائل منها!

في مقالين سابقين، بدأ موقع "جنوبية" تحقيقه في ملف "نهر الليطاني"، وذلك بعدما تحوّل أكبر نهر يجري في لبنان إلى مستودع من التلوث المائي يصيب البيئة المحاطة به بالسرطان، معرضاً بالتالي الأهالي في القرى المجاورة للنهر للأذى على المستويين الصحي والمعيشي.

كنا سابقاً قد أشرنا إلى “كارثة الليطاني”، وارتفاع نسبة الإصابة بالسرطان في البيئة المحيطة لهذا النهر الموبوء، إضافة إلى الضرر الذي لحق بالمزروعات جراء ريّها من مياهه الملوثة، مما دفع بعض الدول العربية إلى إيقاف عملية استيراد البطاطا البقاعية!

أزمة الليطاني، التي تحوّلت إلى مشكلة شديدة الخطورة، دفعت أحد مواطني منطقة بر الياس المحاذية للنهر للتعليق على هذا الواقع بالقول: “بعدما باءت كل أحلام المحتل الصهيوني بالسيطرة على مياه الليطاني بالفشل، استطاعت السلطة اللبنانية وفي زمن السلم تحويل هذا النهر إلى مكب سام”.
ما قاله المواطن، يردده الجيل السابق بأغلبه، فحينما كان لبنان تحت االاحتلال كان الليطاني صالحاً للشرب وللري، فيما بعد التحرير أخذت النفايات السامة ومجارير القرى تأخذ طريقها إليه، فلم يعد صالحاً لا للشرب ولا للري ولا حتى للسباحة، فحتى لونه الذي تحوّل في إحدى المراحل إلى الأسود بات خير مؤشر على طبيعة النفايات التي تحللت في مياهه.
في المقابل تحوّلت بحيرة القرعون من جانبها إلى خزان ضخم للتلوث ونشر الجراثيم في البقاع الغربي ، وكان قد بلغ التلوث في هذه البحيرة الصناعية التي أنشئت في العام 1959 عند سد القرعون (نهر الليطاني) ذروته في العام 2017 حيث تحوّل لون المياه في البحيرة إلى الأخضر وذلك بعدما تجاوزت نسبة السموم فيها 400 ضعف الحد المسموح به، ليترافق ذلك مع ظهور الطحالب الزرقاء من نوع « aphanizomenon ovalusporum» والتي تفرز مواداً سامة تقضي على الكائنات الحية.

وبالعودة إلى المصادر التي تسبب تلوث نهر الليطاني الأوسط والأعلى، فإنّها وبحسب التقرير الصادر عن وزارة البيئة في العام 2016 تتوزع على الشكل الآتي:

 

أسباب تلوث حوض الليطاني الأوسط والأعلى (وزارة البيئة 2016)

 

هذا الواقع “الأسود”لـ “الليطاني” والذي حوّله من مصدر رّي للمزروعات إلى مجرى لـ”نهر الموت”، يجعل المواطن اللبناني يتساءل عن تفاصيل الحلول الممكنة وإن كانت واقعية، لاسيما وأنّ الخطة الي وضعتها الحكومة اللبنانية لتنظيف هذا النهر، تكلّف 800 مليون دولار، وهذا ما يعد مبلغاً خيالياً!
في سياق أخر، تطرح هذه الخطة المعدّة للنهر تساؤلات حول ضلوع الثنائي الشيعي فيها، ونقصد هنا بالدرجة الأولى حركة أمل وحالياً حزب الله؟

فهل يعود الليطاني نهراً “صحياً” ويستعيد عافيته بعد عملية التنظيف؟ أم في الخطة الموضوعة صفقة ما؟

العالِم الهيدروجيولوجي سمير زعاطيطي الذي كان سبق وأعلن أنّ “الليطاني مات”، أوضح في حديث لموقع “جنوبية” أنّه ما من مؤهلين يتابعون ملف “الليطاني”  مع الجهات المعنية سياسياً.  ولفت زعاطيطي إلى أنّه كان تلقى دعوة من النائب الدكتور علي فياض لعقد جلسة نقاش حول الليطاني، كان محورها المشروع المطروح لتنظيف النهر من النبع إلى المصب والذي سيكلف بحسب ما صرّح فياض لحاضريه 110 مليار ليرة لبنانية،إضافة لكونه قد حاز على مواقفة الرئيس سعد الحريري.

زعاطيطي الذي استنتج من حلقة النقاش هذه أنّه ما من اختصاصيين وما من خبراء مستقلين يتابعون هذا المشروع، أشار بالتالي إلى أنّه قد تمت دعوته من قبل الثنائي لجلستين الأولى انسحب منها سريعاً بعدما لم يمنح المجال للحديث العلمي في ملف الثاني، فيما اشترط قبل توجهه إلى الجلسة الثانية التي حضرها وزير البيئة طارق الخطيب، وقبل تلبيته الدعوة أن يتاح له المجال لطرح رؤيته العلمية.

العالِم الهيدروجيولوجي سمير زعاطيطي

 

في هذه الجلسة عرض الدكتور زعاطيطي على الحضور صوراً ملتقطة للنهر من الأقمار الصناعية، وتكشف هذه الصور أنّ المياه التي تبدأ من بحيرة القرعون وتتجه صعوداً، لا يمكن لها أن تنزل بشكل عامودي بسبب الطبقات الصخرية، مما يعني أنّ التلوث  ينتشر أفقياً على السطح وهذا من الممكن معالجته، فيما الكارثة هي في جنوبي القرعون حيث الصخور كلسية متشققة، وهناك خطور في تسرب المياه الملوثة وضرب جميع الآبار التي يتم حفرها في الجنوب وعددها يقارب الـ200..

يوضح زعاطيطي أنّ الوضع في الليطاني مأساوي، وأن المبلغ المخصص له هو بمثابة الهدر، منتقداً هنا، آلية العمل في هذا الملف والتي تتم دون أي خطة عملية إذ تمّ البدء من قبل إحدى الشركات التابعة لجهة حزبية جنوبية بإقامة جدران داعمة للنهر الملوث!

إقرأ أيضاً: الليطاني «مجرى الموت» (1): الأهالي يغتالهم السرطان بصمت!

وفيما يطرح الدكتور مشاريع بديلة يمكن استثمارها بمبغ الـ110 مليار ليرة، يتوقف عند الضجة البيئية التي أحدثها نهر الليطاني مؤخراً، كاشفاً تواصل حزب الله معه في هذه المسألة وسؤاله عن الحل، ليكون جوابه الواضح والصريح أنّ الليطاني لم يعد ينفع، وأنّ هناك مشروعين بديلين، الأول هو “مشروع للبقاع”، ويرتبط بالأراضي الزراعية التي أصبحت غطشة بعد أزمة الليطاني. ويقوم هذا المشروع على حفر آبار مياه جوفية تمنح الأراضي الزراعية بديلاً عن المياه الملوثة.
أما المشروع الثاني الذي طرحه زعاطيطي على الحزب، فهو مشروع لـ “بيروت الكبرى” إذ يوجد بحسب العالِم الهيدروجيولوجيبالقرب من بيروت الكثير من الصخور المليئة بالمياه الجوفية. لافتاً هنا إلى أنّ هذا المشروع قد تمّ طرحه منذ سنوات دون أن يهتم فيه أي أحد على الرغم من أنه لا يكلف أكثر من مليون دولار.

زعاطيطي الذي يؤكد لـ”جنوبية” أنّ الليطاني “مات”، حيث أنّه فقد هدفيه الأساسيين الري وتوليد الكهرباء، إضافة لكون السموم الموجودة في مياهه هي من الدرجة الثالثة وما من علاج لها. يشير في السياق نفسه إلى أنّ الحل هو أن يعمل لبنان كما عملت كل من أميركا وأوروبا، فيعمد إلى إطلاق سراح الليطاني بفتح السد وتنظيفه جيداً و للمرة الأخيرة.

ويضيف زعاطيطي أنّ “الننظيف يجب أن يشمل أيضاً قعر البحيرة من الرسوبيات الصخرية الملأى بالسموم، وعزل السموم المتحجرة تماماً عن الماء وإبعادها عن النبات والبشر”.

إقرأ أيضاً: الليطاني «مجرى الموت» (2): دول عربية تمتنع عن استيراد المزروعات اللبنانية

ورأى الدكتور المتخصص في الطبيعة الجيولوجي أنّه “من المهم أخذ إجراءات صارمة وإنشاء جهاز مراقبة على مدار الساعة لإلزام الجميع بعدم رمي النفايات والمياه المبتذلة والمجاربر والمياه الناتجة من الصناعة والدباغات قبل معالجتها محليا ومراقبة إستعمال المبيدات الزراعية والأسمدة الخ”.

العالِم الهيدروجيولوجي سمير زعاطيطي الذي عرض هذه الخطة ليصبح النهر  شريان حياة للبقاع ولبنان وليس ناقلاً للأمراض القاتلة وملوث لسطح الأرض وجوفها، تساءل في الختام “لماذا سندفع 110 مليار ليرة على سد ميت، ومن قتل الليطاني في الأساس؟ أليسوا هم من قتلوه، فالجماعة المتذللين من أصحاب المصانع الكبيرة، والذين ينعمون بغطاء سلطوي، هم الذين يرمون نفاياتهم في النهر وليس الفلاح الفقير”.

آخر تحديث: 25 يونيو، 2018 8:06 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>