أميمة الخميس تروي «مسرى الغرانيق في مدن العقيق»

عنوان الرّواية الجديدة للكاتبة والرِّوائية السعودية أميمة الخميس، هو: "مسرى الغرانيق في مدن العقيق". وهذه الرّواية الصادرة حديثاً، (وفي طبعة أولى عن "دار الساقي" في بيروت 2017). تحكي قصة رحلات تاجر الكتب مزيد الحنفي النّجدي، انطلاقاً من بغداد وصولاً إلى قرطبة، حيث انتهى به المطاف سجيناً، في زنزانة هناك.

يبدأ زمن الرواية، يوم السَّبت 4 شعبان 402 للهجرة، (أول يوم من آذار 1012 للميلاد)، وينتهي في 29 صفر 405 (29 – 8 – 1014)، ومتنها الروائي يتألف من سبعة فصول، منطوقة بصوت راويها وبطلها في الوقت نفسه، أي هو مزيد الحنفي النّجدي نفسه، الذي هو “محض تاجر كُتُب في زمن الفتنة والاحتراب وشهوة إحراق المدوّنات والمخطوطات وتطهير الذّنوب بجمرها”. “تاجر كُتُب.. قد تكون هذه صنعتي حقاً، أو لربما أستتر خلفها بمنجًى من الريبة والشك بين مسافري قافلة العطور المتجهة من بغداد إلى القدس…”.
فـ”مِن بغداد إلى القدس فالقاهرة ثمّ قيروان فالأندلس، يسافر مزيد الحنفي النجدي من وسط جزيرة العرب ليجد نفسه بين ليلة وضحاها مكلّفاً بمهمة خطيرة. سبع وصايا كان على مزيد أن ينساها، بعد قراءتها، ويترك لرحلاته أن تكون تجلياً لها. لكن شغفه بالكتب ومخالفته بعض الوصايا ختمتا رحلته بنهاية لم يكن يتوقعها.

اقرأ أيضاً: «المعوَّقة»… رواية الطبيب عبد اللطيف يتيم

هنا مقطع من الرِّواية:

مخيَّرٌ لا مُسَيَّرٌ
بفؤادي جمرات شجن لم تترمد، ركلتني بغداد خارجها ولم أغادرها طوعاً، مغوية بغداد ومتوحشة، كفاتنة تسللت إلى خبائها ورشفت ينابيعها وقطفت ثمارها، وفي الفجر طلبت مني بشراسة المغادرة.

بها تكشف لي السر الأعظم، ونفخ أهل التوحيد في روحي رسالتهم؛ رحيلي عن بغداد جعلني مضطرباً مشتتاً كأن تحتي الريح.

هل أنا مخيّر أم مسيّر؟ ففي ذلك اليوم الذي اكتملت فيه مشيئة الرحيل عن بغداد، انتصف النهار وأنا ما برحت أطوف مناخ القوافل بحثاً عن قافلة، بعضهم أشار علي بالذهاب إلى الأنبار، فهناك سأجد الكثير من القوافل أصحابها هم الأمهر في القيافة ومعرفة بالدروب، في حين أن القوافل التي تصل بغداد أصحابها مصابون بالجشع، بل إن بعضهم يقسم أنهم يتوازعون أموال قوافل التجار مع لصوص متربصين في الدرب.
أقلب عيني في الوجوه والسمات، واللص لن يأتي ليقول لي: أيها الأخر الكريم مزيد: أنا لص، فلطفاً لا تستقل قافلتي.

مسرى الغرانيق

عادة أصحاب القوافل ينادون على وجهاتهم ومقاصدهم، لكن تزامن وصولي إلى السوق ووصول قوافل من الصحراء محملة بأسراب من صيدا الصحراء قطاً وعصافير وسلالاً من الكمأة والحنظل الذي يحرص عليه أهل بغداد كمطهر لأمعائهم، فالتف حول قوافل الصحراء أهل السوق ولم يبال بي أحد.

واصلت سيري حتى شارفت على ضفاف النهر، وبدأت أسمع صياح أصحاب المراكب والسيمريات يصلني مخلوطاً مع رغاء الإبل ورائحة ندى التربة النهرية والمشبعة برائحة سعف نخيل محترق.

اقرأ أيضاً: رواية «بنت الباشا» نفض الغبار عن المجتمع الدمشقي في مطلع القرن العشرين

فجأة استرعى انتباهي رجل يقف مجاوراً لناقة وضحاء هائلة تربض ككثيب وفوق رحلها أرفف متدرجة من خشب، في حين أن الرجل يسقط بعناية داخل تلك الأرفف قوارير صغيرة متجاورة مصطفة بدقة، كل قارورة بلون مختلف عن الأخرى. لم أشهد قط ما يوازي جمال ألوان تلك القوارير ولطافة زخارفها ودقة نمنماتها، إحداها زعفرانية والأخرى لازوردية والثالثة فيروزية… وأغطيتها جميعاً قرمزية مورقة ومزخرفة بلون الصندوق نفسه الذي تدش فيه. كتب على بعضها نيلوفر ونرجس وكارده، والآخر سوسن وزنبق ومارسين، والثالث مرزنجوش وبادرنك ونارنج، والرابع قضب ريحان وند، وحين انتهى الرجل من صفها داخل صناديقها، أخذ يغطيها بقماش من الكتان وخلفه غلام نحيل يخيط أطراف الكتان فوق الصناديق بمهارة، كأن يده ولدت وهي تحمل هذا المخيط الضخم.

تأملي الطويل له جعل الرجل يلتفت إليّ بابتسامة مستفسرة، كانت ملامحه حادة وخطوط وجه عميقة ولحيته المهذبة قد خطها الشيب، لكن كتفيه شاسعتان، وجسده مفتول بعنفوان الجنود الذي لا يتواءم مع خطوط وجهه المكتهلة المجهدة، ولم يبد تذمراً من تحديقي الفضولي، بل قال لي بلكنة الديلم وبألفة كأنه يستأنف حديثاً طويلاً بيننا: هو كذلك العطر، كشفاه العذراء، وجناح الفراشة، يفسده الهواء والضوء، ولا سيما المسك، لذا لا بد أن يحجب، فالرحلة طويلة.

آخر تحديث: 13 ديسمبر، 2017 3:56 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>