هل استسلم اللبنانيون للدولة البوليسية؟

فقرة الصحافي علي الأمين في برنامج "على مسؤوليتي" على صوت لبنان.

ثمة سؤال يؤرقني هذه الأيام، هل لبنان صار فعلا فاقدا لقدرة الاعتراض والاحتجاج وعاجزا عن حماية التنوع الذي يغتني بالحرية والديمقراطية ويغنيهما؟ مرد هذا السؤال ان المجتمع اللبناني صار أقرب الى ان يكون مجتعا مدجنا، حيث أن السلطة الحاكمة التي استنزف فرقاؤها حيوية اللبنانيين، وثروة بلادهم، بانقساماتهم وصراعاتهم، ها هم اليوم انفسهم يستكملون عملية الاستنزاف عبر تحالف سلطوي تبدو الدولة مجددا هدفا للاستنزاف والتلاشي، سواء في مؤسساتها التي تجري محاصصتها، او في الاقتصاد الذي يجري تجييره لصالح تحالف السلطة لا لتدعيم بنيان الدولة، فيما المجتمع في حال من التكيف مع واقع هذه السلطة التي تمعن في مسخه على صورتها، كما لم يشهد لبنان هذا الحال، حتى في خضم الحروب التي عاثت به.

المفارقة اننا نستوطن في حالة الخضوع او التدجين، تلك التي انتفض الشعب السوري عليها وانهاها، مهما قيل ويقال اليوم عن بقاء نظام البعث او انتهائه، الواقع السوري تجاوز حالة المجتمع المدجن بسلطة الاستبداد وثقافة الخضوع، وانهى الى غير رجعة النظام البوليسي.
ما يحيرني فعلا هو السؤال ذاته مجددا هل نحن مجتمع يتجه نحو التدجين؟ هل ثمة استسلام للسلطة القائمة؟ هل بات اللبنانيون اكثر طواعية لمعادلة السلطة التي تبتزهم بمعادلة: نعطيكم الأمن مقابل سكوتكم، عن كل ما ينتهك سيادة الدولة او عدالة القضاء او شروط العيش الكريم. الأمن هو ذاته الذي استخدمه كل انظمة الاستبداد العربية والاسلامية في عملية تدجين شعوبها، الأمن هذا هو نفسه الذي تستخدمه سلطات الاستبداد لتسويغ القمع وللتغطية على فشل بناء الدولة، وللهروب من أسئلة التنمية، والديمقراطية والحريات، وللامعان في الفساد، ولنهب الثروة الوطنية.

إقرأ أيضاً: القدس تعزل ترامب

الأمن للرد على المؤامرات، شعار قديم تهاوى ويتهاوى في كل الديكتاتوريات المتحكمة في دول العالم، لكنه في لبنان يكشف عن انيابه، لينهش في هوية لبنان بل تنهش في جذر تكوينه اي التنوع والحرية والديمقراطية، نعم الديمقراطية وان ظلت مشوبة بخروقات ونواقص لكنها لم تختف ولم تتلاشى حتى الحرب البشعة عجزت عن ان تلغي هذه الهوية او ان تطمس معنى الديمقراطية ووجودها.
ما يؤرقني فعلا هل ان اللبنانيين باتوا ميالين للاستسلام، هل باتوا أقل حماسة في في الدفاع عن هويتهم، اقل اعتراضا على استباحة منظومة القيم اللبنانية الأصيلة، هل باتوا يستسيغون سلطة الاستبداد وثقافتها، مقابل حرية شكلية او تنوع خادع في اسلوب الملبس والمأكل والمشرب والدين والالحاد اي فيما لا يمس حدود السلطان ومصالحه.

إقرأ أيضاً: طريق القدس بين الجد واللعب

يحزنني ان المجتمع المدني الذي انتفض قبل سنوات في وجه ازمة النفايات، يبدو اليوم غائبا تماما رغم أن السلطة حولت كل القضايا الوطنية الى ما يشبه النفايات، يؤلمني ان الحياة السياسية اللبنانية تتصحر، الحيوية اللبنانية تفتقد روح الحرية، يؤلمني ان الاتحاد العمالي العام غافل عن حقوق العمال، الجامعة اللبنانية اساتذة وطلابا تختفي عن المشهد العام، النقابات على اختلافها وتنوعها لا روح فيها الا مصالح السلطة وزبانيتها، لبنان يتجه طوعا نحو نظام بوليسي، فحذار الاستسلام حذار ان نستخف بحق الدفاع عن ذواتنا، الدفاع عن لبناننا الذي لن نقبل ان تحكمه اليوم سلطة الاستبداد والعقلية البوليسية، فيما عروش الطواغيت وثقافة الاستبداد تتهاوى من مشرق العرب الى مغربهم.

آخر تحديث: 20 ديسمبر، 2017 4:00 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>