النأي بالنفس يعود بالحريري عن استقالته بانتظار عودة حزب الله من معاركه

عاد الرئيس سعد الحريري عن استقالته ولم يعد "حزب الله" بعد من ساحات القتال، أكان في سوريا أم العراق أم اليمن. والبيان الذي صدر أمس بعد جلسة مجلس الوزراء الاستثنائية وتلاه الحريري شخصياً، جاء بمثابة غطاء لهذه العودة.

على رغم ان نص البيان لا يوحي بجديد اذ أعاد التذكير بأمور بديهية كعروبة لبنان وعضويته في جامعة الدول العربية والتزامه اتفاق الطائف والبيان الوزاري، اضافة الى النأي بالنفس الذي كان سبقه اليه “اعلان بعبدا” قبل أعوام، رأت “النهار ”  أنه في الحقيقة  سجل انتقال لبنان من مرحلة الى أخرى لن تتكرر فيها التجاوزات التي حصلت في السنة الاولى من عمر الحكومة، ولن تعود الامور الى ما كانت منذ قيام حكومة العهد الاولى وقبل اعلان الرئيس سعد الحريري استقالته المدوية من الرياض.

إقرأ ايضًا: لبنان بمنأى عن أحداث اليمن والتسوية الحكومية باقية برئاسة الحريري

واذا كان بند “النأي بالنفس الاعلامي” سقط من البيان الاخير، فان ذلك لا يعني التزام الاطراف المشاركين في الحكومة إيّاه واعتماد تهدئة اعلامية تعطي الحكومة فترة سماح لاثبات صدقيتها في الداخل وأمام المجتمع الدولي وخصوصاً فرنسا عرابة الاتفاق وضامنة الرعاية السعودية الايرانية لهذه المرحلة، في انتظار متغيرات ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتسويات وبشائر حلول لملفات اقليمية مشتعلة. وقد مهّد لذلك الامين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصرالله في اطلالته الاخيرة عندما نفى علاقة حزبه باطلاق الصواريخ في اليمن، وأبدى استعداده للبدء بالانسحاب من العراق.

وقالت مصادر سياسية لـ”الجمهورية”: “طبيعي أن يَحظى البيان بتأييد غالبية القوى السياسية ما دامت ممثّلة في الحكومة أصلاً، في حين أنّ الرأي العام اللبناني، وإن كان يتمسّك بالاستقرار ويفضّل عدم دخول البلاد في المجهول والمغامرات، فإنه لم يأخذ هذا البيان على محمل الجد، لأنه لم يأتِ بجديد على صعيد النأي بالنفس سواء لجهة تحديد ساحات التدخّل أو لجهة وَضعِ الآلية لهذا النأي، فجاء إنشائياً أدبياً موسّعاً بنيّةِ إنقاذِ ماءِ وجهِ الحريري تجاه قاعدته من جهة وتجاه دولِ الخليج من جهة ثانية، فيما لمسَ الصحافيون الموجودون في الكويت لتغطية أعمال القمّة الخليجية عدمَ ارتياحٍ خليجي إلى هذا البيان واعتباره “وعوداً بوعود”.

علمَت “الجمهورية” أنّ سجالات سياسية ولغوية واسعة حصَلت قبل صدور بيان مجلس الوزراء بعد جلسته الاستثنائية التي انعقدت أمس في قصر بعبدا برئاسة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، وكادت هذه السجالات أن تتسبّب بتأجيل الجلسة والبيان معاً، لو لم يكن لبنان الدولة امام استحقاق مؤتمر مجموعة الدعم الدولية الذي سينعقد بعد غدٍ الجمعة في باريس بدعوة من الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، وسيمثّل الحريري لبنان فيه ويلتقي مسؤولي المجموعة الدولية الكبار وبينهم وزير الخارجية الاميركي ريكس تيلرسون. وعُلم انّ احداث اليمن سرّعَت في البيان لتخوّفِ المسؤولين من صدور مواقف اخرى تُلقي بتداعياتها على لبنان في الايام المقبلة.

وأشارت “المستقبل” إلى أن  “الجلسة طانت  قد استُهلّت بمداخلتين رئاسيتين، الأولى لعون أكد فيها أنّ “وحدة اللبنانيين تبقى الأساس لحماية الاستقرار” متوجهاً بالتحية إلى “مواقف القيادات اللبنانية التي تعاونت من أجل مواجهة الظروف التي مرت بها البلاد”، وأردف: “الحمدلله مرّت الأزمة من دون مضاعفات والآن علينا أن نستأنف العمل”. بينما أمل الحريري في مداخلته بأنّ يُشكل انعقاد مجلس الوزراء “فرصة جديدة للتضامن تحمي الاستقرار والعلاقات الأخوية مع البلاد العربية”.

وقال الحريري متوجهاً إلى أعضاء مجلس الوزراء: “هناك مشكلة لا يمكننا أن نقفز فوقها، وهذه المشكلة لا يجوز أن تستمر فالتهجم على دول الخليج في الإعلام والسياسة أمر يهدد مصالح لبنان وخصوصاً مصالح اللبنانيين العاملين في الخليج (…) يجب أن نقتنع أن التدخل بالشؤون الداخلية لدول الخليج له انعكاسات خطيرة على أوضاعنا وعلى مصالحنا، مصلحتنا أن نحمي علاقاتنا التاريخية مع السعودية وكل الخليج وأن لا نعطي أي ذريعة للمصطادين بالماء العكر لجر لبنان إلى الفوضى”، مضيفاً: “أنا من جهتي لن أضحي باستقرار البلد مهما كانت الظروف ، وأتمنى من كل الأشقاء العرب أن يتفهموا أوضاع لبنان”.

وأكد الرئيس الفرنسي إيمانوييل ماكرون لـ “لحياة”، أنه سيستمر في جهوده من أجل أمن لبنان واستقراره. وقال إن اجتماع “مجموعة الدعم الدولية للبنان” في باريس بعد غد الجمعة “وحضور وزير خارجية أميركا ريكس تيلرسون أمر جيد في الظرف الحالي من أجل التأكيد الدولي للحرص على استقرار لبنان وأمنه”. واعتبر ماكرون أن “الأكثر إفادة كان أن يعود الحريري إلى لبنان ويعمل مع الرئيس ميشال عون على مسار يؤكد نأي لبنان بنفسه عن صراعات المنطقة”.

جاء ذلك على هامش حفلة أقامها ماكرون في الإليزيه لوداع إيفلين ريشار، التي عملت 48 سنة ونصف السنة في الرئاسة في العلاقة مع الإعلام خلال عهود 6 رؤساء. وسألته “الحياة” عن تخوفه من حرب على لبنان عندما قدم الحريري استقالته من الرياض، فقال: “كنت أشعر بتوترات بالغة في المنطقة ولم أرغب في أن تؤدي هذه التوترات إلى كسر بلد مثل لبنان”.

ويستقبل ماكرون الأحد المقبل رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتانياهو، ويتوقع أن يثير معه موضوع التهدئة على الجبهة اللبنانية. وقال مصدر رفيع لـ “الحياة”، إن باريس تواصل حواراً مع إيران حول لبنان، وهناك زيارة مرتقبة لنائب وزير خارجية إيران عباس عراقجي ولبنان من عناوين البحث، وسيلتقي الأسبوع المقبل الأمين العام للخارجية موريس غوردو مونتانيه الذي يعرف لبنان جيداً وكان مستشاراً للرئيس جاك شيراك.

إقرأ ايضًا: مجلس الوزراء ينعقد اليوم بعد الاتفاق على صياغة «النأي بالنفس»

من جهته، اعتبر المحلل السياسي اللبناني علي الأمين في حديث لـ “الشرق الأوسط” أن “البيان الذي أصدرته الحكومة اليوم كان متوقعا، ومن دوافعه الأساسية “التأكيد على نأي جميع الأطراف اللبنانية بنفسها قولا وفعلا، رغم أن التجارب السابقة لم تكن مشجعة ولا توحي بالثقة، ذلك بسبب فشل إعلان بعبدا سابقا، والذي ينص على تحييد لبنان عن المحاور الإقليمية، وهو ما عاد (حزب الله) وحلفاؤه ونقضوه بعد أسابيع من إقراره”.

وشرح الأمين أن هنالك قطاعا إقليميا واحدا يحاول إعادة رسم الخريطة السياسية للمنطقة ويتجسد بالقرار الأميركي حول مسألة النفوذ الإيراني، حيث “إن أميركا تحاول ضبط نفوذ إيران في الشرق الأوسط بالسياسة فقط، وإبعادها عن العمل الميداني العسكري والميليشياوي التي تمارسه في عدة دول عربية”.

آخر تحديث: 6 ديسمبر، 2017 9:34 ص

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>