سمير فرنجية هذا الرجل – المُختبَر يُشعِرني بالنقص

  • اليوم الأربعاء، الذكرى السنوية الأولى لغياب سمير فرنجية (12 نيسان 1954- 11 نيسان 2017)

قلائل في تاريخ السياسة اللبنانية يُشعِرونني بالنقص. هم أقلّ من أصابع اليد الواحدة بالتأكيد. سمير فرنجية واحدٌ من هؤلاء النادرين. ريمون إده بالطبع. فؤاد شهاب أيضاً. ثمة واحدٌ أو إثنان، بعد، ولا بدّ.
أما الشعور بالنقص، فأسبابه عديدة، في مقدّمها أن هذا الشخص هو إناءٌ للعقل مطلقاً، وللعقل الوطني تخصيصاً. ولا يزال يمثل أمامي، حتى هذه اللحظة، والآن، شخصاً واقعياً ورائياً ورؤيوياً في الآن نفسه. فهو رجل مبدأ، وصاحب معايير ومفاهيم، ومبتكر أفكار، وصانع مبادرات، ومشيِّد جسور. وهذه أعمالٌ لا يجتمع واحدها في الضرورة، مع الآخر، لمشقّة الجمع بين النقائض، بين النظريات وتطبيقاتها. إنه، في هذا المعنى، جامع المتباعدات، والضفاف، والنقائص، لا انتهازاً، أو قسراً وافتعالاً واصطناعاً – وهذه هي “المَرجلة” النادرة – بل وعياً مدركاً لمسؤولية استجماع الأساس والشكل، الفكر والوجدان، الماضي والحاضر، الصلابة واللين، الكِبَر والتواضع، الشجاعة والحكمة، في المختبر العقلي والروحي الذي يصنع الاجتراح، ويفتح الطريق إلى المستقبل.

اقرأ أيضاً: دفاعاً عن «الخرزة الزرقاء»

ليس من المبالغة في شيء، أن أزعم أن شخصه العنيد الليّن، متسلّقُ جبالٍ وقممٍ. وأنه حفّارُ صخورٍ. وأنه هادمُ أصنامٍ. وأنه غيرُ مكتفٍ باستعراض الوقائع، بل هو راءٍ ما وراء الظاهر والأكمة. وأنه ملتقطُ إشارات، وفاهمُ بوصلة، ومشغِّلُ المغناطيس. وأنه مروِّض. وأنه غير قابلٍ للترويض والدغدغة والتخويف والترهيب والإغواء والتدجين. وأنه صانعُ ربيع. وأنه أيضاً مجترح.
هذه صفاتٌ ملموسة، ومتحقّقة، في شخصه، فكيف لي أن لا أشعر بالنقص حيالها، وخصوصاً عندما تتآلف، وتتناغم، وتتواءم، وتتصاهر، وتتجامع، لا من أجل أن تتكامل في نرجسية الشخص الشهم النبيل – حاشا – بل، حصراً، وتحديداً، من أجل أن تأخذ باليد الوطنية، فتخترق الحائط، والطريق المسدود، والحلقة الجهنمية المفرغة، وتقترح البدائل؟!
مثل هذا الشعور بالنقص، يُشعِرني أيضاً بالذهول، بالغضب، والازدراء. فبقدر ما يحملني على الإعجاب بشخصه، بشخص سمير، يحملني بالقوة نفسها على أن أتجاسر على هذه الطبقة السياسية الحاكمة، على هذه السلطة الموغلة في انحطاطها الأخلاقي والثقافي والفكري والسياسي والوطني، برموزها، وفعائلها، وارتكاباتها. وأسأل نفسي: كيف لا يستطيع “زعيم” أو “حزب”، من هذه التركيبة الكارثية التي تستولي على لبنان، كيف لا يستطيع كلّ هؤلاء “الزعماء” و”الأحزاب” (والتيارات والجماعات طبعاً) أن يتخذوا من هذا الرجل عبرةً، من أجل لبنان، ومن أجل بقائه على قيد الكرامة الوطنية، وعلى قيد الوجود والكينونة ووجهة المصير؟!
مرةً ثانية، أهتف من أعماقي: كم أشعر بالتهيّب حيال هذا الرجل، وخصوصاً لأنه يجتمع فيه الوعيُ الجارح بالنزق، التعالي بالتواضع، الأنفة بالبساطة، الجسارة بالتعقل، وفقر المال بغنى الروح! إنه تهيّبٌ – يا للمفارقة – لا علاقة له بتصنيم الشخص، أو بـ”التأليه” (على غرار ما يحدث في حياتنا السياسية)، لأن سقفه الوعي والعقل، ولأنه مقترنٌ بالأنسنة والثقافة والبساطة والألفة والطيبة والشهامة والنبل والصداقة والرحابة والسخرية والنكتة والجدّية والصدق والنظافة وكِبَر النفس والإباء والكرامة.
من المفجع حقاً أن تكون حياتنا السياسية خلواً إلى حدٍّ كبيرٍ ميئِّس من هذه الصفات، ومن هؤلاء الأشخاص. أسأل الآن، بصوتٍ جهير، مؤنِّب: كيف يُعقَل أن نذهب إلى هذه الانتخابات النيابية المهينة، بهؤلاء الذين يمثّلون الطبقة السياسية الحاكمة، وهم جملة الأحزاب والتيارات والجماعات والعشائر والأشخاص والطوائف والمذاهب الذين جعلوا لبنان مزبلةً للتاريخ؟!
يا لخجلنا من أولادنا! يا لخجلنا من موتانا!
ولولا هؤلاء الذين يزرعون الوعر الوطني – السياسي، أملاً أخضر، واعتراضاً، ورفضاً، وهم قلائل أيضاً، على غرار سمير فرنجية وأمثاله، لكان عليَّ أن أنادي بالانتحار أو الاستسلام.
لكن مهلاً. فسمير فرنجية يرفض حلاً ساذجاً وجباناً كهذا. إنه يريد البطولة. ويجب أن تتحقق الآن هذه البطولة. فليفترض كلٌّ منكم أن سمير فرنجية سيوجّه نداءً إلى الناخبات والناخبين، من أجل أن يقول لهم رأيه، ترشيحاً وانتخاباً، فماذا كان ليقول، هو الذي في العام 1996 خاض الانتخابات بشعريته السياسية والوطنية الخارقة، ضد الوصاية والاحتلال واليد الثقيلة من داخل ومن خارج؟
لن أزعم لنفسي أني متكلّمٌ باسمه، وعنه. يمكنكم أن تستصرِحوه في ذكرى غيابه الأولى. إنه وحده يملك الجواب عن نفسه. ولا تنسوا ما يقوله الشاعر، الذي يُظَنّ أنه السموأل، عن هؤلاء القلائل النادرين الذين نبحث عنهم كما نبحث عن إبرة في كومة من القش:
تُعَيِّرُنا أَنّا قَليلٌ عَديدُنا/ فَقُلتُ لَها إِنَّ الكِرامَ قَليلُ.

آخر تحديث: 11 أبريل، 2018 3:33 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>