مزارعون بقاعيون: وحدها «النبتة الشّريفة» أمّنتْ لنا حياة كريمة!

حُكم على أغلب أهالي البقاع بالسجن المؤبد، لكن على نطاق أوسع من غرفة زنزانة يتمثل بمنطقتهم، وخصوصاً المزارعين منهم. فبسبب إهمال الدولة وغياب الخطط الزراعية توجه معظمهم إلى زراعة الممنوعات تحديداً الحشيشة أو ما يعرف بـ"حشيشة الكيف".

غالبية هؤلاء المزارعين غير راضية بواقع الحال، ويعبّر عن ذلك محمد بسرده تجربته، وهو رجل قد تجاوز الخمسين سنة من العمر، إذ يقول: كنا نزرع القمح في هذه الأراضي الشاسعة منذ نعومة أظافرنا، وكنا نساعد أهلي في الزراعة والحصاد، وكانوا يستقدمون يداً عاملة سورية بأجور زهيدة، فكانت الأرباح جيدة في طبيعة الحال، لكن مع ارتفاع الأجور لم يعد هناك ربح، لا بل خسارة، فما كان منّا إلا الانتقال إلى زراعة بديلة تجني الأرباح الوفيرة بتكلفة أقل، وهي الحشيشة لأن ضررها أقل من نبتة الأفيون، التي كانت تزرع أيضاً في ذلك الوقت، وهي ذات ضرر أكبر كونها يصنع منها مواد مهلوسة كالهيرويين، فقررت الابتعاد عنها، فعلّقت زوجته قائلة “عأساس الحشيشة دوا” وأكملت بحسرة: إنما خوفي على أبنائي من اتباع الطريق ذاته أو تعاطي المخدرات لا قدّر الله ألا يكفي أننا أمضينا حياتنا بعيداً عن رب منزلنا “الطافر”، والمبكي أنهم يتغنون بكلمة “طفار”، ولكن لا أحد يعرف كمية العذاب والألم والخوف التي تحملها؛ سوى من عاش هارباً من الدولة بعيداً عن عائلته فقط لتأمين حياة كريمة لهم. وتابع محمد حديثه مازحاً “قلبتيها دراما” فقد اعتدنا على العيش هكذا من سنيين. ولكن الدولة صارت أقل تشدداً في السنوات الثلاثة الماضية، ربما بسبب الأوضاع الأمنية والحرب السورية ما أدى إلى إقفال الطرقات أمام تصريف الحشيشة إلى العراق وبعض دول الخارج، وأثّر سلباً على أسعارها، ولكن مع كل هذا ما زالت أرباحها، أفضل مقارنة مع القمح. أما في ما يخص تصريف “البضاعة” فقد كنت أنقلها بنفسي عبر سوريا إلى العراق، وهنا قاطعته الزوجة قائلة “كنت ضل على أعصابي ليرجع بالسلامة” لو وجد بديلاً عن هذا لما سمحت له بالذهاب. فأكمل: لم أكن سعيداً بهذا الحال أبداً، حيث تبقى قلقاً من كل شيء، ولكن في غياب الدولة “الكريمة” وغياب السياسة الزراعية يُجبر العديد من الأشخاص لزراعة الممنوعات، والقافلة مستمرة إذا استمرت الدولة بسياسة التهميش والحرمان.

اقرأ أيضاً: الحشيشة في البقاع «أباً عن جد»… والقنبز فاخر!

حالتان
يبدأ علي (40 عاماً) بسرد قصته التي تكمل واقع الحرمان الذي كان يعيشه وأمثاله ممن تحوّلوا إلى زراعة الحشيشة في منطقة البقاع، ويقول: كنا نعتاش من زراعة الشمندر السكري، ولكن بعد توقف الدولة عن أخذ المحصول منا، والخسائر المادية الكبيرة التي تكبدتها أنا شخصياً جراء هذا التوقف المفاجئ، توجهنا لزراعة الخضروات بازيلا، بندورة، خيار… لكن المؤسف في كل موسم كنا نتحمل أعباء خسائر جديدة. فالسوق مليئة بالخضروات الأجنبية وأسعارها أقل من أسعارنا، حتى وصلت ديوني الخاصة إلى ما يقارب العشرة ملايين ليرة لبنانية في سنة معيّنة، ولم يذهب أولادي إلى المدرسة في تلك السنة، فلم يكن باستطاعتي تأمين مستلزمات وأقساط المدرسة. بحثت عن عمل في المنطقة لسد ديوني فلم أجد، بدأت بزراعة الحشيشة. وبعد الموسم الأول بدأت أسدد ديوني شيئاً فشيئاً، وعرفت لما يطلقون عليها إسم “النبتة الشريفة” بغض النظر أن زراعتها محرّمة دينياً، يكفي أنها تأمّن لك حياة كريمة حتى لو كانت مليئة بالخوف.

مجلة شؤون جنوبية 165
لعل حسين (45 عاماً) حاله أفضل من غيره فهو موظف لديه 6 أولاد، يستهل حديثه مازحاً لقد خدعنا بمقولة “الولد بيجي بتجي رزقته معه” لم يأت أيّاً من أولادي الستة حاملاً حقيبة مليئة بالمال، مع غلاء المعيشة لم يعد بإمكانك إعالة عائلة كبيرة، وتأمين حياة كريمة لهم بالاعتماد على الراتب فقط، وبما أننا نملك الأراضي الواسعة قمت بأخذ قرض من المصرف، وبدأت بزراعة البطاطا، لكن الجزء الأكبر من المحصول تلف بعد استخراجه لأن الأسواق مليئة بالبطاطا المصرية وبأسعار أقل من أسعارنا، تحملنا أعباء وديوناً إضافية مع هذه الخسائر، فتوجهت إلى زراعة أخرى تدر علي الأرباح الوفيرة وبكلفة وعناية أقل، وهي زراعة الحشيشة، وبالفعل بعد زراعة موسمين قمت بسد ديوني كاملة. لم أرغب يوماً بزراعة من هذا النوع، لكن ظروف الحياة وواقع الحال للأسف يجبرنا للتوجه لما هو محرم ديناً وقانوناً.

اقرأ أيضاً: غياب التنمية يُشَرِّع زراعة الحشيشة في البقاع

لعل أغلب مزارعي الحشيشة في البقاع يزرعونها لتأمين حاجتهم الأساسية، إلا أنهم يلومون أنفسهم. ولو وجد بديل لما تترددوا أبداً بالإقلاع عن زراعتها، فهذه النبتة ليست رمزاً نتغنى به في بلدان الخارج مصحوباً برمز الأرزة كعلامة جودة، إنما هي رمز حرمان في منطقة لولا غياب التنمية لكانت جنة.

(هذه مادة نشرت في مجلة “شؤون جنوبية” العدد 165 خريف 2017)

آخر تحديث: 30 نوفمبر، 2017 1:22 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>