ايران والعالم العربي (4): رسم الهلال الشيعي بتدمير الشام وحُكم لبنان

جاءت ثورة السوريين ضد نظام آل الأسد لتغيّر مسار الأحداث العالمية في خضم الربيع العربي. فمن كان يراهن على التغيير في مصر وتونس وليبيا واليمن لم يكن يضع سوريا على جدول أعماله.

لقد بدت الثورة السورية بعفويتها بمثابة تجاوز للخطوط الحمر ليس فقط للإيرانيين الذين يريدون من سوريا قاعدة متقدمة لوجودهم على البحر الأبيض المتوسط، بل أيضاً للأميركيين وبعض دول الغرب التي كانت مرتاحة للوضع المستقر في الجولان المحتل من إسرائيل منذ أكثر من أربعين عاماً في ظل حكم آل الأسد.

أصبحت سوريا بين فكي كماشة: من جهة الإسلام المتشدد السني والشيعي والروس والأميركيين من جهة أخرى. التقى دور التنظيمات السنيّة مع دور “حزب الله” والتنظيمات الشيعية المدعومة من إيران على تدمير سوريا وإجهاض ثورتها المحقّة. فلعبت “داعش” و”النصرة” وبعض التيارات السلفية والإخوانية الدور السلبي الذي صوّر الشعب السوري المطالب بالحرية والكرامة ورغيف الخبز، كمجموعات إرهابية هدفها تقويض الأمن وتهديد المنطقة برمتها. لذلك أصبح التدخل الإيراني مقبولاً من الأميركيين والروس والإسرائيليين الذي وافقوا على التنسيق مع هذه القوى مع بقائهم مسيطرين على الوضع بالتدخل العسكري المباشر كلما تجاوز “حزب الله وإيران” الخطوط الحمراء المرسومة لهما دولياً.

اقرأ أيضاً: إيران والعالم العربي (1): طموحات السيطرة من اليمن حتى فلسطين

وعلى غرار ما فعل المالكي في العراق قامت قوات سوريا الأسد بتسليم مناطق شاسعة في شرق وشمال سوريا وقرب دمشق وبعض مناطق الغرب إلى “داعش” واشترت مثلها مثل تركيا وبعض دول المنطقة النفط بأسعار رخيصة من التنظيم الإرهابي إضافة الى تهريب الآثار والكنوز تحت ستار غبار تدميرها. أصبحت عاصمة “الدولة الإسلامية” مدينة الرقة في شرق سوريا امتداداً للموصل العراقي. وحقق التنظيم خلال أربع سنوات من هيمنته على النفط والمناطق الاستراتيجية أهدافاً عديدة للنظام ولإيران من خلفها. ودخلت روسيا بكل ثقلها لتضرب المعارضة في الصميم بحجة قتال “داعش” مع انه لم يتم فتح أي معركة مباشرة مع التنظيم الإرهابي إلا حين أصبحت سوريا بنظر العالم “بريئة من دم القتلى” وأصبح كل ما فعلته يأتي في سياق “محاربة الإرهاب” فتم في الأخير إنزال الستارة عن مسرحية تراجيدية دفع الشعب السوري كما الشعب العراقي ثمنها، بينما كان “الدواعش” الحقيقيون يبتسمون للكاميرات في نهاية العرض.

كان دور “حزب الله” الى جانب عشرات التنظيمات الشيعية الأخرى واضحاً في تعزيز الفرز الديموغرافي على أساس مذهبي تمهيداً لجعل المناطق الحدودية مع لبنان شيعية وأصبحت هذه القوى قوى إحتلال للأراضي السورية بكل معنى الكلمة.

وحول الانفاق العسكري الإيراني في سوريا تتفاوت التقديرات بين 6 و 20 مليار دولار أميركي سنوياً، بما في ذلك مبلغ 4 مليارات دولار لتغطية التكاليف المباشرة ودعم الميليشيات التي تعمل لمصلحة إيران.

وكان النتيجة غير النهائية لهذا الاحتلال كم هائل من القتلى بين القوات: 473 إيرانياً على الأقل و583 أفغانياً و135 باكستانياً، فضلاً عن 1268 مقاتلاً من الشيعة العراقيين. ومن هذه الميليشيات منظمات عراقية مثل: منظمة بدر، حركة النجباء، عصائب أهل الحق، كتائب حزب الله، كتائب الإمام علي، سرايا الخراساني، كتائب سيد الشهداء، لواء ابو الفضل، حركة الابدال، وعدد من المجموعات الصغيرة الأخرى. ومن أفغانستان لواء “فاطميون”، ومن باكستان لواء “زينبيون”. إضافة الى “حزب الله” اللبناني.

لبنان قاعدة إيرانية

“حزب الله” لبنان الذي تأسس في بداية الثمانينات هو المُنسّق الأساسي للنشاطات الإيرانية في المنطقة العربية. هو الذي يقدّم المشورات العسكرية ويدرّب عناصر من تنظيمات عديدة شيعية وسنية وغيرها من باب المندب حتى نيجيريا في أفريقيا ومن البصرة وصولاً حتى المنامة تحت شعارات “ممانعة المؤامرات الغربية” و”تحرير فلسطين”. الشعار الكاذب الذي يداعب مشاعر المسلمين في العالم، في حين لو كانت إيران جادة في تحقيق هذا الشعار لما صرفت مليارات الدولارات وضحّت بمئات الشباب على مذبح أطماعها في الوطن العربي. فلو كانت إيران دفعت ربع ما دفعته من ثمن ضخم للدفاع عن نظام الأسد لكانت حررت فلسطين حقاً.

“حزب الله” الذي استمد قوته من الدعم الإيراني غير المحدود مالياً وتسليحياً والغطاء السوري بحكم سيطرة نظام دمشق على لبنان، أصبح دولة ضمن الدولة اللبنانية، بل قد يكون أقوى من الدولة بما استطاع أن يفرضه على المسؤولين اللبنانيين من قرارات قد لا تصب في مصلحة الشعب اللبناني.

بدأ “حزب الله” مقاومة مشروعة ضد إسرائيل التي احتلت أراضي لبنان الجنوبية لمدة عشرين عاماً، خاض خلالها مواجهات كانت محل إعجاب معظم اللبنانيين والعرب ومحبي الحريّة في العالم وتوجت بالتحرير في العام 2000. لكن النقطة الخطيرة في الموضوع هي أن ما قامت به سوريا من فتح المجال أمام الحزب للعمل بحريّة ومنعها التيارات المقاومة الأخرى من القيام بدورها في التحرير، طرح علامات استفهام كثيرة كانت تجابه بالتخوين والعمالة مع أن المقاومة هي حق لكل لبناني.

تبين أن إيران كانت تعمل مع سوريا منذ بداية سيطرة الملالي على النظام، من أجل خلق قوة عسكرية شبيهة بالحرس الثوري الإيراني في لبنان. وقامت سوريا بقص أجنحة أو إضعاف أو إزالة كل من يمكن أن ينافس هذه القوة من قوى إسلامية سنية وحتى شيعية غير موالية للولي الفقيه، وقومية وفلسطينية كانت فاعلة على الساحة اللبنانية. وكان الحزب قد بدأ سلفياً متشدداً يرفض المشاركة في السلطة والانتخابات ويعتبرها منافية لتعاليم الإسلام، لكن منذ الانتخابات اللبنانية البرلمانية الأولى بعد الحرب في العام 1992 صار الحزب براغماتياً يتحول ويتغير بسياساته تبعاً لفتاوى خامنئي و”مراجع التقيلد العظام” الذين يعملون لمصلحته. حتى الضاحية الجنوبية والمناطق التي يسيطر عليها “حزب الله” في البقاع تسود فيها تجارة المخدرات والحشيش بغطاء من “المراجع العليا” في الحزب، ومن خلفها نظاما سوريا وإيران. أصبحت زراعة الأفيون والحشيش وصناعة المواد المخدرة على أنواعها تتم بحماية هذا الحزب الذي يمول العديد من عملياته وجرائمه بأموال هذه التجارة، وهو الحزب الذي كان دائماً يقدّم نفسه كحركة تقويّة طهرانية. لقد أصبحت الضاحية التي يسميها الحزب بخزان المقاومة عبارة عن مدخنة للنراجيل والمواد المخدرة، فيما تقوم سيدتهم إيران بتسهيل تهريب المخدرات الأفغانية عبر إقليم سيستان بلوشستان لنشرها بين الشباب في دول الخليج والعالم، ومعروفة بقية قصة الحزب مع تجارة المخدرات في بعض دول أميركا اللاتينية. ودائماً لدى “مراجع” ولاية الفقيه حجج وذرائع لتحليل هذه التجارة الممنوعة دولياً والمحرمة إسلامياً بإجماع الأئمة، فهم يعتقدون أن نشرها في دول الغرب جزء من معركة الأمة مع “المستكبرين الكفار” وكذلك دول الخليج وشبابها هم جزء من هذه المنظومة التي تسعى دولة الملالي لإبادتها. طبعاً هذه الذريعة لا يمكن قبولها باي شكل حيث يتم قتل جيل كامل فيه الكثير من المسلمين أيضاً، بالسموم البيضاء والرايات السوداء.

بعد تحرير أجزاء كبيرة من جنوب لبنان في صيف العام 2000، والتي كانت تحت الإحتلال الإسرائيلي، ظهر “حزب الله” قوة سياسية مؤثرة استغلت انجازاتها في الميدان لتفرض على الشعب اللبناني برنامجها الخاص والذي هو في المحصلة مخطط إيراني لا يتعارض مع مصالح دمشق. شارك الحزب الأقطاب الآخرين عمليات الفساد المستشري في السلطة اللبنانية المدعومة من الاستخبارات السورية، وقام كغيره بتغطية التجاوزات والسرقات التي يقوم بها أتباعه وحلفاؤه. وبعد اغتيال رئيس الحكومة اللبناني رفيق الحريري كشّر “حزب الله” عن أنيابه المذهبية أكثر وبات يتصرّف كطرف حريص على تمرير كل ما يمكن أن يخدم النظامين السوري والإيراني حتى لو اضطر للتصرف بسفور على أن لبنان مجرد مطية لتحقيق الأهداف وليس وطناً نهائياً كما يؤمن به معظم أبنائه.

اقرأ أيضاً: إيران والعالم العربي (2): الجزر الإماراتية وحكم الصلاة في الأرض المغصوبة

ثم احتل “حزب الله” وحلفاؤه بيروت في العام 2008 بقوة السلاح وتحت أعين عناصر الجيش اللبناني، لفرض قراراته على الحكومة. حتى عندما كان يحاور الأطراف الأخرى كان يتفاوض وفق إسلوب وضع المسدس على طاولة المفاوضات. فما يملكه هذا الحزب ويعلن عنه من أسلحة حربية ضخمة لا يملكه أي طرف لبناني بما فيه الجيش الوطني. لذلك كانت تشكيلات النواب والحكومات تأتي ملائمة لهذا المعسكر الذي يسمي نفسه بالممانع. ولعل أخر تجليات الديموقراطية اللبنانية المدعومة بالاستبداد الإيراني والقمع السوري هي تعيين ميشال عون رئيساً للبنان وتسمية ذلك انتخاباً. الواضح أن مسار هذ العملية “الانتخابية” وما سبقها من فراغ في هذا المنصب الأساسي على مدى سنتين – بسبب تغيّب نواب الحزب وحلفائهم عن جلسات الانتخاب التي كانت في كل مرة تلغى- كان يصب في مصلحة إيران بالدرجة الأولى. والحديث عن تدخل إيران في لبنان لا تتسع له عجالة كهذه بل يستحق عدداً من المجلدات. يكفي أن تظاهرة واحدة قام بها بعض الشيعة المعارضين لسياسة ولاية الفقيه أمام سفارة طهران في بيروت خرجت بقتيل وعدد من الجرحى على أيدي حراس السفارة ومرتزقتهم من الحزب “المقاوم”، في حين يتظاهر اللبنانيون باستمرار أمام السفارة الأميركية في عوكر من دون سقوط ضحايا على أيدي الحراس الأميركيين “الشياطين”. مفارقة حقيقية ومزعجة حين نضطر لإجراء مقارنة بين “الشيطان الأكبر” و”الجمهورية الإسلامية الإيرانية”.

آخر تحديث: 27 مارس، 2018 4:33 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>