رشيد شقير: التعليم الرسمي ميدان لتوظيف الأتباع والأزلام

كم يلبي التعليم الرسمي شروط المؤسسة التعليمية؟ وهل تواكب مناهجه وآلياته عملية الثورة المعلوماتية والتطور المتسارع للتكنولوجيا؟ وهل يماشي التعليم الرسمي سوق العمل واحتياجاته؟ أسئلة سيحاول الأستاذ في معهد العلوم الاجتماعية في الجامعة اللبنانية الدكتور رشيد شقير تقديم إجابات عنها وتسليط الضوء عليها:

يقول شقير: بعد توقف الحرب المسلحة التي اندلعت في العام 1975، وبعد اتفاق الطائف جرت محاولة لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها، ومنها المؤسسة التعليمية، تم ذلك بدون خطة مسبقة، بل بطريقة ارتجالية. لم يكن هناك تصور واضح عما يجب أن يكون عليه الوضع التعليمي الخارج من حرب اتسمت بطابعها الطائفي، ومن خلال بناء علاقات داخلية تكرس الحواجز بين اللبنانيين. وعلى أرض الواقع كرست مثلاً فروع لكليات الجامعة اللبنانية. واتجهت السلطة إلى زيادة عدد المدارس في كل منطقة، وكل منطقة لها طابعها الطائفي، وبالتالي لها مدارسها. وصار للمسلم له مدرسته وللمسيحي مدرسته أيضاً.

ويضيف د. شقير: وبدلاً من العودة إلى ما قبل 1975، حين كان الاختلاط بين التلاميذ سيد الساحة، جرى تكريس نتائج الحرب بتقسيماتها، وجرى تكريس سلطات الطوائف حسب مناطقها، ولبت المؤسسات التعليمية هذا التقسيم الذي جرى تكريسه بعد اتفاق الطائف.

اقرأ أيضاً: محمد مروة: للعودة الى دور المعلمين للنهوض بالتعليم

أعداد المعلمين

ويرى شقير أن تطوراً هاماً شهده لبنان بعد الحرب على صعيد أعداد المعلمين، ويوضح ذلك قائلاً: بعد الحرب، اختفت كلية التربية، وتبخرت دور المعلمين، وصار الدخول إلى المؤسسة يشترط تدخل الزعامات الطائفية، وبالتالي تضخم عدد المعلمين في المدارس الرسمية من دون أن يعكس تطوراً نوعياً وإيجابياً في حالة المعلمين. وصار معظم المعلمين يفتقر إلى الكفاءة والمهارة العلمية التي كان يمتاز بها المعلم قبل الحرب.

هذا الوضع يعكس نظرة السلطة السياسية إلى طبيعة المدرسة، التي هي بنظر السلطة، عبارة عن تجمع ومكان للتدريس. حيث يجتمع التلميذ مع المعلم تحت عنوان التعليم، لكن الأولوية ليست للتعليم أو إنتاج معرفة لدى التليمذ كافية له للحصول على معلومات مهمة.

شؤون جنوبية

ويروي شقير حادثة حصلت معه قبل أشهر، “اتصل بي عدد من مدرسي مادة الاقتصاد والاجتماع، ويفترض أن يكونوا من خريجي معهد العلوم الاجتماعية. لكنهم لا يملكون معرفة كافية وليسوا على دراية بكيفية إيصال المعلومات للتلاميذ، جاؤوا للسؤال عن مضمون الكتاب، وكيف يمكن أن تقدم مواده للتلامذة. وخصوصاً أن الكتب تتضمن نصوصاً غامضة تثير تساؤلات من دون تقديم إجابات. لذلك من الضروري، تنظيم دورات للمعلمين الذين يدرسون اقتصاد واجتماع، فلسفة، تاريخ. وإذا كان هذا مستوى الأساتذة ويواجهون مشكلة فكيف يكون وضع التلميذ؟ هذا الوضع يؤدي إلى تدني في مستوى التدريس وبالتالي تدني في مستوى المهارات لدى التلميذ.

ويضيف شقير: أعتقد أن دور الأستاذ يجب أن يكون ترشيدياً وليس تلقيني، وهذا ما يفتقده المعلمون. وهناك نقطة محورية في التعليم: كيف نولد لدى التلميذ عقلية السؤال والبحث للوصول إلى المعلومة، معرفة كيفية التفكير. إننا نواجه إشكالية كبيرة وهي كيف نبني عقل باحث”.

ماذا تريد السلطة

ويوضح شقير هذه النقطة، “السلطة لا تريد أن تنتج عقولاً بحثية، بل عقول تتلقى وتنفذ، أنها تسعى لسيادة فكر الأمر والطاعة، التي تؤمن ثقافة الاستبداد وهي الثقافة السائدة في المنطقة، وأعتقد أن كل أنظمة التعليم العربية لديها هذه الميزة”. ويزيد شقير: من هذا المنظار يجب دراسة المؤسسات التعليمية بالتفاصيل: كيف يعين المدير؟ كيف يتم اختيار الأساتذة؟ كيف يلتحق التلاميذ. ومدارس التعليم الرسمي للفقراء، فلماذا على السلطة الاهتمام. كل اهتمامها توظيف الأتباع والأزلام.

اقرأ أيضاً: قاسم: حذار من الخصخصة في القطاع العام لضرب التعليم

المناهج التعليمية

وعن المناهج التعليمية وضرورة تطويرها: يقول شقير: قد تجري محاولات لتطوير المناهج والاتيان بمناهج تؤمن بعض المعلومات الحديثة التي تواكب العصر الحديث. لكن السؤال: ما هي التجهيزات التي تؤمنها الدولة للتلاميذ كي يواكبوا العصر من خلال التقنيات الحديثة مثل وجود مكتبات ومكتبات الكترونية. هذه التجهيزات محرومة منها المدارس الرسمية. فكيف يمكن أن نؤمن للتلميذ معلومة حديثة من دون أن يعيش عصر الحداثة والتطور التكنولوجي، وحتى أن الأستاذ عاجز عن متابعة ذلك.

التعليم واحتياجات السوق

وحول علاقة التعليم الرسمي باحتياجات السوق يجيب شقير: هذا سؤال مضحك، أصلاً هل هناك دراسة للسوق، هل يعرف أصحاب السلطة بالاحتياجات الفعلية للسوق. وهل يخضع السوق الاقتصادي للكفاءة؟ في لبنان لا سوق مهنيّاً، ولا وجود لمؤسسات اقتصادية تطلب مهناً محددة وتشكل سوقاً للعمل تطرحها على الدولة لتأمينها من خلال المدارس.

(هذه المادة نشرت في مجلة “شؤون جنوبية” العدد 167 ربيع 2018)

آخر تحديث: 14 مايو، 2018 1:59 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>