إنعام كجه جي في «النبيذة»: تروي ثمانين عاماً من تاريخ العراق

"النبيذة" هي الرواية الجديدة للصحافية والروائية العراقية إنعام كجه جي، المقيمة في باريس. وهذه الرواية الصادرة في طبعة أولى 2017، هي من منشورات "دار الجديد" (دارة محسن سليم، حارة حريك، لبنان).

وفي هذه الرواية، التي يجتمع فيها، الحبّ مع الموسيقى، والشِّعر مع الجاسوسيّة، تلتقي ثلاث شخصيات، امرأتان ورجل، لكل منها صوتها الخاصّ، وقصّتها الخاصة. وهذه الشخصيات هي: تاجُ الملوك عبد المجيد، الصحافية المتحرِّرة، صاحبة مجلة الرّحاب التي رعاها نوري السَّعيد في أربعينيّات بغداد. ومنصور البادي، زميلها الفلسطينيّ في إذاعة كراتشي، الذي هاجر إلى فنزويلا، وأضحى مستشاراً لرئيسها هوغو شافيز. ووديان الملاّح، عازفة الكمان في الأوركسترا السّمفونيّة العراقيّة، التي يُثْقِلُ أذنيها صَمَمٌ عوقبت به لأنها تمردت على نزوات “الأستاذ”. سالفة إثر سالفة، تغزل “النبيذة” خيوط الوقائع بمغزل الخيال، حين تحرف مصائر البشر عن مساراتها الطبيعيّة، عابرة ثمانين عاماً من تاريخ بلدٍ معذِّبٍ ومُعَذَّب. ومن هذه السّوالف، السّالفة التالية:

“ذات صباح غائم من أوائل تسع وأربعين، ومن راديو كراتشي النّاطق بالعربيّة، أذاعت تاجي عبد المجيد خبر إعدام الشّيوعيّ العراقيّ سلمان يوسف، المعروف بفهد. صوتُها عميق مُحايدٌ غريب على أذنيها. خلعت عن حنجرتها رنينها الطبيعي وقرأت الخبر بدون روح، بنبرة خشنة مثل حبل مشنقة. نفرت دمعتها بعد انطفاء الميكروفون. مسحتها قبل أن تخرج من الاستوديو. التّأثّر شُبهة وشُبهاتها تكفيها. مضت إلى المغسلة وصوبنتْ كفّيها عدّة مرات من دماء لا تُرى بالعين المجرّدة”..

اقرأ أيضاً: تأمّلات حنَّة أرندتْ «في العنف»… تاريخياً

ومتن هذه الرواية يتكوّن من ثلاثة وأربعين فصلاً، وهي تبدأ بالمقطع التالي، من فصلها الأول: هي لحظة من الحياة لم تجرّبها من قبل. ولا تظنُّ أنها ستعرفها فيما بعد. كانت جالسة في القطار، قرب النافذة، ثم رأت ماضيها يأتي ويرمي نفسه في المقعد المقابل. نظر، شامتاً، في عينيها وانتشلها من الرتابة ووهن السنين. هل تتجاهله أم تغيّر مكانها؟ حدّثتها نفسها أن تقوم وتتجه صوب جرس الطوارئ وتسحب لسانه الأحمر. ستسمع صراخ العجلات وهي تحتك بحديد السكة وتطلق شراراً. تفتح الباب وتنزل وتجري على الرصيف، لكن عينيه كانتا تقبضان عليها وتقيّدان يديها. أرختُ جفنيها وسلّمت نفسها لنديف قطن أبيض. كان كابوساً سببه سؤال عادي وجواب يبدو عادياً. لم تستوعب، في البداية، ما قاله لها الشرطيُّ الواقف عند ذلك الباب. لكن عبارته أذكرت جمرة خامدة مدفونة في صدرها. أثار فضولها أنه يحرس غرفة بعينها من دون باقي الغرف في الممرّ الطويل. سألته عن المريض الراقد في الداخل، من عساه يكون وراء الباب؟

كتاب النبيذة

أحياناً يحدث لنزلاء هذا المستشفى العسكري في باريس أن يكونوا من ضباط الجيش. لكن المرضى لا يحتاجون لشرطيّ يقف وقفة استعداد بالبزّة الزرقاء على أبوابهم. لعلّه رتبة رفيعة أو شخصية لها وزنها من دولة صديقة. سبق أن جاء للعلاج هنا ملوك ورؤساء وزعماء أحزاب. بعضهم مات على سريره هنا. أعلنوا أنه توفي في بلده وخرجت جنازته من بيته. عمليات جراحية وعلاجات تجري وراء أستار، تؤدي فيها فرنسا واجب الضيافة والمصالح لأصدقائها… أحياناً لأعدائها. من المريض في تلك الغرفة؟ لعلّه مجرم خطير أصيب في مطاردة، أو عند استجواب فظّ، يعالجونه قبل عرضه على القاضي. يقتضي الحذر ألاّ يردّ الشرطيّ على فضولها. لكنه مهذّب لم يتجاهل السؤال. رفع يمناه إلى قبّعته يُحيّيها، كما هي العادة قبل أي حديث مع مواطن. مال على قامتها الضئيلة وهمس بالإسم. لا سبب لأن يتوجّس منها أو يشك فيها. سيّدة مُسنّة تغضّن وجُهها وانحنى ظهرها، تقيم في المستشفى نفسه وتتحرّك في الممرّ متعكّزة على عصا. سيُفضي لها بما أرادت معرفته ولن يعني لها الأمر شيئاً. إنّ نزيل الغرفة مريض يحتضر، كان معروفاً ثم ما عاد يُذكر. مضى زمانه ودخل اسمه موسوعات الأعلام. هو نفسه لم يكن يعرفه قبل أن يقولوا له إنه رئيس جزائريّ سابق. الشرطيّ شرطي لا معلّم تاريخ.

اقرأ أيضاً: «رعشة روح»: نصوصٌ أدبيّة يُدوزِنُها جوزف رزق

هاجت خفافيش ماضيها وهي تسمع الإسم. وخزها قلبها وتسارعت دقّاته. لم تُصدّق أنّ نزيل الغرفة التي تقع في الطابق الخامس، على مبعدة أمتارم ن غرفتها في مستشفى فال دو غراس، هو بن بلّة. كأنّ ريحاً هبّت على روزنامة عمرها فتطايرت صفحاتها وتقلّبت عوداً على بدء. هذه ليست مصادفة سعيدة بل جيرة شرّيرة. همس لها حارس الغرفة باللقب فتذكّرت الإسم الأول: أحمد. لا تنسى ضحاياها ولا أحبابها ومن حلّت عليهم بركتها. أعطوها صورة له وحدّدوا لها اسمه الحقيقي ولعبه الحركي، مزياني مسعود. قامة يصعب نسيانها، نحيلة طويلة مثل سروة. رأته في المكان الذي وصفوه لها. يشرب القهوة، حسب عادته، في ساعة محدّدة على النيل. وكان عليها أن تتمشّى وتتمهّل بالقرب منه. يقف ويردّ على تحيّتها وسؤالها العفويّ. تتفرّس في وجهه وتبتسم. تنصرف مثلما جاءت، عابرة بسؤال عابر. كم كانت سنّه يومذاك؟

تاج الملوك تعرف نفسها. عاشت ثلاثة أعمار في عمر واحد، ما عادت تتوقّع مزيداً من الأقدار والمصادفات. لكن مجاورته ليست قدراً ولا مصادفة. إنها حساب ما فات.

آخر تحديث: 16 مارس، 2018 5:23 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>