العفو الموعود: يستثني هؤلاء ويشمل أولئك

لا عفوَ عن العفوِ العام رغم الاجماع السياسي غير البريء على ضرورة إقراره لما له من فائدة انتخابية تعود على الأحزاب التي صوَّتت عليه أمام المؤيدين المقترعين لهم.

معلوماتٌ مؤكدة في شأن نعيِ المسوّدة في الظلام التي تسرَّبت إلى أوساط المحامين الموكّلين بقضايا من ينشدون هذا المطلب قبل أن تبصرَ النور.

وبحسب محامية موكلة بأبرز ملفات الموقوفين الإسلاميين فإنَّ المسوَّدة التي صدرت من اللجنة المعنية لا ترتقي في فحواها إلى مفهوم العفو العام لأنها تلحظ استثناءات واسعة لن تستهدف في نهاية المطاف إلا الإسلاميين باعتبار أنَّ العفوَ “المعوّج” الذي تخلُصُ إليه لا يشمل من ارتكب “جرائم الإرهاب” وهو مصطلحٌ عامّ وفضفاض سيثير المشكلات الناتجة من الاختلافات في تفسيره.

كلُّ المؤشرات تدلُّ على أنَّ اقتراح العفو العام الصادر من اللجنة المكلفة إعداده قد أعاد نفسه بنفسه إلى نقطة الصفر بعد الاتفاق على رفضه من قبل الفريقينِ المستهدفينِ وهما:

– الفريق “الشيعيّ” الذي يحوي مطلوبين بتهمِ تجارة المخدِّرات ومقاومة رجال الأمن وتأليف العصابات المسلّحة.

– الفريق “السنيّ” الذي يضمُّ متهمين بقتال الجيش في معارك عبرا وعرسال وطرابلس وبحنين.

وبما أنَّ الفريقين قاتلا المؤسسة العسكرية نتيجة ظروف اجتماعية وسياسية فإنَّ ممثلي الطرفين أكّدوا أنَّ الأعمال الحربية ضد الجيش كانت نتيجة حتمية لأخطاءٍ ارتكبوها لكنها بمثابة ردة الفعل قهراً لا رغبةً ولا تخطيطاً ولا عن سابق ترصّد للمؤسسة الجامعة.

فالفريق “الشيعي” في بعلبك الهرمل قاتل الجوع والحرمان وتقصير السلطة التي وضعت الجيش درعًا لها لخوض الحرب على شعبٍ إذا لم يبِع الحشيشة والمخدِّرات فإنه سيبيع نفسه لإنقاذ عائلته، لأنَّ البقاع يُحاسب على الواجبات لكنه لا يحصل على الحقوق.

والفريق “السنيّ” قاتل ما اعتبره الكيلَ بمكيالينِ في ميزان الحرب السورية، من قبل المنظومة الأمنية التي يسيطر عليها حزب الله والذي بدوره وضع المؤسسة الأمنية واجهةً تقمعُ من أراد مناصرةَ المعارضة السورية ضد النظام الحليف للحزب، وأبرز ما تظهَّر من هذا الصراع فخّ الإيقاع بالشيخ أحمد الأسير لقتال الجيش رغم أنَّ المعركة في الأساس هي مع الحزب، وهو أمرٌ أوضحته التحقيقات التي أشارت إلى مسؤولية الحزب عن إنهاء الحالة الأسيرية، وتزامناً تجاهلت المحكمة العسكرية استدعاء الطرف الثالث الذي بان في المعركة رغم ظهور عناصره المسلّحة بالصوت والصورة.

ما هو مضمون الجلسة السرية بين المفتي وممثلي الموقوفين الإسلاميين؟

الاعتراض على استثناء الإسلاميين غير المتورطين بالتفجيرات ولا بالتخطيط للأعمال الإرهابية داخل لبنان أسّس له مفتي الجمهورية الشيخ عبد اللطيف دريان الذي قال في خلوةٍ جمعته بممثل المعتقلين الإسلاميين وأحد المحامين المتابعين للملف، بالحرف “إنَّ أي عفوٍ مرتقبٍ يستثني أبناءنا لا نريده”.

وعلمت “المدن” أنَّ المجتمعينِ بالمفتي طلبا إليه أن ينطلق بجولة رسمية على الرؤساء الثلاثة لحثّهم على الموافقة العلنية الملزمة لإخراج العفو من الحيّز النظريّ إلى التطبيق، وهي موافقةٌ أعلنها رئيس مجلس النواب نبيه بري أثناء لقائه وفداً من أهالي بعلبك الهرمل السبت الفائت في قصر عين التينة.

عدم تسريب أي أجواءٍ مستجدّة عن الرئيسين ميشال عون وسعد الحريري بخصوص العفو العام المرتقب أعاد القلق إلى عائلات الموقوفين الإسلاميين أضعافاً بعدما اعتادت عيش الخيبات في العهد القديم عندما وُعِدت بتسريع المحاكمات ولم تحصل عليها.

لذلك، تنشط لجنة المعتقلين الإسلاميين كلما شعرت بنيّة السلطة المماطلة والابتزاز الانتخابي، وللغاية أعادت تشغيل محرّكات الضغط في الشارع بعد انتهاء العطل الرسمية ابتداءً من الإثنين 8 كانون الأول جنوباً وبقاعاً وشمالاً في صيدا ومجدل عنجر وطرابلس من الساعة الثامنة صباحاً ويليها مؤتمرٌ هو الأول من ناحية الشكل والتنظيم والاستعدادات اللوجستية في فندق البريستول الكائن في بيروت.

كي لا يكون العفوُ قنبلةً موقوتة!

بات من المعروف أنَّ العقدة الوحيدة لإقرار العفو الشامل الخالي من الاستثناءات تتمثّل في عدم إطلاق سراح المصنّفين إرهابيين والمعتدين على أمن الدولة القوميّ ومطلقي النار على الجيش اللبنانيّ. وهي معضلةٌ لم تجد طريق الحلّ في أروقة بعبدا ولا عين التينة ولا بيت الوسط بعد.

إلّا أنَّ فصلَ الموقوفين الذين يندرجون تحت هذه العناوين إلى فئتين الأولى هي قتال الجيش الذي فُرِض بالإكراه والثانية قتال الجيش عن سابق تصوِّر وتصميم يحلّ المشكلة.

برز حديثًا اقتراحٌ مفاده ضرورة أن يشمل العفو كلَّ من ارتكب جرماً تحت عنوان “الجريمة السياسية”، حتى لو كان من الذين قاتلوا الجيش كرهًا لا طوعًا في معركة عبرا على سبيل المثال لا حصراً، باعتبار أنَّ الرؤية العامة للأحداث الدامية بتأمِّلٍ وعن بعدٍ هو انعكاسٌ للحرب غير المعلنة بين السنّة والشيعة الحاصلة والناتجة من الأزمة السورية التي فرضت هذا الانقسام بعد ذهاب حزب الله للقتال هناك تحت عناوين تدرجت من حماية المراقد إلى مكافحة الإرهاب.

إقرأ أيضاً: مسودة قانون العفو العام تشمل الاسلاميين والبقاعيين والهاربين الى اسرائيل

متابعون لملف الموقوفين الإسلاميين يرونَ أنَّ هذا المقترح يحول دون إشعال فتيل التوتّر مجدداً في صيدا وطرابلس اللتين تغليان على نارٍ هادئة انتظاراً لـ”طبخة”العفو العام.

والمؤيدون للعفوِ الشامل يذكّرون بأنَّ العفوَ الذي مُنِح بعد الحرب الأهلية شمل بعطفه قاتلين للجيش وهو أراح البلاد من المعارك وكذلك سيفعل العفو المرتقب بما أننا نعيش في حربٍ مذهبية في النفوس، وسيُفيد آلاف العائلات التي هربت إلى الأراضي المحتلة في فلسطين، ولن يستثنيَ من أطلق النيران على قوى الجيش المسلحة من تجار المخدِّرات الذين لا يتجولون في بعض الجرود البقاعية إلا بعتادهم الكامل حتى الساعة، ضاربين بعرض الجدار كلّ الخطط الأمنية السابقة واللاحقة.

الاقتراح يستثني أصحاب النيات في قتال الجيش الذين ثبَت انتماؤهم لتنظيمات تحمل عقيدة تكفير المؤسسة العسكرية ولا يشمل كذلك الذين قاموا بعمليات تفجير السيارات المفخخة في الأحياء السكنية التي استهدفت مدنيين لا ذنبَ لهم سوى أنهم محسوبون على حزبٍ ملتزمٍ مفكِّرة أعمال حربية إيرانية تتخطّى حدود السيادة اللبنانية.

إقرأ أيضاً: فتنة الاعتداء على الاسلاميين في رومية هل تستهدف «العفو العام»؟

العنصر الأهمُّ في إمكان تحقيق العفو العام الشامل يتمثل بالاتفاق عليه من قبل الفريقين السنيّ والشيعيّ وهو بمثابة الأول من نوعه على ملفٍ بات اجتماعياً يطاول كل الفئات من دون استثناء.

الحاجة إلى هذا المطلب أمست ملحةً للرعية بهدف فتح صفحةٍ جديدة في كتاب مأساة الانقسام فيما بينها، وهي بمثابة رشوة انتخابية من نوع جديد تقدمها السلطة لشعب سئمَ تغذية حل الملفات المعقّدة بمشكلات أكثر تعقيداً.

آخر تحديث: 8 يناير، 2018 9:58 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>