ملاحظات أساسية حول استقالة سعد الحريري

لم تكن استقالة سعد الحريري من رئاسة الحكومة في لبنان مفاجئة. وفي الحقيقة بدت وكأنها مسألة وقت فقط، في ظل احتفاظ الحشد الشعبي اللبناني – حزب الله سابقاً – بمنطق الغطرسة القهر والعنف والتحكم بالقرارات الفعلية في البلد، وتبجح عاصمة الحشد الشعبي المركزية، طهران، بهيمنتها على القرارات السيادية اللبنانية. وحتى لو وجدت أبعاد إقليمية في الاستقالة، وإعلانها من العاصمة السعودية الرياض تحديداً، إلا أن ذلك لا يلغي أو يحجب أبداً الحيثيات أو الأسباب اللبنانية الداخلية والوجيهة لها.

تولى سعد الحريري رئاسة الوزراء منذ عام تقريباً، بعد تسوية مع حليف حزب الله، ميشيل عون؛ تضمنت، إضافة إلى توزيع الرئاستين بينهما، برنامجا سياسيا واقتصاديا يتعلق بحماية لبنان، والنأي به عن التعقيدات والملفات الخارجية، في إشارة إلى الثورة السورية تحديداً، وتداعياتها الإقليمية، والانفتاح، أو الانضواء بالأحرى؛ تحت مظلة الإجماع العربي، مع الانكباب على ورشة عمل داخلية لتحسين الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية المأساوية بعد سنتين تقريباً من الفراغ السياسي، إثر مغادرة الرئيس السابق ميشيل سليمان قصر بعبدا صيف العام 2015.

اقرأ أيضاً: استقالة سعد الحريري لم تكن عشوائية

وللأمانة والدقة، فقد كان الحشد الشعبي اللبناني – حزب الله سابقاً – هو عراب الفراغ الأساسي في البلد، حيث سعى لإطالة الفراغ من أجل فعل ما يحلو له في الداخل والخارج، بعيداً عن أي هيبة أو سلطة للدولة، خاصة مع إصرار الرئيس سليمان على سياسة النأي بالنفس؛ وفق مقررات حوارات بعبدا التي استخف بها الحشد، مع سعي الرئيس السابق للتوصل إلى استراتيجية وطنية دفاعية تضع مقدرات وإمكانيات الحشد تحت سلطة وقرار الدولة ومؤسساتها.

الحشد هدف من وراء الفراغ إلى وضع الورقة اللبنانية في السلة الإيرانية والمساومة بها في السياق الإقليمي الأوسع، وتحديداً لجهة الدفاع عن نظام أو بقايا النظام العصابة في الشام.

مع التخلي العربي عن لبنان، وترك تيار المستقبل وحيداً في مواجهة الهيمنة الإيرانية وذراعها اللبناني المتسلط، اجتهد سعد الحريري للتوصل إلى تسوية، وإنهاء الفراغ في البلد، بينما بذل الحشد الشعبي كل ما بوسعه للمماطلة أو وضع العصي في الدواليب.

وحتى عندما توصل الحريري أولاً إلى تسوية مع أحد حلفاء الحزب والنظام العصابة في لبنان، سليمان فرنجية الصغير، رفض الحزب بحجة أن حليفه الآخر ميشيل عون هو الأوْلى والأحق بالرئاسة. وعندما اختلطت الأوراق السباسية والحزبية مع تأييد سمير جعجع لعون، مقابل تأييد نبيه بري ووليد جنبلاط لفرنجية، إضافة إلى الحريري طبعاً، بات الحل في النزول إلى البرلمان، وممارسة اللعبة الديمقراطية على أساس وطني وفق القواعد الدستورية الناظمة، إلا أن الحشد رفض ذلك، على أمل إطالة الفراغ لأبعد مدى ممكن، والتحلل من أي قيود حتى لو كانت ضعيفة أو معنوية فقط.

تخلى الحريري عن تفاهمه مع فرنجية، وذهب للتوافق مباشرة مع عون على أسس تعلق بالمعطيات المذكورة آنفاً، وتتضمن تحييد لبنان والنأي بالنفس – وفق حوارات بعبدا – وانكبابا على العمل لحل المشاكل الداخلية، فأسقط في يد الحشد الذي لا يستطيع رفض أي تسوية وفق مطالبه، وهو أصلا ليس بوارد التخلي عن تفاهماته مع الجنرال، الذي كان له بمثابة ورقة التوت المغطية لسياساته وتحكمه بالبلد داخلياً وخارجياً.

مع اضطراره لقبول تسوية الحريري – عون، سعى الحشد لإفراغها من محتواها وفق منطق انتهازي، خاصة بعد وصول الجنرال في خريفه لقصر بعبدا. واستمر الحشد في التصرف داخلياً وخارجياً، وكأنه المتحكم بالقرار اللبناني، خاصة في مفاصله السياسية الأمنية المهمة، فأمعن في لعب ورقة الإرهاب وفق مصالحه الضيقة، والتحكم بتوافقات مع الإرهابيين وقتما يحلو له. والأهم، أنه وسّع نشاطاته ووجوده في سوريا، وانخرط أكثر في الجرائم التي يرتكبها النظام العصابة بحق الشعب السوري من قتل تشريد وتغيير ديموغرافي، كما تجاوز الساحة السورية للانخراط أكثر مع الامبراطورية الفارسية في سياستها الدموية في العراق واليمن، وبات الحشد لا يخفي مثلاً انخراطه الفعلي في الحرب ضد السعودية في اليمن، أو دعمه وتدريبه ونقل خبراته للحشد الشعبي اليمني وحلفائه من الانقلابيين العفاشيين.

إضافة إلى كل ذلك، ورغم تعرضه للصفعات الإسرائيلية بشكل مستمر في الأراضي السورية، التي يتواجد فيها بشكل غير شرعي، استمر الحشد اللبناني في ممارسة التذاكي، ونقل مزيد من الأسلحة إلى لبنان لتعزيز ترسانته التي سيستخدمها لقهر اللبنانيين في ظل الجبهة الهادئة لعقد مع الإسرائيليين، مع تبجح جنرال بعبدا بكون سلاح الحشد غير الشرعي جزءا من السلاح اللبناني الشرعي. تصاعدت التهديدات الإسرائيلية المقابلة باعتبار أن أي حرب محتملة ستكون مع لبنان ككل وليس مع الحشد وبيئته الحاضنة فقط، كما كان الحال في العام 2006. بالتالي، باتت مغامرات وغطرسة الحشد، ورغبته للفت النظر عن مشاركته النظام العصابة في الشام أو إمبراطوية الوهم والدم الفارسية؛ لصالح التركيز على العداء لإسرائيل، خطرة وكفيلة مع أي حساب خاطئ – كما جرى الحال في 2006 ومنطق “لو كنت أعلم” – بتدمير البلد كله وأخذه للمجهول.

وجد سعد الحريري نفسه إذن منذ مدة وكأنه خاتم مطاطي لتوجهات وسياسات الحشد، وبدت الدولة كلها أسيرة وخاضعة لمنطقه القهري الجبري، كما تبدي من معركة الجرود الأخيرة أو الصفقة المريبة مع داعش، رغم كل الأكاذيب والادعاءات السابقة.

ومع إمعان الحشد في تهديداته وتبجحه وإصراره على الانخراط إلى جانب إيران في نزاعها المحتمل مع أمريكا ترامب، وانخراطه الفعلي إلى جانبها في معركتها أو عدائها للسعودية، بات الحريري مجبرا، والاستقالة مسألة وقت فقط، خاصة بعدما وصلت العنجهية حد إعادة العلاقة مع النظام أو بقايا النظام العصابة في الشام، وترشيح سفير لبناني جديد لديه.

لا يمكن بالطبع إغفال مكان الاستقالة أي الرياض، وهو أمر مقبول ولو من باب الرد العربي على الغطرسة الإيرانية التى اعتبرت بيروت إحدى العواصم العربية التي تحتلها، والتي لا يمكن أن تتخذ قرارا دون استشارتها، مع التحفظ طبعاً على فكرة استخدام الورقة اللبنانية أو أي ورقة عربية أخرى في سياق الصراع الداخلي السعودي، أو أي صراع داخلي عربي آخر.

عموما، فان استقالة الحريري لن تأخذ الأمور مباشرة في لبنان إلى الفوضى أو الانهيار، ولكنها زادت الضغوط بالتاكيد على الحشد، وأزالت عنه ورقة التوت الرسمية التي لن يستطيع ميشيل عون توفيرها بعد استقالة الحكومة، والخيار أمامه بات أضيق: فإما مواصلة العنجهية والتحكم بمقدرات وسلطات البلد، أو النزوع إلى التوافق الداخلي وفق مقررات بعبدا، والنأي بالنفس وحماية البلد من التحولات الإقليمية العاصفة. وحسب الوقائع والشواهد، فإن الحشد اللبنانى ماض في مشروع إمبراطورية الوهم الدم الفارسية التي يديرها المتطرفون؛ الذين قال عنهم هاشمي رفسنجاني ذات مرة إنهم لا يقلون خطراً عن التكفيريين، بينما اعتبر حسن روحاني انتصاره هزيمة لهم كمتطرفين، قبل أن يستسلم أو يعجز عن مواجهتهم وتحجيم كوابسيهم الإقليمية الدموية الموتورة والمتغطرسة.

آخر تحديث: 14 نوفمبر، 2017 1:44 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>