تريثوا… وآمنوا بأنكم قادرون

تحتاج القوى السياسية المستنفرة، جرعة كبيرة من الهدوء. عوض هذا الاستذئاب كأن مجاعة حلت وفرضت ان يأكل أبناء البيت الواحد لحم بعضهم بعضاً، أصبح الوضع يتطلب حكيماً يصيح بهم: “تريثوا” واصمتوا قليلاً وراقِبوا ما يجري حولنا.

فما يحصل سواء المنطقة، وتحديداً في اليمن، يحمل دلالات تلتقي روافدها مع استقالة الرئيس سعد الحريري وتريثه وتصريحاته التي تنزع من “حزب الله” ورقة استنفار جمهوره، وتنزع منه تالياً قميص عثمان الذي أصبح بالياً، لأن هذا الشحن المفتعل بدأت تشيخ مفاعيله، وينكشف مع تحول طريق القدس الى حلب والقصير والموصل وصنعاء وخلية العبدلي في الكويت. وما خفي يبقى أعظم.

“تريثوا”. فهناك دلالات تشي بأن ما يقال غير ما يضمر. وعلى رغم كل الشائعات والتصريحات والتربص خلف متاريس الخوف على المصير الخاص في التركيبة اللبنانية، لا تزال الاستقالة وبعدها التريث، خطوة تحمل ايجابياتها في المعنى العميق للبعد السياسي اللبناني.

اقرأ أيضاً: هل تفتح عودة أهالي الطفيل الأبواب لحل ملف النازحين؟

ما يشوب المرحلة من مواقف متشنجة ومشاريع صدام، لا يعني ان ما جرى وما يجري، ليس متصلاً بقنوات تصبّ، ربما، حيث يمكن توليد هذه الإيجابية في الداخل اللبناني.

وفي حين يعيش الأطراف السياسيون في لبنان ترقباً، تجدر الإشارة الى ان من يدّعي القوة ويعلن انتصاره صبح مساء هو أكثر الخائفين وأشرس الخائفين لأن خسارته ستكون الكبرى. الأهم ان خسارته في بيئته الحاضنة ستزلزل أصل وجوده. لكن الامر يحتاج الى وقت لتتوضح الرؤية.

من هنا، لا مبرر لخوف القوى السيادية لأن مرحلة التسويات والتغيير لا بد ان تصب في صالحها، إن هي عرفت كيف تقرأ تطورات الأمور بعقل بارد وقلب بارد، ومن دون اللهاث خلف مقعد نيابي من هنا ومركز نفوذ داخل التركيبة السياسية من هناك.

تريثوا وانظروا الى المدى البعيد لبناء المرحلة المقبلة، في انتظار بيان العودة عن الاستقالة. فمن يحاول التشويش على دلالات ما يجري، لا يهدف الا الى إغراق لبنان في كمّ المعلومات المتناقضة والمتضاربة، وفي التهويلات عن الفتنة الكامنة والمنتظرة من يحرك رمادها لتلتهب وتسترجع الحرب الاهلية.

بداية، اذا سلّمنا جدلاً ان الفتنة تملك وقودها المستعر، لينوّرنا مَن يحذر منها بالأطراف المسلحين القادرين على رفع المتاريس وتدريب المقاتلين، وكلنا نعلم ان جهة واحدة تعتقد ان لديها هذه القدرة بحيث تتمكن بين ليلة وضحاها من بسط سيطرتها العسكرية الكاملة على لبنان.

لكن هذه الجهة لا تملك تصريف قوتها حالياً مع التوافق الدولي على الاستقرار في لبنان. كما ان تضخيم فائض قوتها وهميٌّ بعض الشيء، ففي لبنان، لولا المقاومة السياسية والقرار 1701 لكان المشهد مختلفاً، ولا يكفي اغراق الاعلام بخزعبلات الانتصارات الإلهية وخرافاتها لإنكار الواقع الذي انقذ لبنان في حينه.

وفي سوريا تكدست خسارتها واضطرت الى ابتكار اصوليات متطرفة متوحشة حتى تبرر قتالها الذي كان سيتحول هزيمة نكراء لولا التدخل الروسي.

وفي اليمن لولا تحالف الحوثيين مع علي عبد صالح، لما تمكنت إيران ومعها كل أذرعها، من فرض الحرب البغيضة الهادفة فقط الى سيطرة نظام ولاية الفقيه على عواصم عربية ترضي غروره وتعيد الامجاد الوهمية للامبراطورية الفارسية.

هنا يجب ان يتركز الخطاب ويسلط الضوء على الممانعة المخربة حيثما حلّت، والفاشلة والمسيطرة حتى تاريخه بفعل الاعلام المضخم والملفق وبفعل التردد العربي والخوف اللبناني لحسابات ضيقة.

وسِّعوا افق الحسابات وافتحوا لها عمقها المستقبلي، حينها فقط، ومهما كانت التضحيات، يمكن الوصول الى عتبة العمل من أجل السيادة. فالوضع الحالي يخفي صورة مغايرة، على ما يبدو.

لذا ينبغي التريث. فالتخبط في التحليل واستحضار المؤامرات الوهمية ربما، مع غياب المعطيات الفعلية لما حصل، لن يساعد على فهم المواقف المستجدة بوتيرة متسارعة.

المهم في هذه المعمعة الإقليمية والدولية، ان لا نسمح بتحويل لبنان كعكة العيد التي ستقدَّم في احتفال تتحضر له الدول المعنية بالتسوية في المنطقة. فالتطورات على نار حامية، والقائمون على مقتدرات الدولة عندنا يتصرفون كأن الطبخة نضجت ووقع المحظور، والعين لا تقاوم المخرز.

لذا، توقفوا عن تقديم الغلبة في الداخل للممانعين وأبواقهم. واصبروا، لكن مع تحضير جدول اعمال لمشروع متكامل، بحيث لا يقتصر العمل على ردود الفعل من خلال تصريحات لا تخدم أصحابها بل تسيء اليهم وتضعفهم وتسهِّل الانقضاض عليهم.

حان الوقت لإنجاز مشروع سيادي لأجل “لبنان أولاً”. “لبنان أولاً” هذا، لا يقتصر على النأي بالنفس عن صراعات المنطقة، وانما أن يصبح الوطن بدولته ومؤسساته وحصرية سلاحه، في يد الجيش قبل المقعد النيابي او الوزاري، وقبل العائلية التي تفرض علينا الزعيم واقاربه، وقبل الفساد الذي يجمع الخصوم حول تقاسم الحصص ويمنع المحاسبة لحماية الشخص ومَن يدور في فلكه.

تريثوا. دعونا نحلم بأن الإمكانات موجودة في هذه الرؤية المثالية للعودة الى روح ما طالب به شهداء “14 آذار” ودفعوا حياتهم ثمناً له.

دعونا نحلم. فالفرصة تبدو معقولة اذا كان المشروع موجوداً، بعيداً مما يجري حالياً بين قوى يجب ان تتعاضد عوضاَ عن التنابذ. حينها فقط، يسقط مشروع إيران وتسقط أوهام الأمبراطورية الفارسية.

تريثوا وصدِّقوا وآمنوا انكم قادرون، لأن خوفكم من خسارة السلطة والنفوذ يعرّيكم ويضعفكم، ومواقفكم تعطي الممانعة هديتها المجانية لتستعمر لبنان.

آخر تحديث: 4 ديسمبر، 2017 5:07 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>