العيد.. تذكار الجميل واستشراف الأجمل

العيد، بالمعنى الديني، مناسبة فرح لا يتمّ بالصورة المطلوبة روحياً، إلا إذا كان عامّاً، أي إلا إذا تعطلت صباح العيد كل الخصومات. وهو بذلك يصبح بمنزلة جائزة، تمنحها المنظومة الفكرية والقيمية الدينية، للجماعة بشرط الأفراد وللأفراد بشرط الجماعة، مكافأة على مسلك يتناغم فيه الفردي والجماعي والعام والخاص (الصوم مثلاً أو الحج). أما مولد السيد المسيح (ع) أو مولد الرسول (ص) فكأنه موعد السماء مع الإنسان الذي عانى من الاستلاب الروحي والبدني، في الحرية والخبز، ليأتي الميلاد بشارة بالخلاص. ما يستدعي فرحاً ينبع من الذاكرة ويصبّ في الحلم. وليكون صافياً في منبعه ومجراه ومصبه، لا بد أن يتعدى خصوصياته من دون أن يقطع معها، أي لا بد له من أن يجمع بين الذات والآخر.. ويأتي الوطن المشترك والعيش المشترك والوجع المشترك والرجاء المشترك، عوامل تعمق المعنى المشترك بالعيد الذي يبقى مسيحياً، ولكن إسلاميته المضافة ليست شكلاً وحسب.
ويبقى العيد الإسلامي إسلامياً من دون أن تكون مسيحيته مجرد زيادة على مظهره وطقوسه.

اقرأ أيضاً: أعضاء حمزة.. في مقام الخوف

في ماضينا القريب.. قبل الحرب، وقبل اتساع مساحة الشراكة المعرفية التبادلية بيننا.. كان لعيد الميلاد هيبة غامضة علينا، وكنا نتعاطى معه من خلال شراكتنا للمسيحي في الوطن، وبصرف النظر عن مساحة المشترك بيننا وبين المسيحي في المسيح ذاته، أو في التوحيد الإبراهيمي الذي يجمعنا.. لم يكن الوعي بهذه الأمور غائباً، ولكنه ليس الحاضر الأول.. بل الحاضر الأول هو المسيحي المعلم أو التلميذ أو الزميل أو المواطن.. وكان المسلم في عيد المولد أو الفطر أو الأضحى شبيهاً للمسيحي في هذا الشأن..
منذ عقود، زادت معرفة كلّ منا بالآخر في منظومته الفكرية والعقدية وفي طقوسه، صارت مساحة الشراكة أوسع في الوعي.. ولكن ذلك لم يواكبه عمق يناسبه، لأن العلاقة أصبحت محكومة بالسياسة.. وبالوعي الإيديولوجي للدين.. ما يعني في العادة أن تتراجع نسبة الحميمية وتتقدم نسبة المجاملة، بناء على ما تبقى من إيقاعات الحرب وما هو متوقع من عودتها، وبناءً على إغراءات السلام الداخلي الذي هو دين أيضاً.
تقاتلنا فخسرنا وتوجعنا معاً، واكتشفنا أن ثقافتنا المجتمعية المتميزة وذات النكهة المركبة منا جميعاً، هي إنتاج أو إبداع مشترك، وهي حافظ لنصابنا الوطني وأشواقنا الإنسانية، وأنه لا بد من تجديدها لتفادي الحروب المحتملة.. وهكذا صار الاحتفاء المسيحي بعيد الفطر أو الأضحى أو المولد أشمل وأوضح، أما احتفاء المسلمين بالميلاد فقد اقترب من الاحتفال المسيحي شكلاً قطعاً ومضموناً إلى حد بعيد.. حتى صار بإمكاننا أن نحتفل معاً وفي مكان واحد على (حبشة أو دجاجة العيد مع الكستناء إلى شجرة الميلاد إلى بابانويل) وتضاعف ويتضاعف عدد الأفراد الذين ينتظرون نهاية قداس الميلاد ليوزعوا التهاني والتبريكات. مانحين بذلك للهاتف الخلوي بركة دينية ووطنية لأنه يسهم في تعزيز التواصل. ولعل الأكثر استرعاءً للانتباه هو أن شجرة الميلاد أصبحت تقليداً في منازل المتدينين المسلمين.. حتى المتشددين، الذين اضطروا أن يعلموا المسيح لأولادهم بتوسع أكثر من الماضي، ومن دون أن يتهموا بالتغرب وافتعالهم التقارب مع المسيحيين أو مجاملتهم.

اقرأ أيضاً: على جسر الكوفة

واصبحت شجرة الميلاد تقليداً سنوياً في المدارس الخاصة في قرى (الصفاء) الديني الإسلامي أو المذهبي في حين إنها لم تكن تدخل حتى إلى المدرسة الرسمية التي كانت مصنعنا الوطني، ما يعني أننا قد نستطيع استعادة شعورنا بالمواطنة من خلال الممارسة المشتركة.. وقد كنت عضواً في مجلس إدارة إحدى المؤسسات التربوية الكبرى في الجنوب، وقد وافقت قبل عقود ولم أكن أنا الذي أقترح على أساس أني مهموم بالحوار.. بل وافقت على اقتراح الأعضاء باعتبار الميلاد عيداً للمدرسة، لا للتعطيل بل للاحتفال، حول شجرة ميلاد ضخمة.. وكلام جميل عن المسيح والعذراء والمسيحية.
العيد فرح، ومصالحة، واجتماع، وتعارف وتثاقف، وتراحم، وتواصل، وتكامل، واستذكار للجميل واستشراف للأجمل..
العيد أهم مناسبة لتعزيز الشراكة.. وأهم معبر عنها.. إنه عرس الوطن، الذي يدعي فيه كل مواطن أن له على الآخر أن يعطيه مكاناً في أفراحه.. وأحزانه أيضاً..
العيد.. أي عيد جامع.. هو مساحة من الروح والحب والود تقع بين الأرض والسماء موصولة بهما.

(من كتاب في وصف الحب والحرب)

آخر تحديث: 9 مارس، 2018 12:24 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>