هل ولّى زمن الكتاب الجميل؟

في الزمن الموصوف بـ"الجميل"، كان الكتاب محور يومياتنا: في الحزب اليساري، في الجامعة، في المقهى، وحتى في صالون بيتنا؛ حيث كانت أمي، ومنذ طفولتي المبكرة تقرأ الروايات، وتخبئها عن أعيننا، نحن الأطفال الذين لم يكن يحق لنا إلا قراءة الكتب ذات الطرف الزهري، ومن بعده، عند المراهقة، عندما يتغير لون هذا الطرف إلى الأخضر.

في الحزب اليساري، كان الكتاب مثل المقرّر المدرسي “الأسبوع المقبل أيها الرفاق، سنناقش كتاب فريديريك أنغلز أصل العائلة والملكية الخاصة والدولة”. والرفيق الذي يأتي إلى الاجتماع الحزبي من دون قراءة هذا الكتاب يكون مثل التلميذ الكسول الذي لم يقم بفروضه البيتية؛ يستحي وينتظر نظرات التأنيب، ويكون متأكداً، نظراً لبراءته، أن تقاعسه هذا سوف يقلّل من احتمال ارتقائه إلى درجة حزبية أعلى. في الجامعة، كنا نتدافع على أبواب المكتبة، لنكون أول من يحظى بكتاب أوصى به أستاذنا. بل كنا ننافس هذا الأستاذ بقراءاتٍ إضافية، نتباهى، ونعايره، هو الذي فتح أعيننا، نختبره، نضايقه؛ لم يقرأ الكتاب الفلاني، بدليل أنه لم يورده في القائمة.. أما القائمة بحد ذاتها فكانت مثل شربة المياه.

إقرأ ايضا: سورية.. جيش الاحتلال يحارب أحد جيوش الاحتلال

والكتب الجديدة، التي لم تصل بعد المكتبة، كنا نسرقها، نخبئها في شنط كبيرة ثقيلة، في وسعنا أن نحملها طوال النهار، بل في وسعنا أن نحملها في أثناء التظاهرات، ونعود محمَّلين بها إلى البيت آخر النهار، من دون أن نتعب.. شباب! وعندما كنا نأتي إلى المقهى للتسالي، كان لا بد لنا أن نحمل تحت إبطنا كتابا، وأحيانا كتابين، نضع عنوانه على الجهة المكشوفة للنظر، لكي يعرف القاصي والداني أننا بصدد قراءة هذا الكتاب، ولكي لا ندخل إلى المقهى مثل جحا،  “أحزن لأن الوقت المتبقي لي في الحياة لن يسمح لي بقراءة كل ما أرغب، أو أحلم به” القادم من المجاهل، بل مثقفون يقرأون، وليس أي كتب.. كنا نقرأ، لأن روح ذاك العصر “الجميل” كانت تحب القراءة، وتعتبرها ارتقاءً لا يحتاج امتيازاتٍ موروثة، أو غير مستحقة، إنما هي تفوق طبيعي، نسميه “رأس مال رمزياً”، نقدّر صاحبه أشد تقدير. كان يكفي أنه يقرأ..

لذلك، وكما في كل مجتمع بشري كنا، هناك “دجّالو” القراءة: أولئك الذين يدّعون أنهم قرأوا، من دون أن يقرأوا. سمعوا بالكتاب، وأرادوا أن “يطلقوا تمساحا”، أي أن “يشبّحوا” بلغة اليوم، أن ينتزعوا وهجاً ليس من حقهم. وهم أكثر من حمل الكتاب تحت إبطه خلال تجواله بيننا.. أو أولئك الذين كانوا يستنطقون قارئا حقيقيا لكتاب، يطلبون منه ملخصاً عنه، يحفظونه، ثم يتلونه أمام الشباب، كأنهم قرأوه. ومن بين هؤلاء من صعد إلى أعلى السلالم من بين أصحاب “رأس المال الرمزي”، واحترفوا صنعة المثقف اللامع، أو المعروف.. ولكن بين القراء الحقيقيين، بين محبّي الكتاب، كانت العلاقة تبادلية، نعير ونستعير، وأحيانا نسكت بلؤمٍ عما استعرناه، بنيّة الاحتفاظ بالكتاب، أي سرقته، فسرقة الكتاب كانت من بين الجنح المحمودة وقتها.

الآن.. ما زلتُ أحب القراءة. وأحزن لأن الوقت المتبقي لي في الحياة لن يسمح لي بقراءة كل ما أرغب، أو أحلم به. وهذا حزنٌ قديم، ولد معي في باريس، في إحدى مكتبات الحيّ اللاتيني، عندما نظرتُ إلى أعالي الكتب المرصوصة ذات العناوين الجذابة، فقلت لنفسي إن حياة بأكملها لن تكفيني لقراءة كل هذه الكتب. وهذا الحزن نام طويلاً، وانبعث من جديد بأقوى مما كان، مع تقدمي في العمر؛ يستفيق مئة مرة في النهار، خصوصا عندما أضيّع نظارات القراءة. أُصاب ساعتها بالهلع من أن لا أجد النظارات، أن أفقدها، أو تختفي، كما لو أنها لم تُخترع. صحيح! ماذا لو لم يخترعوا النظارات؟ كنت سأحرم من القراءة، بدءاً من الأربعين…
ثم، لم يَعُد هناك من أتبادل معه الكتب. فقط شقيقتي الكبرى، المقيمة في الخارج، عندما تأتي إلى لبنان، تحمل معها شنْطة مليئة بالكتب، وأبادلها أنا بشنطة مثلها من الكتب التي قرأتها، والتي لم تعد مكتبتي تسعها.

ولكن هذا كله ليس مهماً أمام ما تبثّه روح العصر الجديدة ضد الكتاب والقراءة. لستُ بحاجة أن أحمل الكتب تحت إبطي، ولا أستطيع، نظرا لأوجاع ظهري. ولا للتباهي، أو “التشبيح”، أو زيادة “رأسمالي الرمزي”. أحتاج للكتب، لأنها متعتي ومهنتي في آن. أحبها لأنها تحاول أن تفهمني أشياء، أو تسمي أشياء، أو تتخيل أشياء.. تغنيني، تؤنسني، تغذّيني، تصادقني. أن يكون على أحد رفوف مكتبتي، أعز رفّ عندي، كتابان جديدان أو ثلاثة، يعني أنني ضمنتُ “مونَتي” الروحية الأسبوعية (والمونَة هي المأكولات التي تتدخر لفصول الشتاء، مثل القمح والزيت والزيتون.. إلخ). إذا فرغ رفّي منها، أقلق، ولا أطمئن إلا بعد تعبئته.

في الآونة الأخيرة، صار الاطمئنان صعباً. ما سجلته على ورقةٍ من عناوين كنت أنوي شراءها، أدوّنها بخط صغير، أضعها دائما في حقيبتي، أجدّدها كلما اهترأت.. لم أعد أجده في المكتبات. كل أسبوع، أحضر وكلي أمل بأن هذه المرة، سيكون الكتاب الذي سجلته، أو الكتابان أو الثلاثة، سيكون متوفراً في المكتبة. كتب جديدة، قديمة، لمؤلفين مغمورين أو معروفين، كتب كلاسيكية وغير كلاسيكية، عربية وأجنبية.. أسبوعا بعد أسبوع، “كلا… ليس هذا الكتاب عندنا، وليس قابلاً للطلب!”؛ أي ليس وارداً أصلاً في لائحة الكتب الممكن طلبها من الخارج.. كأنه اختفى بقدرة قادر، وسوف يبتلعه النسيان.

مرّت فترة هكذا، حتى بدأت السوسة تنْخر رأسي. حسنا! أقول لنفسي، القراءة تراجعت، ومن الطبيعي أن يتراجع الكتاب معها، ولكنني كنت أريد كلمةً من موظّفات المكتبة تؤكد على  “هل تختفي تباعاً الكُتب المتبقية، وينْقرض الكتاب بعد حين؟”
السوسة. فسألت إحداهن أخيراً، ومباشرةً، عن فقرهم هذا، عن تناقص الكتب عندهم، هم أشهر مكتبة في لبنان، وذات فروع. فكان جوابها واضحاً، من أنهم لا يستطيعون دفع إيجار المخزن، لكتب لن يشتريها أحد. فقلصوا بذلك عدد الكتب، إلا المصوَّرة الفخمة وكتب الطبخ ونصائح الريجيم؛ وحتى هذه تتراجع. ولكن “مصدركم” أيضا لم يَعُد له الكتب المطلوبة، أجيبها، بدليل أن لا طائل من الطلبية أصلاً. طبعاً هم ليسوا مسؤولين عن هذا الشق من القضية. فتابعتُ سؤالي: “هل هذا يعني أن السنوات المقبلة سوف تكون أسوأ من هذه؟”. “نعم، يا مدام، كل ما يحتاج إليه المرء من معلومات يجده في الإنترنت، فما حاجة الناس إلى الكتاب؟” تجيب الموظفة. انتبه إلى “معلومات”، وهي تلخص اهتمامات الذين يقرأون اليوم.

إقرأ ايضا: لبنان.. لا شيء يعلو ديناميكية السلطة الطائفية

هل تختفي تباعاً الكُتب المتبقية، وينْقرض الكتاب بعد حين؟ هل تصبح الشبكة بآلياتها وقراراتها السرية، بأربابها القليلين المهيمنين، أصحاب المليارات، بعيونها المحدّقة في عقولنا وقلوبنا.. هل تصبح الشبكة أمّ المعرفة؟ بديلاً عن الكتاب الذي علمنا حرية الخيال؟ فيعود الكتاب، كما في العهود القديمة، إلى تحت الأرض، في المغاور، مختبئا، محفوظا من الرطوبة، إلى حين عودته ظافراً بالكلمة، كما حدث مع كتب الأنبياء أو المتمرّدين أو المهزومين المستضعفين؟ هل تصبح القراءة فعلاً أقلوياً، والقراء ناسكين زاهدين، لا غرض من القراءة عندهم غير لذّة روحهم، وحماية كنوز الذاكرة من أية كارثة كونية، يمكن ان تضرب الشبكة عن بكرة أبيها، بفعل حرب أو طبيعة، أو ما يشبهها، فنعود إلى النبش في أحشاء الأرض، لنجد الكتاب الذي سيعطي المعنى لهذه الكارثة؟.

آخر تحديث: 1 مارس، 2018 10:49 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>