مرسوم «تجنيس الميسورين» يبصر النور وسط استهجان اللبنانيين ولا مبالاة المسؤولين

لا يزال موضوع مرسوم التجنيس الجديد يتفاعل في الساحة اللبنانية في ظلّ المعلومات تؤكد أنه تمّ توقيعه من قبل رئيس الجمهورية ميشال عون، وقد أثار التكتم الشديد من قبل المسؤولين حول هذا الملف المزيد من الشكوك والمخاوف من تنفيذه بشكل جدي ما أعاد إلى الأذهان فضيحة عملية التجنيس التي تمت خلال عهد الرئيس الراحل إلياس الهراوي عام 1994.

إلا أن المثير للجدل هو تاريخ إعداد وتوقيع هذا المرسوم إن كان في الفترة التي سبقت الإنتخابات النيابية وجرى التكتم عنه خوفا من ضياع الأصوت التفضيلية ، وسط معلومات أن التجنيس سوف يشمل مجموعة من الشخصيات الثرية أو الميسورة ماليا ولا تتوافر لدى معظمها الشروط المطلوبة للحصول على الجنسية اللبنانية، ومعظم هؤلاء من السوريين ومن رجال الأعمال الذين يحتاجون الى جنسية اخرى لأسباب مختلفة.

هذا وقد تداولت صحف لبنانية أرقاما مختلفة حول عدد المشمولين يهذا التجنيس يتراوح بين 365 و 385 شخصاً، من بينهم سوريون وفلسطينيون اضافة الى متمولين عرب واجانب وخليجيين، يشكل الميسحيون منهم الثلثين والطوائف الإسلامية الثلث الباقي.

اقرأ أيضاً: صفقة مرسوم تجنيس «المحظيين العرب والسوريين» تفاجىء اللبنانيين

فكيف يمكن تبرير هذا المرسوم لجهة حملة “فزاعة” التوطين كشعار رنان حتى أنها لم تنتظر إقراره حتى نهاية العهد؟ وأين حق المرأة اللبنانية المتزوجة من أجنبي بإعطاء جنسيتها لأولادها أو ليست هي وأوبنائها أولى بهذا الحق من الغرباء؟

ورأى الإعلامي والمحلل السياسي إلياس الزغبي في حديث لـ “جنوبية” أنه “مرة أخرى يظهر التناقض بين الأقول والأفعال وفي الواقع لقد إعتدنا منذ سنوات على رفع شعارت وطنية، سياسية وإستراتيجية لكن في الممارسة يحدث نقيدها وهذا ما يحصل الآن تماما في المرسوم المفاجئ والمريب المتلّعق بتجنيس مئات الغرباء عن لبنان”، مشيرا إلى أنه “ما يثير الريبة أكثر هذه السرية التي إتسم بها المرسوم وكأنها عملية تهريب يخشى أصحابها من إنكشافها قبل الإنتخابات وبعدها فتم توقيت التسريب عنها في مرحلة الإعداد للحكومة”.

الياس الزغبي

ورأى أن “هذا المرسوم بغض النظر عن المقاولين الذين سعوا إليه وما يحكى عن صفقات مالية الذي من شأن القضاء التحقق من هذا الأمر، ولكن في السياسة لا يمكن أن نفصل هذا المرسوم عن خطوات خطيرة أخرى حصلت في الأسبوعين الفائتين وأبرز هذه المؤشرات التي يأتي مرسوم التجنيس في سياقها هو القانون رقم “10” الذي أصدره الرئيس السوري بشار الأسد ويمهد فيه لحرمان النازحين من أملاكهم بحيث يستمرون حيث هم وفي لبنان تحديدا، ثم هناك القرار الذي إتخذه الرئيس السوري نفسه بإعطاء الجنسية لمئات الألاف ويقال أنهم قرابة المليوني أجنبي وذلك بهدف تغيير الديمغرافيا في سوريا(ونحن نعلم ونعاين حقيقة واقعة هي ما حصل منذ معركة القصير في منطقة ريف حمص وصولا إلى الغوطة قبل فترة ودمشق نفسها وبعض المدن السورية الكبرى من محاولات لتغيير التشكيلات المذهبية)، إضافة إلى مؤشر ثالث وهو المتمثل بالمادة 49 من الموزانة اللبنانية لعام 2018 التي تشجع الأجانب على التملك بإعطائهم الإقامة تمهيدا لتجنيسهم بما يستقدم خطر التوطين أيضا”.

وخلص الزغبي “كل هذه المعطيات يأتي مرسوم التجنيس في سياقها كي يثير المزيد من مخاوف اللبنانيين أن هناك من يسعى فعلاً إلى تغيير الهوية والجنسية اللبنانية والمكونات التأسيسية للبنان عبر التاريخ، بحيث يتم كسر هذه التوازنات وإلغاء معنى لبنان في حد ذاته كوطن لتفاعل المكونات والمذاهب والثقافات والأديان بشكل متوازن وخلّاق يصلح نموذجا للعالم بأثره”. مؤكّدا على أن “هذا النموذج اللبناني هناك من يسعى ويدأب على نسفه وضربه في الأساس، وليس مرسوم التجنيس الجديد تحت عنوان “المتمولين والميسورين” سوى حلقة من كل هذه الحلقات التي تضغط على مستقبل ومصير لبنان في حد ذاته”.

وختم الزغبي بالإشارة إلى “أمر معيب جدا صدرعن وزير داخلية سابق يسخف فيه الجنسية اللبنانية ويبخسها حقها وقيمتها كي يبرر تمرير مرسوم التجنيس دفاعا عن السلطة الحاكمة”.

وفي وقت لا تزال النساء اللبنانيات المتزوجن من اجنبي يناضلن منذ فترة طويلة من أجل حقهن بمنح جنسيتهن لأولادهن دون تحصيله، باع المسؤولون اللبنانيين جنسية بلادهم للميسورين السوريين والعرب. عبرت العضو في جمعية “جنسيتي حق لي ولأولادي” اشواق منصور في حديث لـ “جنوبية” “عن مدى تفاجئها بالاخبار المتناقلة عن المرسوم خصوصا أنه كنا معولين على المجلس النيابي الجديد بإنجاز نوع من التغيير والإصلاح كي تحق العدالة ، ولكن تبين أنه لا نزال عاجزين عن الوصل إلى فكرة بأن المرأة اللبنانية هي أولى بإعطاء جنسيتها لأبنائها”.

اقرأ أيضاً: اعطاء الاقامة الدائمة للعرب والاجانب… هل تتبعها الجنسية اللبنانية؟

وتأسفت “أنه لا نزال في لبنان لا نتفهم أن المرأة اللبنانية التي تزوجت بإرادتها أو نتيجة لظروف أجنبي، وبأن لهذه المرأة حق أن تعيش في وطنها مع أولادها كسائر الأفراد اللبنانيين”. مشيرة أن “من يسعون لتجنيسهم هم أصحاب أموال وهو ما يدل على أن السلطة الحاكمة هم عبيد للأموال وليس للحق”.

وشدّدت منصور في الختام على أنه “في حال تمّ التأكّد من أن المرسوم تم إمضائه من قبل رئيس الجمهورية سوف يكون لنا كجمعية تحرّك لأنه ليس من العدالة أن تمنح الجنسية لمن يملك الأموال في وقت أن المرأة اللبنانية محرومة من هذا الحق”. وتابعت “كنا معولين على التغيير في المجلس النيابي لكن يبدو أن هذه المسألة لا تعود للأفراد إنما للعقليات الذكورية التي لا تزال حتى الآن موجودة في مجتمعنا إضافة إلى عقلية المحسوبيات ومصالح الأموال التي تترسخ أكثر وأكثر في مجتمعنا”.

آخر تحديث: 1 يونيو، 2018 3:40 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>