«حكاية الرّجل الذي أحبَّ الكناري» للراحل بسام حجّار

"حكاية الرّجل الذي أحبَّ الكناري" هو عنوان أحد كتب الشاعر والصحافي والمترجم اللبناني الراحل بسام حجّار (1955 – 2009). وهذا الكتاب صدرت طبعته الثالثة (المصوّرة) (شتاء 2017) عن "دار الجديد"، دارة محسن سليم، حارة حريك، لبنان).

ولقد أصدرت “دار الجديد” هذه الطبعة، من ضمن سلسلة، تختص بنشرها هي “سلسلة طبعة طبق أصل الولى”. ولقد كانت قد صدرت الطبعتان، (الأولى 1996)، و(الثانية في الـ2016 – طبعة طبق الأصل مصوّرة). و”حكاية الرجل الذي أحبّ الكناري” يضم نصوصاً شعرية تنتمي إلى قصيدة النَّثْر المُحكمة البنيان، وهي قصائد مدرجة في قسمين: عناوين قصائد القسم الأول هي: “ختام”؛ “الجانب الآخر”؛ “حكاية موتي”؛ “اعتذار عمّا سبق”؛ “قُلتْ لي: “إسمعني جيّداً”…؛ و”صور الحافّة”؛.

والقسم الثاني قوامه “مشاهد قصيرة جداً” من سيرة الرجل الذي أحبّ الكناري”. وعناوينها: “جاء متعباً وشاحباً وقال: الصّمتُ غفير”؛ “وقال إنّ الكناريَّ مات لأنه وحيد”؛ “جلس على الكرسي وحدَّق في وجهي”؛ “تُراني كيف سهوتُ؟”؛ “وقال لي أراك طفلاً في الأربعين”؛ “قال: مساء الخير”؛ “وقال لها ربما جاؤوا”؛ “قال لها: هذه ليلتي الأخيرة”؛ “فقط أنت، أيُّها الغريبُ”؛ “كانت حكاية، حكاية وحسب؟؟؟”؛ “ومبتدأ”.

اقرأ أيضاً: «أثر الإحراج السفسطي في فلسفة أفلاطون»… لوداد الحاج حسن

ومن هذا الديوان نقتطف: كانت حكاية، حكاية وحسب… “وسوف أكون دوماً ذلك الذي انتظر أن يفتح له الباب عند جدار لا بات فيه” (منقصائد فراندو بسّوا).

هل كانت مجرّد حكاية؟

وهل كان الرجل مجرد سيرة تروى كما تُروى الحكايات، فلا كان الرجل ولا كانت سيرته إلا اختلافاً كمثل ما يفعله الرواة حين تكون الحياة قليلة، والحكاية أكبر منها وأشد إثارة.

لستُ أدري. وأحد يدري.

وإن أردت أن أصدق القول، فإني حائر بين الرجل الذي جعله الراوي سيرة تُروى، والرجل الذي أحبَّ الكناري، وأحبني، وأطال الجلوس على الشرفة وحيداً، كأنه فرغ من مشاكله كافة، وراح ينتظر انقضاء الوقت.

لم يشبهني يوماً، وإن زعمت الرواية شبهاً لا أراه الآن. أم أنه كان شبيهي ولم أدرك ذذلك، لست أدري.

أمر واحد، أعرف الآن، أنني لطالما أدركته ولم أصدق يوماً أنه سيكون مبتدأ الحكاية التي لا تنتهي.

أمر واحد. ولا أدري ما يكون.

سوى أنني رأيت طيفاً له بين الحجرات يخطو على مهل كمن يبحث عن شيء ما عاد يُدرك ما يكون.

ورأيت طيفاً له قبل أن يدرك أنه ذلك الطيف بيننا. كان يُغادر. وكنا نرى جيداً أنه يغادر.

وكان قبل ان يغادر يواصل التجوال بين الحجرات والأسرة والكراسي، ويواصل التجوال بيننا. لايخاطب أحداً منا خشية أن يطلع الصوت من الجانب الآخر، فندرك أنه جاوز الخط وصار هناك، ولم ننتبه.

عيناه فقط.

كبيرتان، دامعتان.

عميقتان كالبئر التي تفيض صوراً وأصداء

كانت الإنارة مبتذلة، والبلاط المعقّم اللامع يعكس أخيلة الواقفين في الرواق الطويل،

وكان همس يتبادله الأبناء، وصمت تتبادله الجدران والخطوات الحكومة لراهبات صغيرات القامة مشرعات بين الغُرَف.

كانت أنفاسه شاقة ورتيبة.

وكان السرير بجواره شاغراً، رفعت عنه الشراشف، فبدا معدنه الكامد كأنه عربة خيل كتلك التي تُفرغ فيها حُمولات الموانئ.

كانت ساعة حائط كبيرة. وتكّاتُ عقرب مثابر.

حكاية رجل الذي احب الكناري

كان نائماً.

ليس كمثل نومنا، حيث الفراغ صور ورغبات دفينة. بل الكتلاشي في فضء رحب، في اتساع العتمة التي لا تشبه العتمة.

كان نائماً.

إذا كان النوم فراغ الأمكنة المجرد، إذا كان نفقاً يمتد في اتجاه واحد، إذا كان موتاً يتريّث في اكتماله ويبطئ.

حين حملته سواعد غريبة وجعلته على المحفة، كان لا يزال نائماً، غير أن مشقة أنفاسه تلاشتْ؛ وما عاد الرجل الذي كان.

ما عاد الرجل الذي أحبّ الكناري.

ما عاد الرجل الذي كان.

كانت إذاً مجرد حكاية.

وتُروى كما تُروى الحكايات. ولم يكن يوماً شبيهي. او كان، لستُ أدري. كانت مجرد حكاية. وكنتُ أرويها.

أو كان يرويها، ليس يدري. لست أدري.

ختام

لا أدري لم أيقظني الصّخب.

تنهض من نومك وتتألم. إحساس. تنام وتتألم. إحساس أيضاً.

أربعون عاماً من الألم.

ثمّ أبصرته؛ كان نحيلاً، نابتَ الذقن، أنيقاً.

اقرأ أيضاً: تأمّلات حنَّة أرندتْ «في العنف»… تاريخياً

كان سِواك، وظننت أنه أنت. نُزْهته بين الغُرف؛ عياؤه؛ يداه المشبكتان خلف ظهره؛ تنفسه الذي يُشبه الأصداء إذ ترفع الأيدي الواهنة مياه البئر في إناء؛ عيناه، معطفه، قبّعته. سَهوه الآسر.

كان هنا، وفي الجانب الآخر، ولم يكن في أي مكان.

كان طيفاً رأيته، ولم أصدّق.

كنت طيفاً، رآني ولم يصدّق.

وترك لي أوراقه في مكان ما. وحين عثرت عليها بمحض المصادفة، وجدتُأنها أوراقي. ولم تكن لي أوراق. ولم يكتب يوماً.

ربما كان آخر سوانا. لست أنا الراوي. وليس هو الراوي؛ ومَنْ يروي لم ير شيئاً. لم يعرف شيئاً. لذا كتب حكاية الرجل الذي أحب الكناري.

أو ربما لم يكتبها بعد.

لن يكتبها أحد.

آخر تحديث: 31 مايو، 2018 3:57 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>