من مخيم عين الحلوة الى أوروبا: عندما يتحول حلم الهجرة الى كابوس..

في غمرة الظروف الصعبة والسيئة التي يعيشها اللاجئون الفلسطينيون في المخيمات الفلسطينية في لبنان وتحديداً في مخيم عين الحلوة، أكبر مخيم للاجئين، تحولت الرغبة الفردية للهجرة الى رغبة جماعية، ليجد الفلسطيني نفسه أمام خيارين إما الرضا بالواقع المرير أو الهجرة غير الشرعية التي هي أكثر مرارة! فتعددت حالات الشباب والعائلات المهاجرة وتحول حلمهم بالهجرة الى حلم بالعودة!

“معاناة فوق معاناة، حياة كئيبة لا تُطاق، حلمت بشيء ووجدت شيئاً آخر على الإطلاق” يقول الشاب سعيد، وهو شاب فلسطيني متزوج ولديه طفلين، كان حلمه منذ سنوات السفر الى أوروبا وبالأخص الى بلجيكا، فتقدّم عدة مرات بطلب الى السفارة البلجيكية في بيروت، ليتمّ رفض طلبه في كلّ مرة، فلم يجد أمامه إلا القارب المطاطي والقطار لتحقيق هذا الحلم.

اقرأ أيضاً: تفجير صيدا : ماهي أهداف استهداف حماس في لبنان؟

من لبنان الى بلجيكا

بعد ترددٍ في اتخاذ هذا القرار الصعب، قرر سعيد السفر بحثاً عن حياة مليئة بالأمان والاستقرار، لا سيما بعد تفاقم الأوضاع داخل المخيم والضغوط التي يتعرض لها الفلسطينيون، والإجراءات الأمنية المشددة التي يفرضها الجيش اللبناني على مداخل المخيم، فضلاً عن الظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة التي تجتاح المخيم.

يقول سعيد “دفعت ما يقارب 12000 دولار أميركي ثمناً لتلك الرحلة التي استغرقت عدة أيام براً وبحراً، انطلقنا من لبنان نحو سوريا، ثمّ توجهنا براً نحو تركيا. ومن تركيا انتقلنا إلى اليونان عبر قاربٍ مطاطي، ومن اليونان مروراً بـ صربيا ومقدونيا وسلوفينيا والنمسا وألمانيا وصولاً الى بلجيكا عبر البر مجدداً”.

بعد الوصول الى بلجيكا قدّم سعيد وعائلته الصغيرة أوراق اللجوء، فتمّ وضعهم في كامب بضواحي إحدى المدن البلجيكية. لكنّ تلك الكامبات تختلف في أوضاعها فمنها التعيس ومنها الجيد، فكان نصيب سعيد أن اقتاده وعائلته لكامبٍ تعيس يقتل الروح قبل الجسد!

فالكامب (المخيم) كان عبارة عن غرف مصممة على هيئة حاويات شحن صغيرة (كونتينرات)، الأثاث داخلها بسيط وبالكاد يفي بالحد الأدنى للاحتياجات، الحمامات والمطابخ مشتركة، عدا عن الأطعمة الغريبة العجيبة التي لا يمكن أن تتقبل راحتها.

فالعائلة المؤلفة من أربعة أفراد كانت تعيش داخل حاوية منفردة، لكن العائلة المؤلفة من ثلاث أفراد لا بد من إضافة فرد رابع اليها رغماً عنها حسب حجم الغرفة.

خيبة الأمل

لم ينتظر سعيد أكثر من أربعة أشهر ليحصل على الرد على طلب اللجوء بالقبول أو الرفض لأن الأشهر التي عاشها في بلجيكا لم تكن تلك التي طالما حلم بها لذلك قرر العودة.

يقول سعيد بخيبة أمل “بدل ان أرسل لأهلي في لبنان بعض المال لمساعدتهم كنت أضطرّ لطلب المال منهم، إذ تصرف السلطات البلجيكية للفرد الواحد الكبير 7 يورو أسبوعياً، و4 يورو للطفل الواحد فقط”.

أربعة أشهر كانت كفيلة لتحويل حلم العمر الى كابوس، فبعد أن باع بعض ممتلكاته واقترض مبلغاً لتأمين كامل ثمن الرحلة، عاد سعيد الى لبنان بخيبة أمل معتبراً أنّ “بلد حقوق الإنسان” ليس سوى كذبة يصدقها من هو بعيد، ويرى جمالها من خلال صور الانترنت فقط” داعياً كل طالبي اللجوء الى أوروبا التفكير جيداً قبل التسرع باتخاذ قراراتهم والندم بعد فوات الآوان.

ووضع سعيد لم يختلف كثيراً عن وضع الشاب العشريني “أبو النصر” الذي سلك طريق الهجرة غير الشرعية باعتبارها المنفذ الوحيد لانقاذ ما تبقى من أحلامه وطموحاته المخبئة في أزقة المخيم الضيقة.

يقول أبي النصر”أنه من الأسباب التي دفعت به الى الهجرة هي العنصرية الممارسة من قبل السلطات اللبنانية تجاه اللاجئين الفلسطينيين، عدا عن المعاشات الضئيلة في حال توفرت الوظائف، وأنّ ذنب الفلسطيني الوحيد أنّه “حامل الهوية الزرقاء”.

“مرفوض”

فالشباب الفلسطيني في لبنان يواجهون صعوباتٍ جمّة وأهمها صعوبة الحصول على تأشيرة سفر إلى البلدان الأوروبية وحتى إلى تلك العربية! هنا طرق إبن مخيم عين الحلوة أبواب معظم السفارات الأوروبية في لبنان وكان الجواب واحد “مرفوض” دون ذكر الأسباب.

وفي يوم الثالث من أيلول الفائت كان تاريخ الرحلة المنتظرة لأبو النصر فكانت وجهته الأولى تركيا.. يقول أبو النصر “وصلنا مطار اسطنبول انتظرنا ساعتين حتى جاء موعد الرحلة الثانية الى إسبانيا، وبعد ساعات من التعب والتوتر وصلنا مدريد حيث كانت الشرطة بانتظارنا طرحوا علينا بعض الأسئلة وأخذوا البصمة الالكترونية لكل فرد وتم احتجازنا لمدة خمسة أيام وكل ما قدموه لنا بطانية وقطع من البسكويت”.

وفي 9 أيلول وصلت الى ألمانيا وتم فرزنا بكامب قذر جداً لم أحتمل العيش فيه فاضطررتُ للعيش عن أحد أقاربي موقتاً.

الحلم والوهم

صُدم أبو النصر بواقعه الجديد، ولم يخطر بباله انه سيبقى لاجئاً في ألمانيا، يقول مضيفاً “ما بعرف من وين ابتدي ووين انتهي وما بقدر شجع حدا ولا امنع حدا لان انا في حيرة اذا شجعتو رح يجي وينصدم بكذبة أوروبا “الجنّة” وبدوا يلموني واذا منعتوا حيقول ما بدو غيرو يطلع” مردفاً “سأرى نفسي ولدت من جديد وسأتعلم وأعمل اذا أُتيحت لي الفرصة لأعين عائلتي فقط”.

أمّا عن حق العودة الذي دائماً ما يتمّ ربطه بمحاربة الهجرة، قال أبو النصر أنّ “العودة لا بد منها سواء من المخيمات أو بلاد الغربة لا يعني أن نعيش في مخيمات تفتقر للحياة”، لافتاً الى أنّه لو أتاحت دول الخليج الفرصة للشباب الفلسطيني العمل فيها لما فكر أحد بالهجرة الى أوروبا.

صعوبات

وعن الصعوبات التي يواجهها الشباب المهاجر في أوروبا، أوضح رئيس جمعية “ناشط” الثقافية في مخيم عين الحلوة ظافر الخطيب “من خلال التواصل مع فاعلين في المجتمع المدني في أوروبا تبيّن إن الشباب المهاجر لم يجدوا كل ما حلموا به، اذ يواجهون صعوبات جمّة، تبدأ من التأقلم مع الواقع الجديد، وتحقيق المكانة القانونية(الحصول على إقامة) ومن ثم إيجاد عمل، فيضطر هؤلاء للإعتماد على ما تقدمه لهم الدولة من معونة مالية شهرية (مئتي يورو او اقل)، بالمقابل يعتقد المهاجر ان هناك مسائل حصل عليها ومنها عنصر الحماية القانونية من الدولة، عنصر الإحساس بالكرامة والأمان، عنصر الإستقرار والثبات وهذه عناصر غير متوفرة في الدولة اللبنانية”.

شؤون 166

ورأى الخطيب انه “من الصعب تحديد رقم المهاجرين ولكن هناك قناعة بأن موجة الهجرة وصلت الى الالاف وشملت عدة مخيمات لا سيما المخيمات التي تُعتبر مخيمات ملتهبة وغير مستقرة وتحديداً مخيم عين الحلوة، وأكد أنه من الخطأ الجزم بأن هذه الموجة تقتصر على مخيم عين الحلوة او المخيمات الأخرى فحسب، فمن الواضح ان هناك اخرين ممن يسكنون في المدن شملتهم الموجة”.

للحدّ من الهجرة

ومن الحلول التي تساهم في الحدّ من هذه الظاهرة “الإعتراف بالمكانة القانونية للاجئين الفلسطينيين ومنحهم حقوقهم الإقتصادية والإجتماعية، والسياسية، قال الخطيب، ناهيك عن تسيير معايير التعامل استنادا الى حقوق الإنسان، وهو ما يعني انهاء المقاربات الأمنية، أي أن يصبح ملف اللاجئين جزءاً من ملفات الحكومة اللبنانية ، يضاف الى ذلك تحقيق الأمن والأمان داخل المخيمات نفسها، واستعادة اللاجئين الفلسطينيين روحية الإنتماء لوطنهم وتعزيز الأمل بالعودة وهو أمر يرتبط بأداء القيادة الفلسطينية”.

من جهتها، رأت منسقة حملة “حق العمل للاجئين الفلسطينيين في لبنان” مهى الخطيب ان انعدام فرص العمل للشباب الفلسطيني وما يتبعه من سوء للأوضاع الإقتصادية والاجتماعية يدفع هؤلاء الشباب الى البحث في مكان آخر عن فرص أفضل للعيش.

وعن الخطوات التي يمكن اتخاذها للحدّ من ظاهرة الهجرة، قالت الخطيب أن “الخطوات تبدأ من رفع القيود عن حق العمل للشباب الفلسطيني ان كان ذلك بتعديل القوانين والغاء شرط إجازة العمل وتمكين الأجير الفلسطيني من الحصول على كافة تقديمات الضمان الاجتماعي، بالاضافة الى تسهيل نقابات المهن الحرة التي تشترط الجنسية اللبنانية أو شرط المعاملة بالمثل أو ممارسة المهن في البلد الأصلي للممارسة المهن للشباب الفلسطيني ممكن ان يساعد في ايجاد فرص عمل للشباب بتلك المهن.

أضافت الخطيب: ان حملة “حق العمل للاجئين الفلسطينيين قائمة من الـ 2006 وحققت نجاحات كثيرة في هذا المجال من حيث تعديل لقانوني العمل والضمان الاجتماعي في العام 2010 وان كان بتشكيل ائتلاف لبناني_فلسطيني يطالب بحق العمل للاجئ الفلسطيني، وان الحملة تعمل حالياً في اطار توعية الشباب على حقوقهم والمطالبة فيها”.

اقرأ أيضاً: ماذا يريد الفلسطينيون من لبنان الرسمي والشعبي؟

وأوضحت “لا يوجد أي أرقام أو إحصائيات تظهر عدد الشباب الذين هاجروا مؤخراً من المخيمات الفلسطينية لأن أغلبيتهم سلك طريق الهجرة غير الشرعية التي تتم عادةً بشكل سرّي”.

فبعد هجرة الالاف من اللاجئين الفلسطنيين منذ سنوات طويلة الى أوروبا لا سيما خلال سنوات الحرب الأهلية اللبنانية وحرب المخيمات التي امتدت من عام 1975 الى عام 1990 تقريباً، أُعيد بث مسلسل هجرة اللاجئين من جديد نظراً لتفاقم الأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية للاجئين في المخيمات الفلسطينية من جهة، والتضييق الممارس من قبل السلطات اللبنانية من جهة أخرى، فالبعض تمكن من التأقلم مع ضغوط الحياة الغربية وفتحت له أبواب النجاح، والبعض الاخر اصطدم بواقع أسوأ من ذلك الذي شاهده في زواريب المخيم الخانقة وكان مصيره العودة إليها.

(هذه المادة نشرت في مجلة “شؤون جنوبية” العدد 166 شتاء 2018)

آخر تحديث: 15 يناير، 2018 12:57 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>