مواعيد مع «الأمين السيد عبد الله»

هذه ليلة علي بن أبي طالب (ع) في دار حفيده عبد الله الأمين (رح) . هذه قرة عين لجده العلم السيد علي محمود. ولعمّه المرجع الوحدوي السيد محسن، نزيل دمشق حياً وميتاً.. هذه ليلة الجَرح العظيم، والغدر اللئيم، والسيف الذميم، والجُرح المهيب، والقتل الرهيب، والوجع البليغ، والسرور القميءوالدم الفصيح، والفعل القبيح.
هذه ليلة الباحث عن مثال لغده، ثم لا يجده، لا نجده، إلا في أمسنا !.. أليست مفارقة أن يتحول الحلم أو يرحَّل او يرحل إلى الماضي، لتصبح الذاكرة أو الذكرى حلماً وتصبح أنت، إن أصبحت أو أمسيت، وكأنك تعد نفسك، أو تمنيها باستقبال علي، غداً، مكابراً جرحه على حسرة على من يترك، وفرح بمن يلحق، أو بعد غد (19 رمضان) وبعد أن غار جرحه بالوفاة في عمق الروح والتاريخ، أو يوم العيد، ناهضاً من رمسه، مبللاً برذاذ من ماء الكوثر.. حتى إذا وافاك لم يجدك، لأن ما يشغلك من شأنه، أي الحكم، لا يشغله.. بل يشغله ما لا يشغلك من شأنك أي خلاصك دنيا وآخرة.{ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} .فهل حفظت حروف نهج البلاغة ونسيت نقاطها وعلامات إعرابها !!
من هنا.. تسارع. نسارع، أعني أنا ومن هم على شاكلتي من المقيمين في الوسط، طموحاً إلى مدى أوسع وأفق أبعد ومعنى أعمق، الباحثين عن أردية ينكمش قماشها على رائحة الدم.. نسارع إلى السيد عبد الله، نتذكره على المائدة الرمضانية والقرآنية، ونتلو: {قل أعوذ برب الناس، ملك الناس، إله الناس، من شر الوسواس الخناس، الذي يوسوس في صدور الناس، من الجنة والناس}.

اقرأ أيضاً: على جسر الكوفة

كأننا نتشبث به، نرفع بلاطات ضريحه، ونفك عقدة كفنه، ونضع آذاننا على قلبه، لعله ينبض، فنغني غير آثمين ونقرأ من دعاء زين العابدين :
“اللهم حلّني بحلية الصالحين وألبسني زينة المتقين في بسط العدل وكظم الغيظ، وإطفاء النائرة وضمّ أهل الفرقة وإصلاح ذات البين وإفشاء العارفة وستر العائبة ولين العريكة وخفض الجناح وحسن السيرة وسكون الريح وطيب المخالقة، والقول بالحق وإن عزّ واستقلال الخير وإن كثر من قولي وفعلي، واستكثار الشر وإن قل من قولي وفعلي، ووفقني إذا اشتكلت عليّ الأمور لأهداها وإذا تناقضت المِلل لأرضاها”.

كأننا نضرب معه موعداً متخيلاً، ولكن له لذاذة كلذاذة الحقيقة.. وغداً.. قبيل أذان المغرب، وأول سيجارة، اعتدنا أن نعجل اليها في رمضانات النجف، قُبيل الإفطار أو بُعيده، ونفرح.. ونضحك من دوختها اللذيذة، وكأننا نستكشف خمر الجنة.. خاصة إذا ما كانت السيجارة، من نوع (غازي)، سيجارتنا العراقية المتواضعة، في تبغها، الذهبية لوناً في علبتها النجفية في نكهتها ومعناها.. ولطالما ارتقينا في مناسبات اليسر العابرة، إلى سيجارة (الجمهورية) في علبتها البيضاء، إلى “الروثمان” ولو بسيجارة واحدة، على حسد لحامل العلبة، ونبتهج بهجة تشبه الكفر بالفقر. ولكنه كفر حلو، على ما تخيل مولانا جلال الدين الرومي، من قول الله في الحديث القدسي لموسى النبي، عندما استفزته كلمات الراعي، المباشرة في نجواه مع الله :” قد تكون كلماته لأذنيك بمثابة كفر، ولكنها كانت بالنسبة لي كفراً حلواً “.

هذه حال الله مع نبيه والراعي، على غير حاله الآن مع الأنبياء الكذبة، والرعاة المذأبة، وقد كان من علامات الذوق والفهم والظرف، الذي كان السيد عبد الله الأمين يتقنه، في ناديِّنا النجفي، أن يصرخ بعضنا أو جميعنا، بصوت واحد، تعقيباً على فرادة في بيت من شعر، بأنه يستحق السجود.. أي إننا نرفع الإبداع، مجازاً، إلى ما يقرب من مستوى آيات العزائم في الذكر الحكيم، والتي يجب شرعاً السجود لدى قراءتها أو سماعها فوراً، حتى أثناء الصلاة.. أو غيرها، من دون استثناء إلا النوم أو الجنون أو الإغماء أو الموت.. وأضيف من عندي في هذا العصر انعدام الثقافة الأدبية وتصحّر الوجدان واختزال القرآن بالآيات ذات الظاهر السياسي بشروط تاريخية يتم إسقاطها.

في عصر يوم العيد (الموعد الذي نضربه مع عزيزنا الراحل السيد عبد الله الأمين).. في المدرسة اللبنانية في النجف.. أو في الساحة الفسيحة، في حي أبي خالد، حيّنا، على الرمل، في المساحة، بين بوابة منزل السيد عبد الله ومنزل ابن شقيقته السيد محمد حسن الأمين، المتجاورَين، وكأن احدهما خال للمنزل الآخر.. ومنازلنا أبناء عم وخالة وأصحاب، أو هنا.. في دير كيفا.. على مرمى قلب في شقراء، في الغرفة الترابية، كنفس صاحبها، الذي ملكها وما ملكته، لا هي ولا ما هو أغلى منها وأنفس.. الرحبة رحابة عباءته وعلمه، علم السيد علي مهدي الأمين، صهر السيد عبد الله، والد السيد محمد حسن، الذي لم يكن يشكو إلا من ضيق تقواه، من دون أن يضيق بها لعذوبتها وبهائها.

في دير كيفا.. في علّية السيد عبد الحسين (أبي علي) والد السيد عبد الله، السيد الإشكالي، لما التبس في شخصيته من عالم بأديب، بشاعر، بسياسي محنك، يصغي إليه كبير عاملة، كامل بك، ويحبه الشيخ علي الزين ذو المعايير الصارمة في الصحبة، إلى سرعة الخاطر وحضور الذهن والنكتة والوجاهة والسخاء والسطوة والملح والظرف.. (ملخص شهادات من عرفوه عن كثب وأكثرهم كانوا مختلفين معه في السياسة).

في العلية.. أو تحت (العريشة) حيث السيد عون، شقيق السيد عبد الله، يعينك على حزنك بابتسامة بَعْلية، فيها من الفطنة حموضة على أصالة نكهة.. ويوافينا أبو وسام (السيد عبد الله) أو نأتيه، نتبادل التهاني، وكأنها الأماني، مع أن التهاني في هذه الأيام، قد صارت وكأنها التعازي.. وماذا عن الغد !!

ألا. وإننا ورب الكعبة، مصرون على تداول الود والمحبة، رغم أن سوق الكراهية، تتعاظم سعتها، بل بسبب ذلك على الأرجح، علنا بذلك نعد اللقاحات اللازمة ضد الأوبئة المستشرية، والتي تفوق الطاعون خطراً ودمامة، والكـَلـَب صرعاً وشراسة.

وما أصعب، بل ما أخطر، بل ما أروع وأوجع، أن تزرع وردة، في صحراء، تهب فيها السوافي وتشتد الخماسين ! وتصر على أن تصنع من الوردة حزاماً أخضر لوطنك وأهلك قَصَداً.. والوردة يا عيني، لا تجد لها إلا ماء العين أو القلب، أو الحبر، سِقاءً وسُقيا.. ويقول لك حكيم خبير، قرأ القرآن بتدبر : اصبر.. واقرأ {حتى اذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كُذبوا، جاءهم نصرنا } .

ونحاول، كل ليلة، وكل شهر، وكل سنة، وكل أزمة، وكل فتنة، أن نستشرف غدنا من شرفة منزلنا وزماننا، نحن والسيد عبد الله، فنختلف قليلاً، أو كثيراً، وعميقاً، إلى حدود الاحتياطي الذهبي، رصيدنا المشترك، القلب أو الحب، أو الوجدان المتربي على الشفافية في القرآن ونهج البلاغة والصحيفة السجادية والشعر العربي والنجفي، العمودي والحر، على تحفظ من أستاذنا السيد مصطفى جمال الدين وعراك يومي معه حول شعر الحداثة، ونختم العراك بقصيدة جديدة، منه أو من السيد محمد حسن.. غزلة غالباً..

نستوعب الاختلاف، تنكباً للخلاف.. ونأوي إلى بيتنا، بيت أمنا الحوزوي النجفي العراقي الفراتي العربي، نقيم في المنطقة الخضراء كالقبة الخضراء، المنحوتة نحتاً، بأناة ودقة ودأب وحنان وشراكة، بين قلوبنا، والمسيجة بعقولنا وذكرياتنا وأحلامنا، والمطلية بدعائنا وصومنا وصلاتنا، الموشاة بأهدابنا ونياط أفئدتنا، وشغاف قلوبنا، وأرواح شهدائنا المرفرفة فوق عاملة، على كتف الجليل، مشتاقة إلى الحرية في الجولان وقاسيون والشهباء ونواعير حماة.. والقدس.. وإلى يوم يزول فيه الظلام بالنور، لا بظلام آخر، ليس من شأن العثانين أن تدلس علينا فيه وتسميه إسلاماً، كما سميت العائلية قومية والفساد اشتراكية.

أبا وسام.. هل هذا يرضيك ؟ إذن نلتقي كما كنا في أوقات الرخاء والشدة، في بيت أمنا، النجف الأثيرة، وإن ظلمها اعداؤها ولم ينصفها أصدقاؤها.. ونبقى على شعورنا الدائم بالحاجة إليها، كما يحتاج الراشدون إلى أمهاتهم، ولا يستغني عنها إلا أهل العقوق والسفاهة أو البلادة أو البلاهة.. علماً بأن كل حجر فيها يقول لنا بأنها تحتاج إلينا، وتدعونا أن لا ننسى مراراتها الحلوة، وحلاواتها المرة، أليست كذلك الأم ؟

ولكن الأمرّ، والذي لا حلاوة فيه، لا ظاهرة ولا مضمرة، هو أن زملاء، أشقاء رحم نجفية، وأحبة، كانوا ملء حياتنا وكنا ملء حياتهم، وكأننا الآن لم نرهم وكأنهم لم يرونا، كأننا لم نقرأ معاً ولم نذاكر، ولم نلتقِ يومياً في فناء علي، ولم نقفِّ الشعر في ليالي رمضان، ولم نأكل البسيط والجَشِب معاً. ولم نتوارَ عن أعين ذئاب الأمن معاً !.. فما الذي يفرقنا ؟ اذا كان الصوم والصلاة…والجامع يجمعنا !!!

يا سيد عبد الله.. يا حبيبي المختلف، يذكرك حبيبك المختلف.. الآن.. وبعد غيابك الذي يزداد فينا حضوراً، ونزداد بحضوره لوعة.. ويجعلني، في بعض الليالي الحالكة، أعني كل ليالينا بعدك، أسهر مترعاً بالشعور بالخوف والفقر والغربة، لأني لا أجد من أختلف معه، وأشكو منه إليه ثم لا ألبث أن أشكو إليه مني.. وأحبه أكثر لأني أتبين للمرة الألف، أن قلبه أكبر وباطنه أطهر.

أذكرك بما اتفقنا عليه خارج الدرس في فقه الطهارة، أن الطريق إلى الحقيقة يمر من القلب، لا من الرأس يعني العقل، بصراحة (فاتخذ من قلبك دليلاً)، فإن دلني قلبي، أو دلك قلبك على الجادة، أصبحتُ، أصبحتَ، أصبحوا، وأصبحنا قادرين على استخدام عقولنا، في عقل نوقنا ونفوسنا الأمارة بالسوء وأبداننا، عن الرذيلة والضلال والجهالة والقطيعة، أي إنك تنتقل من المحبة، من محبة الخلق إلى محبة الحق، ومن الحق إلى التكليف والتعبد والإذعان لأوامر الله ونواهيه وإلا أصبحت عبادتك، صلاتك وصومك وحجك وزكاتك، تعباً، تعباً ليس إلا لروحك وجسدك. ويقول لك شمس التبريزي ما قاله لتابعه جلال الدين الرومي :” إن الشريعة كالشمعة توفر لنا نوراً لا يقدر بثمن، لكن يجب ألا ننسى أن الشمعة تساعدنا على الانتقال من مكان إلى آخر في الظلام، وإذا نسينا إلى أين نحن ذاهبون، وركزنا على الشمعة، فما النفع في ذلك “.

هكذا كانت قلوبنا برئاسة قلب السيد عبد الله، دليلنا إلى الحياة وحيوياتها التي لم نكن ندركها بعمق إلا إذا اجتمعنا وتشاركنا فاستطعنا أن نحترم عقولنا من خلال احترامنا لاختلافنا.. نختلف ونحب، ونحب فنختلف، في يوم واحد، في ورشة للجدل الجميل، تمتد إلىأذان الفجر.

اني ألجأ طوعاً وكرهاً، رغباً ورهباً، اختياراً واضطراراً، طمعاً وغبطة، الآن، ومن قابل، وبعده، وما عشت، إن عشت، إلى أبي وسام في ليلة أبي الحسنين، في مسجد الكوفة، في المحراب، على حصيرة المسجد، فجر يوم صوم رمضاني. وأسلم على أمير النحل، علي، الذي كان مشروعه في العدل والحب، أعظم وأكبر بكثير من ظروف زمانه وزماننا، من دون افتئات على المفاخر المسلم بها والتي لاشيء فيها، لأنها بيضاء ساطع لونها.. من بدر إلى حطين إلى التحرير..

ولمن يحلو له أن يقول : إن علياً لم يفلح في إقامة سلطته المباشرة، أقول: ما كان ذلك إلا لأنه لم يردها، وكان يريد دولة عادلة جامعة وقال :” يا بن عباس، أترى إلى هذه النعل كم تساوي ؟ والله لإمرتكم عندي أهون علي من هذه النعل، إلا أن أقيم حقاً وأبطل باطلاً”..إذن فهو أنجح من نجحوا، واسألوا الناجحين، ولا تصغوا لتخرصات الفاشلين.

{.الأخسرين أعمالاً، الذين ضلّ سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً} لأنه، علي، صنع المثال الذي نثوب إليه كلما أُحبطنا لأسباب عديدة، أهمها ترجيحنا للسلطة على الدعوة، أي على المعرفة والوحدة والعدالة والحرية والنظام العام، والقانون، والمواطنة والتوحيد والصوم والصلاة.. ويجنبنا ذلك اليأس من روح الله والأمن من غضبه، والعياذ بالله..

اقرأ أيضاً: لو… لا تلوي على شيء

أبا وسام.. هذه إفاضة في حضرة غيابك، شيء مما عودتنا عليه في حضورك.

شكراً أبا وسام.. تجمعنا، في زمن عز فيه الاجتماع، إلا على هياج، في زمن يغري بالعزلة ويحرّض عليها، بعيداً عن ذمامة ودمامة عصبياتنا على حساب مذاهبنا.. وفي كنف علي، على قيد غفوة أو سِنة، تعقبها فزعة على صياح أوزة، شمت ريح الشهادة، التي كانت تعقيباً على صلاته.. صلاة العارفين الراسخين.. وهو الذي انطوى على مكنون علم لو باح به “لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطويّ البعيدة”. شكراً أيها العزيز الذي كان يحلو معه الشغب الجميل والنكد والكيد البريء ويزدهر الحب.

(من كتاب في وصف الحب والحرب)

آخر تحديث: 30 نوفمبر، 2017 6:18 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>