التيارات الدينية المعاصرة: تاريخيتها ومنحنياتها الجديدة (2/2)

تقتصر هذه المقالة، على معالجة التيارات الدينية ذات الصفة الإسلامية كونها جزءاً من موضوع الساعة في اشكالية الواقع العربي واللبناني القائم، أولا. وثانيا-، على معالجة التيارات الدينية الإسلامية ذات المنحى السياسي والايديولوجي دون التيارات الأخرى ذات المنحى الديني الايماني الصرف.

وبهذا الصدد يبرز في المقدمة إسم منظمة «الإخوان المسلمين، المعروف جيدا. فهذه المنظمة التي تأسست عام ١٩٢٨ سرعان ما انتشرت في أنحاء مصر خلال الثلاثينات، وأنشأت فروعاً لها فى الكثير من الاقطار العربية وبعض الأقطار الاسلامية، وأخذت تدرب أعضاءها على السلاح. واعلنت عداءها للقومية العربية وللفكرة الوطنية، كما جاء في” الرسائل الثلاث.

إقرأ ايضا: التيارات الدينية المعاصرة: تاريخيتها ومنحنياتها الجديدة (1/2)

دعوتنا” التي كتبها المرشد العام «للاخوان، الشيخ حسن البنا، فقد قال أن الاخوان «يعتبرون الحدود الوطنية بالعقيدة لا بالتخوم الأرضية والحدود الجغرافية، فكل بقعة فيها مسلم، وطن، له حرمته وقداسته، وكل المسلمين في هذه الأقطار الجغرافية اهلنا وإخوتنا، نهتم بهم ونشعر بشعورهم. ودعاة الوطنية فقط ليسوا كذلك، فلا يعنيهم الا امر تلك البقعة المحدودة والضيقة من رقعة الارض، وقد رفع «الإخوان المسلمون، شعارات اجتماعية ديماغوجية أول الأمر، فدعوا إلى تمصير الشركات الاجنبية واحلال رؤوس الأموال الوطنية مكانها وإلى التصنيع والى تحديد الملكية الكبيرة وتشجيع الملكية الصغيرة. اجتذبت هذه الشعارات فئات شعبية وجماهير عمالية وفلاحية. وقد أيدت منظمة «الاخوان» ثورة ٢٢ تموز سنة ١٩٥٢، في بدايتها ولكن سريعا ما تحولت المنظمة عن تلك الشعارات الديماغوجية حين انتهج قادة ثورة ٢٣ يوليو بقيادة جمال عبد الناصر نهج مكافحة الامبريالية ووضعت برنامجا للتحولات الاجتماعية، فإذا منظمة «الاخوان، تعلن عداءها لتلك الشعارات ومعارضتها للتحولات الاجتماعية التقدمية التي اتجهت إليها ثورة عبد الناصر، ومحاربتها للتأميمات و لاصلاح الزراعي.

واتضح في تلك الفترة العاصفة من النهوض الوطني الثوري أن بعض محافل الامبريالية والرجعية ايدت «الإخوان، وساندت حركتهم على اعتبار أنها قادرة على وقف المد االتقدمي. ثم أصبحت المنظمة منظمة إرهابية تعمل على معارضة النهج الناصري التقدمي داخلياً وعالمياً. «وفي شهر آب عام 1965 كشفت أجهزة الامن المصرية غن مؤامرة يعدها(الأخوان) لقلب نظام الحكم بالاتصال بجهات أجنبية زودتهم بالأسلحة.

ولمنظمة «الأخوان»، مواقف شبيهة بتلك في العراق. فقد كانت تعادي الحركة الوطنية ومطامح الجماهير الشعبية مؤيدة الحكم الملكي والتسلط البريطاني هناك.

ولا بد ان نرى دور الأخوان التآمري التخريبي في سوريا الذى تستخدمه االعناصر لرجعية والعربية ودوائر المخابرات الامبريالية في محاولة تعطيل دور المواجهة السورية للخطط الصهيونية والامبريالية في المنطقة العربية.

ونذكر بهذا الصدد أيضا “حزب التحرير” الإسلامي المعروف بمنطلقاته ومواقفه الرجعية. وكذلك الحركة الإسلامية في افغانستان المناهضة لحركة التقدم والتطور للشعب الافغاني والتي تعمل بتوجيهات الامبريالية الاميركية وفي ايران كانت حركة دينية رجعية تقف إلى جانب نظام الشاه وتعارض الحركة الدينية الاخرى التي تزعمها الإمام الخميني وقاومت نظام الشاه، وقادت حركة الجماهير الشعبية الايرانية لقلع هذا النظام الشاهنشاهي الاستبدادي إن أمثال هذه الحركات والتيارات والمنظمات الإسلامية في البلاد العربية وفي سائر بلدان الشرق (الهند، باكستان، الخ…) اصبح لها تاريخ أسود لا يحتاج إلى تفصيل. لكن المسألة أن هذه جميعا تدعي العودة إلى اصول الإسلام. وهنا ينهض السؤال الآتي: إذا كانت التيارات والحركات والمنظمات الإسلامية ذات المنحى الاصلاحى التقدمي تقول بالعودة إلى الأصول، وإذا كانت الحركات والتيارات الاسلامية النقيض لتلك تقول ايضا بالعودة إلى الاصول، فكيف يمكن ان يكون الإسلام إسلامين، والأصول أصولين؟ السؤال يجب أن نقف عنده لاستخلاص طويلا أكثر من مرة، ونحاول الاجابة عنه الحقيقة ولتحديد المواقع والمواقف. وقد نكون في هذه المرحلة اشد حاجة إلى البحث عن لواقعي عن السؤال.

إن الاسلا م واحد، والأصول هي الاصول نفسها، ليست متعددة بتعدد الحركات والتنظيمات والتيارات الدينية الإسلامية. ليس هناك إسلامان، وليس هناك “اصوليتان” إنما هناك ايديولوجيتان أو أكثر. الايديولوجيات هي التي تتعدد بتعدد المواقع الاجتماعية التي ينطلق منها أصحاب الايديولوجيات، وتعدد المصالح والانتماءات الطبقية.

هذه خلاصة الاجابة عن السؤال. لكن الاجابة هكذا لا تكفي في استخلاص الحقيقة المطلوبة، لأنه يبقى سؤال اخر يلح علينا بالإجابة، هو:

كيف إذن يكون الإسلام إسلاماً واحداً والأصول أصولية واحدة، والدعوات الإسلامية تتعدد وتتعدد فيها الاصوليات، ويتعدد، من خلالها، الإسلام؟

إقرأ أيضا: السيد الامين: نحن بحاجة للتيار العقلي لينقذنا من التخلف

الشريعة الإسلامية التي هي المرجع لكل الحركات والتيارات والتنظيمات تتكون من مبادىء عامة يجمعها مبدأ أساس تدور حوله كلها وتؤسس عليه جميعها، هو مبدأ المصلحة العامة. لكن ما هي المصلحة العامة؟

هذا هو السؤال الأهم في موضوعنا:

إن منطلق الشريعة هو منطق الواقع نفسه، والواقع ليس ثابتاً بل هو متغير متطور وفق تغير الظروف التاريخية وتطور الواقع الاجتماعي. والمصلحة العامة تخضع لمنطق العملية التاريخية المستمرة والدائبة والمتحركة دائما دون انقطاع. من هنا يختلف مفهوم المصلحة العامة في كل عصر وفي كل مرحلة تاريخية، عنه في العصر السابق أو في المرحلة السابقة. لكل ظرف ولكل عصر شكل جديد من المصلحة العامة. والذي يحدد هذا الشكل هم اهل العصر المعين او المرحلة المعينة. وهنا دور الاجتهاد الفقهي الذي يستطيع ان يحدد العلاقة بين مبادىء الشريعة وجوهرها(المصلحة العامة) وبين موجبات الظروف التاريخية الراهنة.

في سلوك المسلمين الأوائل، والخلفاء الراشدين بخاصة، دليل مرشد فى هذا الصدد، بل ان السنة نفسها – سنة النبي- تضع امامنا الدليل المرشد في هذا الصدد. فإن تشريع “الاخوة” بين الانصار والمهاجرين في المدينة، اوائل هجرة النبي واصحابه إليها، كانت مصلحة عامة معينة ومحددة تقتضي هذا التشريع. وحين تغيرت ظروف المهاجرين، أي حين أصبحوا يستطيعون العيش في هجرتهم خارج نطاق الأخوة، نسخ الإسلام هـذ التشريع. وهناك امثلة كثيرة. ولدينا مثل من سلوك الخلفاء الراشدين نجده عند عمر بن الخطاب- الخليفة الراشدي الثاني- الذي الغى نصيب “المؤلفة قلوبهم” من الغنائم حين تغيرت المصلحة التي دعت إلى هذا التشريع، اي حين لم تبق حاجة إلى تأليف قلوب هؤلاء الذين تمتعوا بنصيب من الغنائم لمجرد تأليف قلوبهم مع الإسلام، رغم ان إسلامهم لم يكن مضمونا . ذلك لأن الإسلام قوي واشتد عوده في زمن عمر بن الخطاب، فلم يعد محتاجا إلى مثل هذه الفئة لنصرته.

ومثل آخر من سلوك عمر بن الخطاب نفسه هو قوله: «متعتان كانتا على عهد رسول الله: متعة الحج ومتعة الزواج(أي الزواج المؤقت)، وأنا أحرمهما وأعاقب عليهما.

ولعل اعظم مثل على سلوك عمر هذا منعه قطع يد السارق أيام المجاعة، أي منع تطبيق حكم الشريعة الذي ينص على قطع يد السارق نصا صريحا. ذلك لأن عمر بن الخطاب اجتهد اجتهادا عظيما ينسجم مع روح التشريع الإسلامي، إذ نظر أن السارق في أيام المجاعة، إنما يسرق عن حاجة لا عن جريمة.

كل هذه الامثلة تدل صراحة على إقرار مبدأ التطور في الشريعة، وكون المصلحة العامة لا تحدد إلا في ظرفها الخاص وفي وضع اجتماعي خاص.

هذه المسألة، وهناك مسألة اخرى هي أن الشريعة لم تأت فيِ عهد الإسلام الأول جاهزة كاملة تضع حكما جاهزا لكل حادث ولكل واقعة ولكل حالة تأتي في الأزمنة اللاحقة، لأن ذلك مستحيل، إنما اكتفت بوضع المبادىء العامة للتطبيق العقلاني والاجتهاد العقلاني في كل ظرف معين. ثم مسألة ثالثة، هي أن نصوص الشريعة ولا سيما النصوص القرآنية الكريمة لم تفصح كلها عن مضامينها بشكل قطعي ومحكم، بل ن الكثير النصوص من هذه يقبل التفسير والتأويل على وجوه عدة بناء على هذه المسائل الثلاث كثرت في التاريخ الإسلامي الاجتهادات والتأويلات بقدر ما تكثر المصالح والأهداف، وبقدر ما تتعدد المنطلقات الفكرية والسياسية او المواقع الاجتماعية، اي الطبقية وبناء على هذه المسائل أيضاً تعددت في تاريخ الإسلام المذاهب الفقهية والعقدية وتعددت الفرق حتى في داخل المذهب الواحد.

وبناء على هذه المسائل ذاتها نفهم كيف ظهر في التاريخ العربي الإسلامي بين الحركات والتيارات الدينية جناحان نقيضان: جناح التيارات والحركات ذات المنحى المكافح من أجل الإصلاح أو التحرر السياسي، وجناح الحركات والتيارات الرجعية الظلامية المرتبطة بالسلطات الاستبدادية والمتعاونة مع العامل الأجنبي الاستعماري وحين يدخل العرب عصر الحرب العالمية الثانية، عصر الصراع الأعنف بين القوى الديمقراطية العالمية وقوى النازية الفاشية، عصر الانتصار الاعظم للقوى الديمقراطية العالمية لا سيما الطليعة الكبرى للديمقراطية في العالم: الاتحاد السوفياتي الذي أسهم بالقسط الأكبر في تحقيق النصر وسجل حضوره المتوهج والحاسم في عالمنا الجديد مؤكداً أن العالم يعيش بالفعل مرحلة الانتقال من الراسمالية إلى الاشتراكية.

حين يدخل العرب عصر الحرب العالمية الثانية، يدخلونه وهم بالاجمال إلى جانب الديمقراطية يساعدهم الوضع الدولي الجديد على أن يتابعوا كفاحهم القومي التحرري، وان تقوم حركة التحرر الوطني العربية على أسس جديدة من التطلعات نحو التحرر الحقيقي لكن حين بدأت هذه الحركة التحررية تنهض خلال الأربعينات، وتؤكد طموحاتها وتوشك أن تتطور نحو آفاق وطنية ديمقراطية جديدة، عاجلتها الامبريالية العالمية، لا سيما الامبريالية البريطانية والأميركية، بإقامة دولة الصهاينة في فلسطين لتكون كابحاً قويا لحركة التحرر الوطني هذه. وقد نجحت الامبريالية في تحقيق هذا الهدف، أى بإقامة اسرائيل في قلب الخارطة العربية بتواطؤ مع البرجوازية العربية الكبيرة التي كانت في الاربعينات تقود حركة التحرر الوطني العربية.

إن إقامة دولة الصهاينة في أرض فلسطين جاء صدمة عنيفة للشعوب العربية وللفكر القومي الذي كان هو المنظر للحركة العربية التحررية. وقد بلغ من عمق الأثر الهائل الذى احدثته تلك الصدمة، ان توفرت عوامل جديدة لنهوض حركة التحرر الوطني من جديد. لكن هذه المرة نهضت بقيادة البرجوازية الصغيرة. غير ان هذه البرجوازية رغم، الانجازات التحررية والاجتماعية التقدمية التي حققتها، قد فشلت في انجاز مهمات الثورة الوطنية الديمقراطية التي كان من المفترض أن تنجزها هي، فشلت لاسباب عدة أهمها:

أولاً: قصورها فكرياً وطبقياً عن رؤية الافاق المستقبلية، وعن الطموح إلى مرحلة ما بعد التحرر الوطني وعن فهم الارتباط الديالكتيكي الموضوعي بين التحرر الوطني والتحرر الاجتماعي.

ثانياً: كونها استأثرت بقيادة المرحلة التاريخية دون سائر القوى الوطنية والتقدمية لا سيما أحزاب الطبقة العاملة.

ثالثا: إن أحزاب الطبقة العاملة نفسها لم تكن على مستوى القدرة الضرورية التي تصل بها إلى مواقع المشاركة في القيادة، فضلاً عن قيامها بالقيادة البديل.

رابعاً: اشتداد التآمر الامبريالي- الصهيوني-الرجعي-العربي على حركة التحرر الوطني العربية، والهجوم المستمر على المكتسبات التي انجزتها خلال الخمسينات والستينات.

إقرا ايضا: السيد محمد حسن الامين: الشورى في الاسلام هي عين الديموقراطية

خامساً: طبيعة عدم الانسجام – طبقيا- بين فئاتها وفصائلها، الذي أدت الى تناقضات بينها، وأدت التناقضات إلى انهيار في مجمل الوضع العربي تجاه الامبريالية والصهيونية والانظمة العربية الرجعية.

سادسا: عدم قدرتها على كسب ثقة الجماهير الشعبية، وذلك لعدم ثقتها بهذه الجماهير. فضلا عن إنها- بالعكس- أقامت العلاقة مع جماهير الشعب والقوى الوطنية والتقدمية على وسائل القمع، والعداء المطلق للديمقراطية.

وجاءت هزيمة ٥ حزيران ١٩٦٧ كنتيجة لهذا الفشل التاريخي، جاءت هذه الهزيمة لتؤكد انهيار قيادة البرجوازية الصغيرة، وفقدان القيادة البديل فى وقت كانت تتكالب القوى الرجعية العربية بتواطؤ مع الامبريالية والصهيونية على الاخذ بزمام القيادة للمرحلة العربية الجديدة بهدف القضاء على حركة التحرر الوطني من الأساس.

في هذا المناخ السلبي الذي يسوده الفراغ في مجالات العمل النضالي لإقامة البديل الثوري عن قيادة البرجوازية الصغيرة، ولاستعادة دور الحركة الوطنية التحررية في شوط جديد نحو مهمات الثورة الوطنية الديمقراطية- في هذا المناخ ذاته أخذت تنمو تيارات وحركات كانت دينية محاولة ملء الفراغ بايديولوجيتها وبفكرها ومنطلقاتها السياسية، التي ترتبط غالبا بمواقع طبقية تنتمي، إما إلى اصول برجوازية صغيرة وإما إلى اصول فلاحية طفيلية، غالباً ما تكون على علاقة بزعامات اقطاعية.

لكن هذه الحركات والتيارات الدينية ليست على قدم المساواة في انتماءاتها ومنطلقاتها وإيديولوجيتها. إنها تتمايز عمليا على النحو التالي:

أولاً: التيارات والحركلت الرجعية والظلامية التي رهنت نفسها وسلوكها وفكرها لخدمة الأنظمة العربية الرجعية، أو للارتباط المباشر بدوائر المخابرات الامبريالية. وقد أشرنا إلى بعض هذه الحركات والتيارات في سياق عرضنا السابق.

ثانياً: التيارات السلفية التي اقتصر نشاطها على العمل الفكري، وهي التي تنظر إلى “السلف الصالح” كمرجع أساس لمقتضيات الحاضر، أي إنها ترتهن بفكرها للماضي، وترى هذا الماضي في حالة سكونية لا يتغير ولا يتطور، فهو قائم في حاضرنا كما كان ايام “السلف الصالح”. ورغم أن هذا التيار لا يمارس نشاطا عمليا مرتبطا بمواقع أو مواقف سياسية مباشرة وصريحة، هو ـ مع ذلك- يمثل أيديولوجية ماضوية تعادي التطور والتغيير في حاضرنا الاجتماعي والسياسي والفكري، وهو يؤثر تأثيرا سلبيا في مجالات الفكر والايديولوجيا، أي أن هذا الفريق من التيارات الدينية يؤدي عملا سياسيا أقصَد ذلك أم لم يقصد.

ثالثا: التيارات التي تنطلق من مواقع سياسية مباشرة مقدمة نفسها إلى الجماهير العربية والإسلامية كبديل عن القوى الوطنية البرجوازية السابقة التي فشلت في أداء مهماتها المرحلية، وكبديل أيضاً عن القوى الثورية الجذرية اللاحقة التي من المفترض أن تكون هي البديل.

تتميز هذه التيارات الاخيرة بانها تقدم للجماهير مشروعا سياسيا متكاملا كبديل “إسلامي ثوري” يطرح أهدافاً تحررية معادية للإمبريالية. فهي إذن لا تختلف من هذه الوجهة عن التيارات والحركات الدينية الإسلامية التي عرفها العالم العربي والإسلامي خلال القرن التاسع عشر. لكن مشروعها يطرح مسائل أخرى تختلف بها عن سابقاتها من التيارات الإسلامية المشار إليها اختلافا جذريا. وقد يصح القول إن مشروعها هذا يختلف كذلك -بهذه المسائل- عن موقف السيّر الإسلامية المأثورة للمسلمين الأوائل ذلك بأن التيارات الدينية الأخيرة هذه تطرح في مشروعها الجديد التعارض بين الوحدة القومية والوحدة الإسلامية. وهي لذلك تقيم تعارضا بين العروبة والإسلام، على نحو ما رأيناه سابقاً عند الشيخ حسن البنا في «الرسائل الثلاث- دعوتنا»، فى حين أن السيرة الإسلامية المأثورة- وفقا لما عرضناه سابقا – تنظر إلى العلاقة بين العروبة والإسلام على أنها علاقة تدخل في صلب المنطلق الإسلامي الأول، في حين رأينا أيضا، خلال السياق التاريخى السابق، كيف ترتبط القضية العربية بالقضية الإسلامية، والوحدة العربية بالوحدة الإسلامية، ارتباطا موضوعيا وعضويا لدى جميع التيارات والحركات الإسلامية الإصلاحية منذ القرن التاسع عشر حتى عهد ابن باديس.

إنها ظاهرة تلفت النظر، بشكل جدي، أن تعود للظهور حركات وتيارات دينية من هذا النوع، خصوصاً بعد مراحل تبلور الوعي القومي العربي على نحو مستقل عن الوعي الديني خلتل التطور الذي أحرزته حركة التحرر الوطني العربية، منذ الحرب العالمية الاولى إلى الستينيات من هذا القرن العشرين، وان تبرز هذه التيارات في لبنان، بخاصة، في هذه المرحلة من الأزمة اللبنانية بالذات، أي أن تتنامى وتنشط هذه التيارات على الساحة اللبنانية بعد العدوان الإسرائيلي على لبنان، وفي غمرة النضال الوطني اللبناني ضد هذا العدوان وضد القوى المرتبطة به (الكتائب) والقوى الداعمة له (الامبريالية الأميركية)، مع الأخذ بعين الاعتبار أن العدوان قد أخذ طابعاً طائفياً كنتيجة لتحالف إسرائيل مع القوى الطائفية، التي شكلت قاعدة المشروع الكتائبي الفاشي، المشروع الذي اتخذ منذ انطلاقته طابعا طائفيا عنصريا حاداً بقصد تشديد الطبيعة التسلطية لـ”المارونية السياسية” على حساب الطوائف الإسلامية بخاصة، والطوائف المسيحية غيرالمارونية وجماهير الموارنة والجماهير الشعبية بعامة إنها ظاهرة تلفت النظر جدياً وتثير الأسئلة بحدة: لماذا تعود هذه الحركات والتيارات الدينية بهذا النوع الجديد الذي ظهرت به في هذه الظروف العربية بالذات؟ لماذا تنامت ونشطت في هذه الظروف اللبنانية بخاصة؟ لقد أشرنا إلى الجواب عن السؤال الأول في ما سبق من القول بأن حالة الفراغ التي حدثت في الوضع العربي بعد هزيمة ١٩٦٧ وغياب البديل الثوري عن قيادة البرجوازية الصغيرة، كانت عاملاً في اطلالة الحركات والتيارات الدينية الجديدة لتحتل مكان البديل المطلوب.

بمعنى آخر، إن العامل المهم في بروز الظاهرة هو أزمة حركة التحرر الوطني العربية، يضاف إليها أزمة الفكر القومي بوجه عام. أما لماذا تنامت هذه التيارات والحركات ونشطت في ظروف الأزمة اللبنانية بعد العدوان الإسرائيلي مباشرة، فإن وراء ذلك سببين اساسيين:

أولهما: تخلف البنى الاجتماعية في الأوساط التي تنامت فيها هذه التيارات ونشطت.

وثانيهما: تشوه الوعي لدى الفئات الفقيرة و«البروليتاريا الرثة»، المهمشة التي تعاظم عددها ووزنها، في الريف وفي المدينة على السواء، بفعل الحرب الأهلية، وما رافقها ونتج عنها من إفقار ومن فرز طائفي، ومن تهجير واسع، هذه الفئات التي تنتظم في إطار خليط من العلاقات الاجتماعية المتفاوتة في التطور رغم تعايشها، والتي تعزز أشكال التأطير التقليدية، المذهبية والعائلية والمناطقية، على حساب الفرز الطائفي والتمايز الطبقيين المحددي المعالم.

نضيف إلى هذين العاملين عاملا اخر مساعدا هو تعثر المشروع الوطني الديمقراطي لحل الازمة اللبنانية على أساس يضع الحد الحاسم لاستمرار الحرب الأهلية المدمرة إن مركز الخطر في هذه الظاهرة هو ان التيارات والحركات الدينية هذه، بطابعها السياسي ذاك تدخل على خط الازمة اللبنانية بمشروع تغييري يقوم على إنشاء دولة إسلامية في لبنان، أي أن التغيير الذي يطرحه مشروع هذه التيارات والتنظيمات مشروط بانشاء الدولة الاسلامية . إن خطر هذا الاشتراط هو في كونه يشكل موضوعيا- في ظروف لبنان، بخاصة وهو البلد المتعدد الطوائف والمذاهب- عامل تقسيم للبنان الوطن، وعامل تفتيت للجماهير الشعبية ومنها الجماهير الإسلامية ذاتها.

إن ما تحدثه هذه التيارات والحركات الدينية وطروحاتها وسياستها ونهجها، من تفتيت لعناصر التماسك الوطني والقومي، وما تفعله من تشويه لوعي الجماهير، ومن تغييب لقوانين التطور الاجتماعي- إن ذلك كله يشكل عائقاً أمام التطور الديمقراطي الثوري للمجتمع.

صحيح أن هذه التيارات والحركات الدينية تطرح في مشروعها أهدافاً تحررية معادية للامبريالية، وصحيح أيضاً أنها تسهم في عملية تدمير النظام البرجوازي القائم.. وكلا هذين يمثل وجها إيجابياً لها ويقتضي التعامل الإيجابي معها- لكن لا بد لنا ان ننظر إلى الأمر من وجهه الآخر لنرى: أولاً أن هذه التيارات والحركات الدينية تحاول ضرب البديل الثوري، وقوى التحالف المعادية للإمبريالية والصهيونية، وهي، عبر محاولتها هذه تمهد موضوعيا، لإعادة إنتاج النظام البرجوازي التابع للإمبريالية، ولكن بحلة جديدة. ولنرى: ثانيا ان المشروع السياسي المتكامل الذي تتقدم به كبديل «إسلامي ثوري» يساوى بين الإمبريالية والاشتراكية انطلاقا من كونه يعتبر نفسه طرفا ثالثاً.

إن المشروع السياسي هذا، إما أن يضع نفسه خارج التاريخ، لأن التاريخ لا يعرف طرفا ثالثاً بين الإمبريالية (الرأسمالية) والاشتراكية، فهو اذن مشروع مستحيل، وإما أن بين يكون داخل العملية التاريخية، فلا بد أن يكون إما راسماليا بشكل ما- وهذا ما ينفيه المشروع عن نفسه- وإما ان يكون اشتراكيا، وهذا ما يستحيل ان يكون ضمن اختياره فهو إذن مشروع مستحيل من كل وجه. لكن استحالته، أي استحالة تحققه لا تلغي خطره الراهن على نضال القوى الوطنية والديمقراطية والتقدمية في سبيل المشروع الوطني الديمقراطي، ولا يلغي خطره كذلك في عرقلة مشروع التغيير الاجتماعي السياسي الثوري الجذري للنظام القائم.

إقرأ ايضا: التجديد في الاسلام: في العقيدة والتراث أم في الوعي؟

إننا نحن الشيوعيين اللبنانيين، انطلاقاً من موقعنا الطبقي، كحزب للطبقة العاملة ومن نظريتنا الثورية، كماركسيين لينينيين، ومن كوننا جزءاً في حركة النضال التحرري الوطني والقومي، لا يمكن إلا أن نميز في نظرتنا إلى هذه التيارات والتنظيمات الدينية، بين مواقفها التحررية المعادية للإمبريالية والصهيونية، المناهضة للاحتلال الإسرائيلي فنقرر موقفا ايجابياً منها أو موقفاً تحالفياً، وبين شعاراتها السياسية ذات المحتوى الانقسامي والطائفي ونهجها الايديولوجي المعادي للقومية العربية وللاشتراكية وللديمقراطية، فنقرر معارضتنا لتلك الشعارات ولذلك النهج. على أننا حريصون كل الحرص أن تجري معارضتنا ضمن نطاق الديمقراطية بأوسع معانيها وأبعادها.

وختاماً: لعل هذه المقالة استطاعت أن تساعد على استخلاص ما يأتي إننا نحن الشيوعيين اللبنانيين- انطلاقاً من مواقعنا الطبقية والوطنية والقومية والأيديولوجية، لسنا، اطلاقا ، نبني موقفاً ما، ايجاباً أو سلباً، من التيارات والتنظيمات الدينية المعاصرة على أساس من القضية الدينية الإيمانية، بل نحصر موقفنا منها، في حالتي الاتفاق والاختلاف، في نطاق القضية السياسية والاجتماعية، نعني قضية التحرر الوطني والتغيير الاجتماعي- السياسي، الثوري. وإننا نعمل جاهدين مخلصين في أن تنحصر علاقة الاتفاق والاختلاف معها، كما مع غيرها من التيارات والتنظيمات غير الدينية، ضمن العلاقة الديمقراطية السلمية وحدها.

١١/٢٩/١٩٨٦
*مقال كتبه الشهيد المفكر حسين مروة في 29-11-1986 وصدر في مجلة “الوقت” عدد نيسان 1987.
آخر تحديث: 26 فبراير، 2018 12:37 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>