المسلمون الشيعة بين الأمميّة والكيانية في انتخابات جبيل

يتساءل كثيرٌ من المواطنين المسلمين في جبيل عمّا سيقدّمه انتخاب شخص حزبي لمقعد نيابي شيعي في الدائرة الانتخابية الجبليّة، فلا يجدون تأويلاً لذلك غير وجوب الانخراط في سياق أممي لا تعويل عليه في يوميّات المنطقة المحرومة إنمائياً، وهم الذين يُعانون ما يعانونه، فوق ما يتقاسمونه مع الآخرين من مواطني بلاد الأرز العظيمة، وهم الذين يتشبّثون بأمل أن يكون لهم ممثل نيابيّ يحمل همومهم الكثيرة في غمرة القضايا الكبرى وانشغالات القوى المتنافسة.

لا يأتي التساؤل من فراغ، إذ القائمون على هامش الوطن في جبيل قد خبروا المرشّح وفريقَه العاملَ لأكثر من عقد من الزمن، وهي مدّة كانت كافية لتغيير الكثير من المعايير والوقائع الميدانية، لو أراد المرشّح وفريقُه تحقيق إنجاز يُحسب لهم في المنطقة، خصوصاً أنّ النائب ذو الولاية المتصرّمة، عباس هاشم، معدودٌ في حصّة فريق المرشّح العتيد السياسي، و”المونة” عليه قائمة فعلاً.

ويعزو الكثيرون من أبناء المنطقة، من المتسائلين، ضعفَ الأداء التنموي للشخص والفريق المرشِّح إلى مبادئ الفريق السياسي الأممية، واستراتيجيتة الإقليمية، واشتغاله على مستوى من التوتر العالي، ما يُؤول به إلى وضع العاجز حين الغوص في ملفات وطنية؛ فكيف بالمحليّة التي تتطلب الكثير من المتابعات اليومية التفصيلية، والإجراءات التنموية، والتراكم في الثروة، وإنشاء المؤسسات التي تستجيب للحركة الاجتماعية المحلية، مع مراعاة للذاكرة المحلية….وهو ما لا نلمسه ولا نرى مفاعيله في راهننا، وفي غدنا الموعود، مع الملاحظة أن ليس في العمل الأممي مذمّة لصاحبه، ولا في البُعد المحليّ انتقاص من أبناء الأرض. وليست القضايا الكبرى سوى اجتماع للقضايا الصغيرة التي تُشكّل حياة الفرد ومجتمعه ودوائر انتمائه المتعدّدة والمتّصلة. وليس أبلغ من التعبير عن واقع الأمر من استرجاع التقابل والتنازع بين الأممي والمحلي في التجارب الثورية والتغييرية الكثيرة، حيث الفشل يأتى من عجز الأممي عن ملاحظة المحليّ في سياق توقه إلى التغيير “العظيم”. وإذا صحّ ما يُروى عن ملابسات مقتل الثوري أرنستو غيفارا ودور راعٍ من المواطنين الكولومبيين في ذلك، لوجدنا أن السبب هو غفلة الثائر الأمميّ أو عجزه عن إدراك الحاجات الخاصة ببيئته الثورية محلياً، إذ كان يروّع شياه المزارع الكولومبي بنشاطه الثوري، وكان يجدر به ألا يفعل ذلك لرجل لا ذنب له في ما بلغه من العلم أو من قدرة في مجال المال والمعيشة.

اقرأ أيضاً: حصرم البلديات يُضرس المرشح الشيعي في جبيل

ونعود إلى السياق، في أن التوتر العالي في العلاقة الأممية لا يسمح للمرشّح بمواكبة حياة الناس ذات التوتر المنخفض والمعتدل، خصوصاً إذا افتقد المفاصل والمحوّلات القادرة على ضبط تدفّق الطاقة وتحقيق انسيابيتها، وفق ما تتطلبه العلاقات اليومية المعقّدة في المجتمعات المحليّة، ما يفسّر عجز الأمميّ ـ في أغلب الأحيان ـ عن محاورة الكيانية والمحليّة في عيشها الواحد والتعدّدي.

بالإضافة إلى ما تقدّم ثمة مشكلة أخرى في الفريق الأممي العامل في جبيل، والمرتكز إلى شيءٍ من الثقافة التقليدية، من دون ارتباطٍ بالحداثة مفهومياً، ما يُبرز شرخاً مزدوجاً، يتجلّى في المجال الخاص بالممارسة الحداثوية والخلفية الفكرية التقليدية، وفي المجال العام بالعجز عن مخاطبة المجتمع والآخر الذي بنى حياته وحركته في ظلّ الحدتثة فكراً وممارسةً.

يعود ذلك إلى بناء الإطارات المناضلة وفق رؤية إيديولوجية محدّدة قد لا تُلائم سياقات أخرى مباينة في الرؤية والممارسة. وما نراه من واقع المنطقة الجبيلية أن المرشّح الحزبي لا يستقطب إلا ضمن ضوابط العلاقة بين الجماعات المختلفة، في وقت يُعزّز الخطاب الهوياتي المتشدّد، فيما يستقطب كثيرٌ من المرشحين مواطنين على قاعدة المصالح المشتركة والعديدة، وبناء على تاريخ اجتماعي وسياسي محلّي ممتدّ منذ قرون. لكن الأدلجة ودور رجال الدين في جبيل يجعل خطاب المرشّح لا يتجاوز حدود الجماعة التي يطمح إلى تمثيلها، في الوقت الذي تتشارك هذه الجماعة والآخرين كثيراً من المبادئ والقناعات السياسية والتنموية في الحياة اليومية.

ونضيف إلى مشكلات الأمميّ مشكلة الدراية المحليّة. فالمرشّح الذي يزعم أنّه ملمّ بكلّ تفاصيل الحياة المحليّة لا شكّ في أنّه يجهل الكثير من الخريطة النفسية الجبيلية والعوامل التي شكّلتها، وسيقع في أغلب الأحيان فريسة المصالح الضيّقة للمحليين، سواء أكانوا من الناس العادين أو الكادرات الطامحة والمرتشية أو رجال الدين المتنفّذين الراغبين في التميّز بدور يتعدّى حدود المسجد والعلاقات الاجتماعية إلى دور سياسي شديد الإغراء وعظيم التبعات. ومرّة أخرى نعود إلى الإشكالية المطروحة ودوامتها!

وتُظهر تجربة النائب الحالي الممتدّة منذ حوالى 17 عاماً صدق ما ذهبنا إليه في الممارسة التي تثبّت منها أبناء منطقة جبيل، وفق القاعدة التي قرّرها الإمام علي عليه السلام في عهده للأشتر حين قال: “…. ثُمَّ اعْلَمْ يَا مَالِكُ أَنِّي قَدْ وَجَّهْتُكَ إِلَى بِلَادٍ قَدْ جَرَتْ عَلَيْهَا دُوَلٌ قَبْلَكَ مِنْ عَدْلٍ وَجَوْرٍ وَأَنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ مِنْ أُمُورِكَ فِي مِثْلِ مَا كُنْتَ تَنْظُرُ فِيهِ مِنْ أُمُورِ الْوُلَاةِ قَبْلَكَ وَيَقُولُونَ فِيكَ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِيهِمْ وَإِنَّمَا يُسْتَدَلُّ عَلَى الصَّالِحِينَ بِمَا يُجْرِي اللَّهُ لَهُمْ عَلَى أَلْسُنِ عِبَادِهِ…”. وقد نظر أهل جبيل في تجربة هاشم، وقارنوها بتجربتي السيد أحمد الحسيني وأحمد إسبر، وكلاهما حفر في وجدان الجبيليين عميقاً، فلم يجد للتجربة الأخيرة من ميزة، فيما النائب العتيد لا يملك غير الوعد، ولا أحد يدري ما كنهه!

لكن يُحسب لنائب الولاية المتصرّمة ـ إذا كان ذلك مما يحُسب ـ أنّه كان قادراً على التواصل مع الآخر، ولو لم يكن لتواصله نفعٌ يصبّ في حساب من يمثّل. فبالنظر إلى تكوين النائب الاجتماعي والسياسي، وهو الآتي من خارج بيئة فريقه السياسي، استطاع تجاوز محاذير ستُصيب المرشّح الحالي، بالرغم من أنّ عمله النيابي التشريعي والخدماتي بقي في القاع، ويُثقله أيضاً القدح في تمثيله البيئة الاجتماعية لفريقه السياسي وتقصيره في موجباته التمثيلية ووكالته النيابية.

وفي الاستحقاق الراهن الذي ينطوي على الكثير من التحدّي يتصدّى للمهمة المحلية مرشّحان من البيئة المحلية هما: الدكتور محمود عواد والسيد مصطفى الحسيني. وينطلق الأول من قاعدة عائلية عريضة متجذّرة في منطقة جبيل والطائفة، يعضدها الكثير من الاعتبارات المادية والمعنوية والتاريخ النضالي، في وقت ينطلق السيد مصطفى من تراث سياسي عريق مؤسس للكيان اللبناني، فضلاً عن انتمائه نسباً إلى عائلة مبجّلة في التراث الإسلامي والشيعي خصوصاً، في وقت لم يقصّر في عدد من الاستحقاقات في إنجاز ملفات محقة، كانت تمنعها سلطات الأمر الواقع من التنفيذ، ما أبرز قدرة على الحوار والتواصل مع الشريك. فقد رعى انطلاقة عدد من المباني الوقفية والتربوية في جبيل كانت تواجه بمعارضة لا مبرّر لها إلا التقوقع، كما استطاع منح القرى، ومنها القرى المسلمة، بلديات من أجل صوغ حياتها الاجتماعية والتنموية بما يلائمها، فضلاً عن مشاريع أخرى يمكن تفصيلها.

اقرأ أيضاً: شيعة جبيل والبقاع الغربي: لماذا مرشحو النيابة من خارج مناطقهم؟

إذاً، يمكن اعتبار المرشَّحين ملائمين لمنطقة جبيل في حوار الآخر والامتداد باتجاه الوطن، فيما التوتر العالي الذي يحمله مرشّح الأممية لن يزيد المنطقة إلا رضوخاً للضغط العالي والمطالبة بتقديم التنازلات للشركاء النهمين على أكثر من مستوى، خصوصاً أنّه في مقابل أبو العبد كبّارة ونظريته في كون طرابلس عاصمة المسلمين ثمة من يرى أن جبيل وكسروان عاصمة الموارنة، في وقت يواجه مفهوم الشراكة ضغوطات يومية، وتبقى الشعارات التي تعرّي المجتمع المسلم من حقوقه وإدارته لذاته. وإن كان في بلدات أخرى كـ”الحدث” مثلاً قد تمّ منع البيع لغير المسيحي الديانة خلافاً للقانون، أو أنشئت جمعية لاسترجاع الأراضي التي باعها مسيحيون لغير طائفتهم برئاسة السيد طلال الدويهي، فإنّ مسلمي بلاد جبيل وكسروان لم يجدوا من يحمل همّهم حتى الساعة، وهم المهدّدون في وجودهم الذاوي، وتراجعهم اليومي في تطور سلبيّ في المجال العقاري والديمغرافي والوظيفة العامة، خلافاً لكلّ ما يروّج له النائب السابق فارس سعيد وسواه.

في جبيل ثمة مكون مؤسس هو المكوّن الشيعي بلحاظ المعيار الديني، ومن حقه عيش هذه الخصوصية، على قدم المساواة، من دون الشعور بالامتنان للتفضّل عليه بحق هو لكلّ المواطنين، ولا بفرض يتنافى مع مفهوم المواطنة والمساواة والشراكة الدائمة.

آخر تحديث: 26 أبريل، 2018 2:54 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>