«ميراث أبي»… روايةٌ أُولى لدلّولة حديدان

عن "دار الجديد/ في دارة محسن سليم، حارة حريك، لبنان"، صدرت الرواية الأولى، للإعلامية والكاتبة الجزائرية دلّولة حديدان، تحت عنوان: "ميراثُ أبي"، (وفي طبعة أولى 2018).

ونتعرّف في هذه الرواية، إلى قصّة والدٍ ورعٍ طيّب، سعى جهده كي يعلِّم كلّ أبنائه وبناته، مورِّثاً إياهم قيماً وهكتارات من الأراضي الزراعيّة.

وبعد وفاة الوالد، تنازع الورثة على هذه التّركة، وانتهى الأمر بأن استحوذت عليها زوجته الأخيرة، وتفرّقت العائلة أيدي سبأ.

بمهارةٍ تسرد لنا الرّاوية (راوية هذه الرواية) المعجبَة أيِّما إعجاب بوالدها، قصّة “أنهار من الحزن” و”ميراث كبير كبير، لم تر إليه الوالدة والأعمام سوى القليل، فاختصم الجميع على الفاني”…

وحملت فصول الرواية العناوين التالية: “نورانيّة أبي”؛ “في رحاب البيت المعمور”؛ “دهاء المحبّة”؛ “أبناء صالحون”؛ “مراث دامٍ”؛ “إلى أروقة المحاكم”؛ “حيّنا نبْع الأساطير”؛ “شقيقتان ولكن”؛ “الهلاك”؛ “ضعيف يمحو قسوة الذكريات”؛ و”عزف على جرح المواريث”.

اقرأ أيضاً: «جيرمين وإخوانها»… مجموعة قصصية للصحافي حازم صاغية

ومن الرواية المقطع التالي: لم أعهد أبي إلا كائناً نورانياً صباحياً لا يلامسه فراشة إلا سويعات، ولا يركن إلى كرسي حتى إنه لا مكان في بيتنا نقول عنه هذا مكان أبي. هو كل البيت إذا حلّ، فيتوقف طيشنا ولعبنا وصوتنا المرتفع وألعابنا التي اخترعناها من صلب الحاجة وقهقهاتنا؛ حتى مرورنا أمامه يكون وجلاً خفِراً. نستحي كل الحياء أن يأمرنا بإحضار غرض ونشعر أننا في خدمة الرجل الأعلى في البيت كله، والسيد الذي لم يغضب منا يوماً ولم تمتد يده لتصفعنا إلا بما يشبه ملامسة الخد منها إلى العقاب… إلا أن الصفعة كانت تُبكيني لأنه آثر وضعها على خدّي بنيّة العقاب، وكانت تُضحكنا في أحيان أخرى لأننا نستحق أقوى منها، لكن يديه لا تستطيعان على غلظتهما وخشونتهما إلاّ أن تكونا رقيقتين معنا.

أبي لم أعرفه إلاّ رجلاً ستِّينياً، ثم في أوائل السبعينيات، وبعد ذلك فارقنا برقدة مرض ألزمته الفراش أسبوعين، وأسلم الروح بعدها في غُرّة رمضان 1418 الموافق لعام 1997، تاركاً لنا برنامج صومٍ حافلاً عن أشياء ألزمنا أنفسنا الانقطاع عنها حتى يوم كان يعيش بيننا.

كتاب ميراث ابي

لم أعرف أبي إلاّ رجلاً ملتزماً بدينه، لم يفته يوماً فرض من الصلوات الخمس، يبدأ يومه بصلاة الفجر وينتهي عمله مع صلاة الظهر، ويُفيق من قيلولته قبل صلاة العصر يعود من تسوّقه المنزليّ قبل صلاة المغرب وينتظر صلاة العشاء جالساً على سجّادته قبل الخلود إلى النوم.

اقرأ أيضاً: «الإرهاب كما نشرحه لأولادنا» كتاب للطاهر بن جلّون

أبي الملتزم في نظرنا، أكمل تعداد الزواج أربعاً من دون أن يقصد إلى ذلك سبيلاً. كانت أمّي آخر نسائه، أجملهنّ وأصغرهنّ سناً وقد أُجبر على الاقتران بزوجة عمّه بعد وفاته برغم كبر سنّها.

كان الفارق العمريّ بينه وبين أمّي عشرين عاماً. عمر تناسته جدّتي تقديراً لأبي. هو الذي كان يُشفق عليها من حياة بائسة بين رجلين. أحدهما أتعبها بحياة ضنكٍ، والآخر بحياة كانت فيها هي الرجل، تخدم الحقل وترعى الولد، وهو لا رجعة له إلاّ ليرتاح من معارك متفرّقة من المستعمر الفرنسيّ.

فلم تجد جدّتي ما تكافئ به ابن عمّها المُعين غير ابنتها البكر رقية، الصبيّة الشقراء عروساً لم يحلم بها الشابّ الأسمر، ولم يُهمل يوماً مكانتها في قلبه، ففي ذلك القلب تحديداً يكمن جزاؤه من الطيبة والعفّة والحنان.

آخر تحديث: 16 ديسمبر، 2017 1:27 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>