شلال جزين: طريق الوحل

صيت شلال جزين وجماله، ينافس عندنا نحن أهل الجنوب أعظم شلالات العالم، فلا نياجارا الكندية تعنينا ولا شلالات آنجل الخلابة في فنزويلا أو غيرها يمكن أن نقارنها بشلالنا البديع رغم حجمه الصغير وكمية المياه القليلة المتدفقة من الأعلى باتجاه الوادي.
ببساطة لأن شلال جزين، هو الأقرب إلينا، والوصول إليه والإنبهار بمنظره الرائع حيث يخاطبك بهديره الرقيق العذب، فلا يأخذك صوته إلى حيث الرهبة وهيبة الطبيعة، ولا هو صامت سياب بلا ضجيج.
كغيري من مئات الجنوبيين، قصدت جزين بالأمس، مستغلا إنفراج الطقس بعد أيام من هطول الأمطار، فالشلال في هذه الأيام هو في أوج جماله، وفي أبهى حلته، يسبقني إليه صعودا من النبطية شوق اللقاء، فالحاجة إلى اللجوء لمعلم طبيعي لا دخالة ليد الإنسان فيه، هي أحوج ما يتمناه المواطن اللبناني، ليمنّي نفسه بأن وعلى الرغم من كل التشويه الذي يطال الأخضر واليابس، فلا زال هناك ما صنعه الرب لنا ولم تمتد إليه يد إنسان.

إقرأ أيضاً: ظاهرة كتاب «نار وغضب»

وادي جزين ترحب بكم، تهبط في طريق ضيق لا يتسع إلا لسيارة واحدة وبعد جهد جهيد ولأكثر من ساعة تقطع مسافة قصيرة جدا لا تتعدى ألف متر، تصل إلى كعب الوادي يرافقك صوت الشلال من دون أن تراه، وما أن تنزل من سيارتك التي تجبر أن ترميها على حافة الطريق وتلتفت يمينا باتجاه الصوت، فترى الشلال يبعد عنك حوالي 200 متر .
ينتابك في هذه اللحظة شعور غريب، لا شك أنه يسري عند جميع من حولك من الزوار الذين يخرجون من سياراتهم أيضا، فبعد أن تتسمر للحظات أمام هذا العملاق الجميل، ثمة من يدفعك صوبه، أو كأنه هو يناديك أن تعال إلي، إقترب نحوي، فلا تجد نفسك إلا وأنت تسير مع الجموع بدون تفكير، تقصد في مشيك صوبه كأنه واحد من المشاهير ترغب بالإقتراب منه لأخذ سيلفي معه.

خطوات قليلة، ثم تقف مضطرا مع صدمة غير متوقعة، لتجد نفسك مرغما على تسلق حاجز ترابي يقفل الطريق أمام المارة، فتبدأ منه المعاناة المزعجة، لا تحتاج إلى سؤال أحد لتدرك أن هذا الساتر الترابي المقيت هو من صنع بلدية جزين أو أصحاب الشأن، ولأن الرغبة في الوصول أقوى، تقرر إجتياز الحاجز بعد أن تساعد ولد أمامك فترفعه، أو تنتظر سيدة مسنة تمر قبل، ولا تهتم بأطراف “بنطلونك” وهي تلامس الوحل.
الساتر الترابي ما هو إلا بداية لرحلة المئة متر من المعاناة ، فمنه وحتى الوصول إلى أقرب نقطة للشلال أنت مضطر أن تسير على طريق الوحل، والخوف من التزحلق، فتنسى الشلال وأنت تفتش عن حجر هنا أو بقة ناشفة تقفز إليها هناك .. والناس حولك يمشون كما تمشي على قرف، يمسك بعضهم بعضا، كأننا في مجاهل أفريقيا أو في غابات الأمازون العذراء.
لفتني بعض الصبايا وهم يرتدون في أرجلهن أكياس نايلون، لتجنب الوحل، (فكرة جيدة مع أنها تزيد من إحتمال التزحلق)، وصلنا، تصورنا على عجل، وعدنا أدراجنا على نفس الطريق وبنفس الأسلوب … عيون كل الناس على الأرض يقفزون يمنة ويسرى، فلو أن السيدة فيروز كانت زارت جزين وقصدت واديها، كانت غنت عن “طريق الوحل” بدل “طريق النحل”.
الناس حول سياراتهم ينظفون أحذيتهم قبل ولوجها، ويهمسون مثلي: “يا عيب الشوم ع بلدية جزين”.

آخر تحديث: 9 يناير، 2018 1:30 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>