ضرب علي الأمين وتسليم مفتاح بلاد جبيل كسروان وجهان للعملة الفارسية

طالما سمعنا لوماً للشيعة وللطائفة الشيعية لقبولها بهيمنة “حزب الله” وانها السبب في سيطرته على لبنان. ولا أقصد تبرئتهم هنا؛ إذ لعب جمهور وازن من الشيعة في حماية “حزب الله” واجندته بالتفافهم حوله في السراء والضراء، بعد ان استعمل العصا والجزرة وكل انواع الترهيب والترغيب على مدى عقود وأوهمهم بحمايته لهم .

لكن السؤال: هل نصدق انفسنا حقا حين نزعم ان الشيعة هم من ساعدوا “حزب الله” في السيطرة على لبنان وتغطيته ميثاقياً وطائفياً وسياسياً في لبنان وفي امتداداته الخارجية؟

هل كان بإمكان الحزب، ومن خلفه ايران، أن يضع يده على لبنان دون الغطاء المسيحي الذي شكله له تحالفه مع التيار منذ اتفاق مار مخايل؟ ألم يغط العهد الحزب وسياساته، سواء في المحافل العربية او الدولية او في الامور الداخلية؟

وآخر البدع في هذا السياق تقديم رئيس اتحاد بلديات كسوان – الفتوح مفتاحها للسيد حسن نصرالله، عملاً بالأغنية الشهيرة : “قلبي ومفتاحه”، وكأنه الوالي المعين من الشاهنشاه الفارسي فيظهر له آيات الطاعة والولاء!

اقرأ أيضاً: هيستيريا حزب الله وتراجيديا شكسبير

هل هو حقا رئيس بلدية منتخب في بلد ديموقراطي؟ الا يعرف ان هناك من لم ينتخبه وانه لا يملك لا قلوب ولا عقول مواطني كسروان وجبيل فيما عدا محازبيه!

لكن يبدو ان هذا من متطلبات السياسة الايرانية، التي طالما أنكرت فارسيتها؛ وغزت بلادنا باسم ثورة اسلامية وتشيّع مزور جعلته نسخة عن طقوسها الفارسية العتيقة التي استعادت امجادها.

تطبق ايران حرفيا نمط pattern سياسات الامبراطورية الفارسية في ايام مجدها الغابر أيام الحكمين الأخميني والساساني. الوقائع التي تجري في سوريا والعراق هي نفس الوصفة التي استعملتها. وكانت المرة الاولى التي تظهر فيها كقوة.

وأسمح لنفسي هنا أن افتح قوسين: ذكر اسم الفرس لأول مرة في حوالي العام 900 ق. م. بعد ان استقرت قبائل الفرس البدوية في الجنوب عند منطقة سموها “فارس” قرب شيراز اليوم. ولا تكاد توجد أي نقوش تتكلم عنهم قبل قوروش الاكبر في حوالي 550 ق.م. وهو من قاد ثورة على الميديين (يرجح ان جذور الاكراد الحاليين تعود اليهم؛ وبالمناسبة من حاربه قورش كان جده لأمه الأميرة ماندان ابنة الملك أَستياج). وبعد ان احتل مملكة ميديا عن طريق تأليب المعارضين وإثارة الفتن؛ قام بالهجوم على بابل وحرر اليهود الذين كان قد سباهم نبوخذ نصر. ولا يزال الحنين يشكل خلفية التعامل بين ايران واسرائيل.

و بالعودة الى المؤرخ الايراني ناصر بوربيرار، الذي توفي حديثا، فهو يرى أن لليهود دوراً كبيراً في صياغة التاريخ الإيراني. فهم الذين أتوا بقوروش الأخميني لينتقم لهم من بابل التي سبتهم. كما كان لهم دور في إنشاء الحركة الشعوبية في خراسان، وفي حياكة الأساطير عن أمجاد الفرس قبل الإسلام (الشاهنامة). ويرى أن علماء الآثار والمستشرقين اليهود قاموا بتهويل منزلة الحضارة الفارسية قبل الإسلام خلافاً لحقيقتهم في التاريخ. حيث أن 90% من مؤرخي التاريخ الإيراني هم من اليهود، مثل غيريشمن وداريشتيد واشكولر، يرون أن الحضارة الفارسية بلغت أوجها تحت الحكم الإسلامي وليس قبله. وهذا يشاركه فيه كثر من مفكري الثورة الإسلامية الايرانية. ويتحدث بوربيرار عن دور اسرائيل في إعلاء الحضارة الإيرانية الساطعة قبل الإسلام لتعميق الهوة بين الايرانيين والعرب.

فما هي السياسة التي اتبعتها الامبراطورية الفارسية؟ والتي ربما كانت هي الشائعة في زمن الامبراطوريات القديمة؛ لكن الغرابة ان يعاد تطبيق سياسات همجية، من ما قبل التاريخ، في السياق الحضاري الحالي وفي زمن حقوق الانسان والدولة القومية ووجود الامم المتحدة – على تقصيرها- وفي ظل ثورة المعلومات والثورة العلمية المتمثلة بالذكاء الاصطناعي والهندسة الوراثية المفتوحة على شتى الاحتمالات المتوقعة واللامتوقعة.

وبما انهم لم يكونوا قادرين على إدارة الإمبراطورية الأخمينية الواسعة بنفسهم، لذا جعلوا البلدان التابعة لهم تتمتع بحكم ذاتي وكانوا يعينون في كل ولاية والي هو “ساتراب”.

ويساعد الساتراب حكام إقطاعيون يتملكون الأراضي ويجندون الجيوش ويؤلفون طبقة أرستقراطية شغل كبارها الوظائف في قيادة الجيش والوزارة والقضاء والإدارة والولاية. وحصل زعماء القبائل الرئيسية على امتيازات تضمن ولاءهم. أما الابناء فتلقوا تعليماً ممتازاً للعمل في خدمة الملك.

لكن العناية الخاصة، كما هي الحال الآن، كانت بتنظيم جهاز للأمن، يتولاه موظفون عرفوا باسم “عيون الملك وآذانه” أي الجواسيس، مهمتهم المراقبة والتفتيش في الولايات وإطلاع الملك على أحوالها. وقد أُصلحت لذلك الطرق القديمة التي شقها الاشوريون قبل قرون وشقوا أخرى جديدة وطُوّر البريد لهذه الغاية. يكلف الساتراب قيادة الجيش في ولايته والمحافظة على النظام والأمن وجمع الضرائب والهبات والغنائم. وكما الان، لم يقاتل الفرس بأنفسهم بل لجأوا الى جيوش من المرتزقة من السكان الذين أعفوهم من دفع الضرائب مقابل الخدمة العسكرية. فتكوّن جيشهم من مجنّدين من الشعوب المغلوبة؛ لكن القادة والفرسان كانوا يختارون من بين الفرس.

والامبراطورية الفارسية لم تتردد، للمحافظة على كيانها السياسي، من اقتلاع السكان ونزع ملكيتهم لإقامة جاليات فارسية على الأراضي المصادرة أو المستملكة في آسيا الصغرى أو في بابل. أما التعذيب والبطش والتنكيل بالمعترضين فكانا من الأمور الشائعة والمعروفة. من هنا استغرب البعض كل هذه الضجة لمجرد “ضرب” علي الامين!!! فالمطلوب أكثر.

اما لفهم اتهام المستقلين الشيعة بالرشوة، فلأنها عماد سياساتهم؛ فلقد ضُربت النقود والدنانير الذهبية، لتنفق في تجنيد المرتزقة وشراء ضمائر العملاء قبل تحريك الجيوش. وهي الطريقة التي استعملوها عندما ارادوا احتلال المدن الهيلينية، لكنها فشلت في النهاية بسبب المبالغة في فرض الضرائب والتدابير القاسية التي لم يعتدها السكان الإغريق المعتدّون بحريتهم واستقلالهم. وقدّم المؤرخون اليونانيون المعاصرون صورة أسطورية عن مواجهتهم الإمبراطورية الفارسية بعد احتكاكهم بها يجسدها فيلم 300 على قلة أعدادهم. وكان هذا الإنجاز الذي حققه هؤلاء عاملا مهما في تبديد رصيد الإمبراطورية الفارسية لدى حلفائها. وشجع الإغريق وحلفاءهم على المضي في تحدّيها الى ان غزاها الاسكندر واحتلها.

أما ما عجّل بتدهور الإمبراطورية وحفر طريق نهايتها فسلسلة من الصراعات الدامية الداخلية.

واعتقد ان مصير هيمنة ايران حالياً سيكون كمصير السابقة. ومن المستغرب ان تنسب الى الحضارة أو الثقافة الفارسية كل الامجاد والانجازات المتداولة حالياً، وكأن تاريخ المنطقة بدأ معها! بينما لم تدم تلك الامبراطورية اكثر من قرنين، من 550 قبل الميلاد الى 331 ق.م. وفترة الساسانيين. وكأن التاريخ قد بدأ معهم مع انهم من ورثة الحضارات والثقافات التي بلورت العالم القديم وحضاراته المتعددة من السومرية الى الاكادية والآشورية والبابلية وغيرها مما لا يحصى من الشعوب والممالك والثقافات الفرعية الاخرى التي ساهمت جميعها في انتاج حضارة بلاد ما بين النهرين ودامت آلاف السنين واخترعت اللغة والقوانين والاديان والعمارة …

ويبدو أن الامبراطوريتين الأخمينية والساسانية لم تخلفا الكثير من الآثار ولا تركتا سجلات إدارية ما يدل على قلة المراسلات الإدارية عندهم، على عكس الحضارات الأكادية والآشورية والبابلية والسومرية التي سبقتهم وتميّزت بكثرة هذه المراسلات والاحتفاظ بها في ارشيفات حكومية في غاية التنظيم.

يرى البعض ان معظم ما ينسب للحضارة الفارسية مأخوذ عما سبقها وهو امر طبيعي. ان أهم رمز فني في الحضارة الفارسية هو الثور المجنح والذي كان تقليدا للثور المجنح الآشوري الشهير والموجود حاليا في المتحف البريطاني والقصر الفارسي الأشهر المسمى ايوان كسرى والذي أنشأ عام 540 م. في العراق ويعتبر مثالا للهندسة المعمارية الآشورية من قبل العلماء الغربيين. النظام الاداري المتبع كان نفسه النظام الإداري الآشوري. موقع الملك في الدولة كان اقتباسا واضحا من الآشوريين، فالملك لم يكن كاهنا الا انه كان ممثل الآلهة على الأرض، وبذلك فسلطته أعلى من سلطة رجال الدين. ولقد بالغ الفرس في هذا بجعل الملك نفسه إلها متعاليا يسمونه شاهنشاه (ملك الملوك) وعرشه عرش للطاووس!

وآخر ما اقتبسته الحضارة الفارسية كان الاسلام، وتحديداً التشيّع الذي بالغوا في تحويره وقلبه رأساً على عقب وجعلوا من “الولي الفقيه” خامنئي ظل الله على الارض وشاهنشاه العصر. بينما تشيّع علي هو التعدد والانفتاح والاجتهاد والموت من اجل الحق.

آخر تحديث: 28 أبريل، 2018 1:40 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>