التعليم الرسمي في عهد النازحين السوريين يزداد تسيُّبا

تحوّل تعليم الأطفال النازحين في لبنان إلى تجارة رابحة تسد رمق وحاجات المدرسة الرسمية المهملة من السلطة الرسمية، فماذا لو انقطع التمويل؟

“يؤنبني الناظر لكنه محق.. لابأس ما دمت أحصل على تعليم جيد”. يقول عهد (12سنة)، وهو طفل سوري نازح من منطقة صلاح الدين في حلب منذ أربع سنوات، ومثله اسماعيل(10سنوات) يخبرني متباهيا بتفوقه باللغة الإنكليزية على أخوه الذي يكبره سنّا.

آلاء (8سنوات) هي الأخرى نازحة من درعا تشير بإصبعها إلى بيتها القريب من المدرسة وهي تفسح لي الطريق لأمُرّ وسط مظاهرة بين زملائها، لدى خروجهم بعد انتهاء الدوام المسائي المخصص لهم في إحدى مدارس العاصمة بيروت.

158 ألف طالب سوري مسجل في المدارس الحكومية اللبنانية من خلال دعم اليونيسيف والاتحاد الاوروبي ودول اخرى مانحة بالتعاون مع وزارة التربية، ويُدفع مبلغ 600 دولار عن كل طالب سوري يتم توزيعهم على 259 مدرسة في لبنان تطبّق نظام التعليم المزدوج.

اقرأ أيضاً: الأطفال النازحون: مواهب مبدعة يرعاها «المركز الكويتي للتعليم النوعي»

في بلد يخصص 7% فقط من موازنته لقطاع التربية والتعليم، ويعاني من سوء ادارة أزماته المتجددة، يمكن التكهن بحال التعليم في مدارسه الرسمية، ويبقى الخافي أعظم مع توّجه بعض المدارس الخاصة الى تحميل الدولة جزء من رواتب المعلمين فيها.

معطيات وأرقام
ناشط تربوي ومدير إحدى المدارس الرسمية، رفض الكشف عن اسمه، قال لـ “جنوبية” أن “مدرسته تضم 730 طالبا سوريا في فترة بعد الظهر و230 طالبا في الفترة الصباحية منهم 53 طالبا لبنانيا فقط!”، مؤكدا أن “دمج الطلاب السوريين واللبنانيين في الدوام الصباحي أربك المدرسة لناحية اختلاف المناهج وتفاوت المستوى في اللغة الأجنبية، الأمر الذي أدى الى تسرّب الطلاب اللبنانيين الى المدارس الخاصة”.

وتحدث المدير عن الإجحاف والظلم اللاحق بالمدرسة الرسمية فهي “تُحارب من كل القوى الرسمية وستواجه مصيرا قاتما في حال استمرار السياسة المتبعة من قبل الجهات المعنية”، ويقول “حصلنا على دفعة من الموازنة المخصصة لنا بنسبة 50% فقط، والآن اصبحنا على مشارف الفصل الأخير ولم تُستكمل تغطية التكاليف المخصّصة لنا”.

ولا يخفي المدير “استفادة مدرسته الرسمية من المساهمات والدعم التي تصل من خلال الطالب السوري لتغطية تكاليف وحاجات مدرسته من خدمات يومية وتصليحات ومحروقات وتدفئة”. ويضيف “المدرسة الرسمية مهملة، وهي في تراجع مستمر والسبب عدم تنفيذ وزارة التربية السياسات المطلوبة للنهوض بها”.

مصدر تربوي في التعليم الرسمي، قال لـ “جنوبية” أنه “يتم الاستفادة من الطلاب السوريين بشكل علنيّ، ويجري تعيين الأساتذة استنسابيا، وبشكل فئوي فلا معيار يحكم اختيار الأستاذ، وتتوزع المنح والمساعدات بشكل غير مدروس وفق مبدأ المحاصصة”. ويضيف “نسمع حاليّا كلاما من هنا وهناك حول امكانية توقُّف الدعم والتمويل لتعليم السوريين، وربما كان ذلك كلاما للاستهلاك ولجلب المساعدات المالية”.ولفت المصدر الى أن “حالة من التسرّب من المدارس الرسمية تحصل بشكل خطير في المناطق المسيحية ولم يعد يرتادها الا طلاب سوريون، وذلك بعد ان سحب الاهالي أولادهم منها”.

تعليم النازحين السوريين

رابطة التعليم الاساسي

رئيس رابطة التعليم الأساسي في لبنان، محمود أيوب، قال لـ”جنوبية”: أن “النزوح السوري وإدخال الطلاب السوريين الى المدرسة الرسمية أثّر بشكل كبيرفيها، وأدى الى تسرب الطلاب اللبنانيين منها، وقد عمد الاهل الى سحب اولادهم منها لاعتبارات خاصة بهم، فبعضهم لا يريد لهم الاختلاط بغير اللبنانيين المختلفين بأطباعهم وثقافتهم او من بيئة مغايرة”. ويضيف “طبعا، هذا أمر غير مقبول وعلينا تقبّل الاخر، ولسنا وحدنا في هذا المجال، وأزمة اللاجئين السوريين تنعكس على كل المنطقة في لبنان والاردن والعراق”.

وحول آلية التعليم وتعيين الاساتذة، يقول أيوب “المجال مفتوح لكل أستاذ أن يعطي دروسا لفترة بعد الظهر لتحسين مدخوله، وأرى أن الأجر الذي يتقاضاه متدن، ولكننا مرغمون على ذلك للحفاظ على مؤسساتنا التربوية، لدينا عدد كبير من الطلاب السوريين ففي بيروت وحدها هناك ستة عشر مدرسة تفتح في فترة بعد الظهر لاستيعابهم”.

من جهة أخرى، تحدّث أيوب عن دور المدرسة الرسمية ووجوب المحافظة عليها كمؤسسة وطنية جامعة لأنها “تجمع مختلف الأطياف والمذاهب. ويقول “للأسف، وصلنا إلى مرحلة فُرزت فيها المدارس الرسمية على أساس طائفي ومذهبي، ونحن كهيئة تعليمية نسعى دائما الى إبعاد هذا المفاهيم عن ذهن الطالب، وما نشهده اليوم من شحن طائفي ومذهبي ينذر بانعكاسات خطيرة ليس فقط على المدرسة الرسمية، بل في كل الاتجاهات”.

أيوب طالب بإعطاء التعليم الاساسي بمراحله في الروضة والابتدائي والمتوسط اهتمام أكبر فهو القاعدة الأساسية التي يُبنى عليها الهرم التعليمي”.

اقرأ أيضاً: تجربة تعليم الطلاب السوريين النازحين في منطقة صيدا

تقارير المنظمات الدولية
تشير التقارير الصادرة عن منظمة “هيومن رايتس وتش” الى مبالغ “مفقودة” كانت مخصصة لتغطية تكلفة تعليم الاطفال السوريين في لبنان، كما تؤكد “غياب الشفافية في تمويل المانحين لتعليم اللاجئين السوريين“.

تضارب الأرقام الذي خلصت اليها التقارير الواردة في هذا المجال سيؤدي حتما إلى امتناع الدول المانحة عن تقديم الدعم والتمويل لانعدام الثقة بالسياسات المتبّعة في الدول المضيفة ومنها لبنان، مع ما يشكّله هؤلاء الأطفال من خطرعلى الأمن الاجتماعي في حال عدم توفير التعليم لهم وهو بالمناسبة أبسط حقوقهم الإنسانية.

آخر تحديث: 8 فبراير، 2018 4:04 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>