آية الله السيد علي مهدي الأمين: مآثر نادرة في الزهد والتقوى

هذه السير، سيرة آية الله المقدّس السيد علي مهدي الأمين (قده) التي ظهرت، حديثاً، موجزة، في إصدار هو من منشورات "حوزة السجاد(ع) العلمية" في بيروت، وتحت عنوان: "موجز عن حياة آية الله المقدس السيد علي مهدي الأمين (قده)".

ان نشْر سِيَر آبائنا الروحيين العظماء الذين رحلوا، واجب على من هم مثلنا، ليس تكريما لهؤلاء فحسب، ولكن تعريفا لأبنائنا بتراثهم النفيس الذي هو جزء من حاضرهم وهويتهم. ذلك لأن هذه الشخصيات العلمائية – الدينية المرموقة، وبصفتها شخصيات تاريخية، من منطلق كونها رموزاً – فيما هو الرمز ذو منحى أسطوري في الدفق الإنساني الخلاّق – هي عصيّة على الغياب المعنوي، لخلودها الأبدي على مدى الدهر، وهذا ما يتجلى في مضمون سيرها، الذي يشكّل أمثلة تحتذى، للقدوة الحسنة، التي تظلّ الأجيال الإنسانية بحاجة ماسّة إليها، من أجل أن تنهل من معين ينابيع قيمها الإنسانية العليا، في السيرة والسلوك الشخصيين، من كونهما ناضحين بالعلم والتقوى والورع والاستقامة الأخلاقية الخالصة لوجه الله تعالى.

هذا الكُتَيِّبُ عن سيرة آية الله المقدّس السيد علي مهدي الأمين (قده)، هو باكورة سلسلة، بدأت بإصدارها الحوزة، تتضمن ملخّصات سيرٍ لفقهاء كبار من أبناء جبل عامل.

ولقد صُدِّر هذا الكتيّب بتوطئة بقلم العلاّمة الشيخ محمد علي الحاج العاملي. كما يتضمّن الكُتَيّب قصيدةً للشاعر الراحل السيد عبد المطلب الأمين ألقاها في حفل تأبين السيد علي مهدي الأمين. كما يحتوي الكتيّب على انطباعات وذكريات العلامة السيد محمد حسن الأمين عن والده السيد علي مهدي الأمين.

اقرأ أيضاً: النبطية في مئة عام: فوتوغرافيا الزمن الجميل

وهنا نصّ التوطئة: تمر حوزتنا الدينية الشيعية بمرحلة من الانحطاط غير مسبوقة، حيث انحسار العلم والتقوى، وخلط فاضح بين المجالين السياسي والديني بشكل جعل الشأن الديني هزيلاً لصالح السياسة، ناهيك عن انتشار ثقافة حوزوية أجنبية عن تلك التي كان عليها سلفنا الصالح، طبعاً ليست هذه الثقافة الحالية أميز من تلك السابقة، بل المؤسف أن سلفنا كان أكثر وعياً وثقافة وعقلانية.. من ما ينتشر في صفوفنا اليوم!!

في هذه الأجواء تتضاعف مسؤوليتنا في الوقوف عند سيرة علمائنا الأجلاء، لا سيما الفقهاء الكبار أهل التدين والتقوى والصلاح، حيث لا مصلحة “سياسية” بالإضاءة على سيرهم وأحوالهم راهناً! وهذا ما جعل “حوزة الإمام السجاد(ع) العلمية” تأخذ على عاتقها مهمة نشر ملخصات صغيرة الحجم – كي يسهل انتشارها ويكثر قراؤها – تضي فيها على بعض الفقهاء الكبار من أبناء جبل عامل تحديداً.

كتاب عن علي مهدي الأمين

وفي هذا الصدد يسرنا أن نشرع بهذه السلسلة المتواضعة، والتي هي أضعف الإيمان، بالإضاءة على سيرة العالم الجليل آية الله المقدس السيد علي مهدي الأمين(قده) والد العالم الكبير المفكر السيد محمد حسن الأمين. وقد كان المقدس من العلماء الذين أعرضوا عن الدنيا، الذين حبهم وبغضهم في الله، وقد وصل لدرجة علمية رفيعة، لكن القدر شاء أن تكون حياته قصيرة، فرحل إلى جوار ربه، تاركاً سمعة طيبة، وذرية صالحة.

ومن انطباعات وذكريات العلاّمة السيد محمد حسن الأمين، المقتطفات التالية: “لا أعرف شخصاً من العظماء والعلماء تتمثل فيه الخصال والصفات التي تتميز فيها شخصية العالم والمجتهد الكبير السيد علي مهدي الأمين، وهو رغم حياة قصيرة – بالضبط 54 عاماً – استطاع أن يؤسس حضوراً مهيباً، في جبل عامل في المنطقة التي كان يعيش فيها، ومما يمكن ذكره في هذا الموضوع أنه لم يزر زعيماً قط، بل كان يرد طلبات الزعماء عندما كانوا يودون زيارته في المناسبات السياسية، وإني أعجب الآن كيف أمكنه أن يعيش هذه الحياة المتقشفّة، والتي كانت تبدأ منذ مطلع الفجر في غرفته الصغيرة، يبدأ بالمطالعة والبحث حتى الساعة العاشرة، حيث يخصص ساعة لاستقبال أصحاب الحاجات والأسئلة، ثم يعود ليتابع المطالعة والبحث، وهكذا في الليل، مع ليلة واحدة أو ليلتين كان يستقبل بهما الزوار”.

اقرأ أيضاً: أحمد الأسعد وتعليم كامل بك.. رواية ثانية

ويتابع السيد محمد حسن الأمين ذكرياته عن والده العلامة المقدس السيد علي مهدي فيقول “كان ينعقد في مجلسه مجلس أدبي وعلمي لبعض الأدباء والمتفقهين، في بلدة شقراء، المعروفة بوجود عدد كبير من الأدباء، ويستمعون إليه، ويطلب منهم أن يقرأوا شعرهم، ويوجّهوا إليه أسئلتهم”.

“ولم يكن يعبأ بالشهرة، فضلاً عن زهده بقضايا المال؛ حيث كان يوزّع في اليوم نفسه ما يأتيه من حقوق شرعية، بحيث أنه توفي وهو لا يملك قرشاً واحداً، وكان يرفض أي هدية من أي واحد من الوجهاء والأغنياء، الذين يريدون التقرب إليه بالهدايا، وليس بالحقوق الشرعية”.

وفي ظاهرة قلّ نظيرها يذكر السيد محمد حسن الامين هذه المأثرة الفريدة عن والده قائلا ” كان المسيحيون في منطقتنا (في برعشيت، ودبل، وتبنين، وصفد…) يتشارعون عند الوالد، وكان إذا حكم وطُلب إليه، من الطرف الرابح، أو من الطرفين، أن يكتب مؤدى الحكم، فيصبح وثيقة يسلم بها، وأذكر أن قضاة المحكمة المدنية – فضلاً عن الشرعية – كانوا عندما يرجع إليهم أحد الخاسرين في دعوى نظر فيها السيد علي مهدي الأمين، كانوا يرفضون بدورهم النظر فيها”.

آخر تحديث: 12 فبراير، 2018 3:19 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>