ذاكرة «جباع» في مستودع!!

رائحة عتيقة لتاريخ ثقافي وفكري قد لا يتكرر، كنز من الأفكار والمعارف في المستودع الصغير، مجلدات مرصوفة فوق بعضها البعض، مختومة بالخط الذهبي الصافي بتوقيع مكتبة جباع العامة، مؤلفات من كل الأنواع والمجالات، عناوين سابقة لعصرها، صفحات صفراء، تآكلت بفعل الرطوبة بعد أن حُجبت عنها الشمس أكثر من ستين عاماً.

يعرف كل أبناء جبل عامل علاقة “جباع” بالعلم والثقافة، وهي التي إرتفعت بعلمائها، واشهرهم زين الدين بن علي (الشهيد الثاني) والشيخ عبدالله نعمة الذي أسس أول مدرسة مع بداية ثمانينيات القرن الثامن عشر والتي استمرت أكثر من أربعين سنة حتى أنشأت مدرسة جباع الرسمية عام1889 وغيرهما كثيرين، ممن غادروها إلى مصر والعراق وإيران متنقّلين منها وإليها، باحثين ومعلمين ومتعلمين، تاركين فيها إرثاً علمياً وسمعة ثقافية يتردد صداها حتى اليوم.

مايا ياغي

لم يخفت قنديل المعرفة في جباع، ظلّ متقداً على الرغم من العواصف والأحداث المختلفة التي شهدها لبنان فقد أسس رئيس بلديتها الشيخ علي مروة مكتبة عامة سنة 1965، شكلت ركيزة مهمة لأبناء جباع وأهالي الجنوب فأخذت مجدها  في الحرب الأهلية التي حرمت الطلاب الوصول الى  بيروت.

إقرأ ايضا: رئيس الاتحاد: اقليم التفاح ينمو…ومليتا شرعت الباب للسياحة

تميّزت المكتبة بمحتوياتها، إهتمام واسع في كل المجالات، من كتب ومجلات ودوريات تواكب كل جديد، وبكل اللغات، العربية، والفرنسية، والإنكليزية، والروسية، والفارسية، وغيرها… يقول  حسن عقيل أمين المكتبة السابق: “آمن  رئيس البلدية في ذاك الوقت الشيخ علي مروة بأهمية العلم ودوره في بناء المجتمعات، فخصّ المكتبة بميزانية مهمة قياساً للمشاريع التنموية الأخرى، فبالإضافة إلى خدمات المكتبة، كنا نقوم  بأرشفة المحتويات بشكل سنوي  ضمن مجلدات فاخرة الطباعة، والتي لا تزال حتى اليوم تقاوم النسيان والإهمال، متنقلة من مكان إلى آخر، حتى إستقرتّ في مستودع المكتبة العامة الجديدة.

فَتح أحد المحال التجارية مكان  المكتبة القديمة في ساحة البلدة، وانتقلت المكتبة الجديدة إلى تلة مرتفعة تتعانق فيها أشجار الكينا مع غيوم كثيفة بيضاء، ومن موقع مطل على زرقة بحر صيدا، يرتفع بناء شبه دائري، لم يحظ بألوان طلاء خارجي، وكأن ألوان الطبيعة حوله كافية لأعطائه لمسة جمالية ساحرة، وفي الداخل مدفأة تنبعث منها رائحة الدفء وصوت النيران، وحولها تنتشر الحواسيب والمقاعد، ورفوف الكتب الحديثة وألعاب الأطفال ورسومات قدّمها بعض طلاب المدارس للمكتبة عربون وفاء عن ما تقدّمه لهم من نشاطات مسرحية أو فنية، هذا هو الطابق الأول، وهو الوجه الأنيق المرتب.

أما الطابق الثاني، فيحويّ قاعة حديثة مجهزة للندوات الثقافية على قلتها في منطقة إقليم التفاح، ونزولا من القاعة على درج صغير، وفي ركن بعيد عن عيون الزوار، ينام مئات المؤلفين، قريري العين بين صفحات كتبهم وحروف كلماتهم، وكأن الحضارة تمشي بالمقلوب، فلا تتقدم إلا بالزمن.

أشعة الشمس تتسرّب من نوافذ صغيرة، وتعطي الحياة لصور قديمة معلقة بشكل عشوائي على جدران المستودع، وفي الزاوية علم لبنان يرتفع على كومات متناثرة من الكتب القديمة. أعداد منذ الستينيات من جريدة الحياة، وجريدة الأنوار، ومجلة البيان، والصياد، والسياحة والإقتصاد الزراعي، والإتحاد السوفياتي، وفنون، والكويت، وآفاق عربية، وأعداد من الجريدة الرسمية كاملة مرتبة ضمن مجلدات ضخمة، ومع مجموعة التشريع اللبناني كاملة، وغيرها من كتب الفلسفة والترجمة والأدب والشعر، والطب والهندسة والكثير الكثير مما لا يخطر على بال مهتم.

لا يموت الماضي إلا بالإهمال.. أذكر ذات شتاء خصص المعهد العالي للدكتواره في الجامعة اللبنانية زيارة إلى جامعة البلمند للتعرّف على طرق أرشفة وحفظ الوثائق في مطبعة الدير، ولا أنسى كم كان جميلاً ذاك الإهتمام الكبير بالوثائق والحذر في حملها ونقلها وحفظها بآلات حديثة تعيد تجليدها ونسخها محاولة لحفظ تاريخ لبنان والمنطقة.

إقرأ ايضا: عبد المجيد الحر: شاعر ومؤلّف طَوَّع الأوزان

في مستودع مكتبة جباع، تشعر أن لا كرامة للأجيال القادمة في حفظ تراث أجدادهم، تراث مشرّف يتآكل ببطء مع الأيام، في منطقة تتراجع ثقافياً ومعرفياً، خصوصاً أن معظم متعلميها ومثقفيها تركوها إلى بيروت، تلهيهم مشاغلهم عنها، وهي لا زالت كما هي، ينابيع وافرة وخضرة دائمة، وجمال يصل الأرض بالسماء.

وعن دور البلديات في حفظ هذا التراث تقول مهى دهيني أمينة المكتبة “النيّة موجودة لإقامة معرض بعنوان “ذاكرة جباع”، تعرض فيه هذه الكتب، إلاً أن الظروف لم تسعفنا يوماً لتحقيق هذه الأمنية”.

آخر تحديث: 11 ديسمبر، 2017 11:40 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>