لو… لا تلوي على شيء

لو..-2-
لو أن عمّي داود بن حسن محمد الذي تركه أبوه يتيماً، عندما مات مبكراً فجأة بعقدة المصران، كما قال الدكتور جبران الغفري الأرثوذكسي، طبيب شيعة النبطية ومحيطها لفترة طويلة وحده، كما كان شكر الله كرم طبيب الخيام وحاصبيا ومرجعيون، الأرثوذكسي ايضاً وحده، لمدة طويلة.. ومع ثقة شعبية بطبهما وذمتهما، لم يخيباها، حتى صارت لنساء الدروز والشيعة والسنة والمسيحيين، عقيدة بأن يدهما ( مْريّة ) أي تشفي ولو من دون دواء.
لو أن عمي داود زوج الشهيدة ووالد الشهيد، عاد من آخرته التي انتقل إليها ليلة عيد الفطر من العام المنصرم، عاد إلى دنيانا، ونفحني صباح هذا العيد نصف ليرة فضية اللون، ذهبية القيمة، كما كان يفعل من طفولتي إلى شبابي، وظل يسعفني بقرض أو هدية من مال، ربحه من بيع الشتول، كلما عرف أني في ضيق، من دون أن يغريه موقعي الاجتماعي بالظن بأني مترف وطمّاع كما كثير من أمثالي.. وعندما اطمأن قبل عشر سنوات، إلى شيء من يسر توفر لي حتى انقضت ديوني، شعرت وكأنه قد زال عنه همّ ثقيل.. لو أن عمي هذا قد عاد وأعطاني العيدية، لامتلأت بالشعور بأن العيد قد عاد، عاد بما مضى وعلى رضا، على عكس ما كان المتنبي يشكوه، أو يرجوه من تجديد في العيد.. نحن يكفينا أن يكون عيدنا كما كان بلا زيادة أو نقيصة، علماً بأني أفترض أن عمي الذي أريده أن ينفحني نصف ليرة، كما كان، وحتى بعدما قاربت الستينلأني كنت أشعر أني كلما كان عقلي أكبر أصبح الطفل في كياني أبهى وأعمق.. كأنك لتكون طفلاً لا بد لك من عقل كبير، إما أن تكون متكبراً أو مستكبراً، فإنك تحتاج إلى قليل من القلب والعقل والذمة، وقد لا تحتاج إلى شيء من هذا كله.

اقرأ أيضاً: المشترك حديقة الروح

أفترض أن عمي قد ينفحني ربع ليرة، أو ربع الليرة الوحيد الذي في جيبه، لأنه قرأ في عيني شوقي إلى عيديته، وقد لا يجد أكثر من عشرة قروش، يضعها في يدي ويتمم قيمتها الشرائية بدمعة.. أو يسلم من بعيد ويمضي منكس الرأس، لأنه لا يجد لي شيئاً.. (هيك كانوا الأعمام والأخوال).. فأذهب إلى أبي أشكو له حالي فيفهم، وينفح أخاه، على ضيق، ما يوفر دمعه، فيصلني منه خير.. لو حصل ما أفترضه، كلياً أو جزئياً، لكان العيد عيداً، ولعدت إلى يقيني بما قاله لي أحد حكماء الضيعة، وكان أمياً، ولكنه كان يقرأ كثيراً في دفاتر الناس والحياة، ويقول ونكتب عنه، قال : إن الكرم والبخل لا يرتبطان بالغنى والفقر، بل ربما كان قلة من الأغنياء كرماء، أي فقراء، وقلة من الفقراء بخلاء، أي أغنياء !!!

لو.. -3-
لو أن خالي جعفر، أقول عن خالي وعمي لأن الأخوال والأعمام صاروا أقل حباً لبنات وأبناء إخوتهم وأخواتهم وكذلك الأبناء مع والديهم. أما البنات فهنّ أفضل قليلاً من الأبناء في الحب لأهلهن رغم عدم إنصافهن وحرمانهن حتى من إرثهن المنصوص في القرآن في أغلب الحالات من دون أن تؤثر في ذلك موجة التدين السياسي والمذهبي… أما الأباء، والأمهات فسوف يبقون في مطارحهم لأنهم ليس في مقدورهم أن يفارقوها، لأنهم يفارقون أرواحهم إذا فارقوها.. لو أن خالي جعفر بن عباس حسن، لم نكن في الضيعة، زمان، نستخدم ألقابنا الأسرية أو العصبية ( فحص، نحال، حرب، أخضر، شبيب، بهجة الخ..) وكنت أنا مثلاً : هاني بن مصطفى حسن محمد.. وكفى ! لو أن خالي جعفر تحامل على نفسه ونهض من فراش مرضه، وجاء لمعايدة أمي، مزهواً بقميصه الـ(5500) السكري اللون Blond sal والمكوي.. وبنطاله الكحلي (السيلكا) معلناً أناقة الفلاح الذي تمدن في كركول الدروز في عاصمتنا بيروت.. ولكنه عندما عاد من المدينة بفعل الحرب.. نسيها، انتقم منها بالنسيان، لأنه علق عليها أحلامه، وأحب الفتاة الجامعية الأرثوذكسية الأرستقراطية جارته، وهو عامل بسيط وأصرت وأصر.. لولا أن أمه القوية أقنعته بأنه سوف يسبب كارثة لها ولعائلتها، فصرف النظر كما صرفته هي.. علق على بيروت أحلامه وسلوكه الوطني اللاطائفي بواسطة الحب، فهدمت الحرب التي هدمت المدينة، كل ما رآه وسمعه وعاشه وانتظره..
في القرية، بعد أن أصبح مزارعاً مربياً لشتول الزيتون والليمون والورد، ويرطن بأسماء أشجار الزينة، بالطلياني، تغيرت ألوان ثيابه وطرزها ونوعية قماشها، ولكنها ظلت تستر جسده، على نظافة لا يعتريها إلا شيء من طين أحمر يزيدها جمالاً وطهارة. وتذكِّره وتذكرنا (بالكاكي) الذي كان يرتديه سنوات شغله في فرن الحطب، لصاحبه الأبوي رياض رطيل، في المصيطبة حي اللجا، المختلطة على مشهد عميق للعيش المشترك، الذي لم يعد مشتركاً. وكانوا في فرن الحطب، يخبزون ويوزعون ويبيعون بأسعار محددة وثابتة، أرغفة خبز طازج، يأكلها الياس وجوزف الساعاتي (الصديق الحميم لكل العائلة) وعبد عمران الدكنجي، ومعروف من أهل بشامون، وعبد الحسين من ميفدون والكوا موفق حرب من سورية.. وهي، الأرغفة، مقمّرة تفوح منها رائحة القمح والحب..
لو أن خالي هذا نهض الآن مستنداً إلى كتف حفيدته أو كنّته، ونفحني نصف الليرة، التي كان ينفحني إياها في العيد، حتى نهاية دراستي الابتدائية، ثم رفعها إلى ليرة مع دخولي في صف (السيزييم) لمرة واحدة.. لو أنه نهض وفعل ما أحبه وأرجوه الآن أكثر من الماضي، لكنت على يقين، بأن العيد.. قد عاد..

4 – لو.. لا تلوي على شيء
أكاد أقطع، بل لقد قطعت منذ سنوات، ولم يحدث على مدى سنوات ما يهز قطعي، بل حدث ويحدث ما يؤكده.. بأن ما أريده لن يتحقق، على أني شديد الخوف والحذر من الوقوع في اليأس من رَوْح الله.. لأن ذلك كبيرة، تماماً كما هو الأمن من غضبه، وهذا لا يمس يأسي من روح البشر، أو طبقتنا السياسية، ورجال أدياننا، إلا ما قل وندر من السياسيين، وقلّ من رجال الدين من دون ندرة، ولكن الكثرة التي هي ( كغثاء السيل)، كما يصف رسول الله الكثرة التي هي كالأوشاب التي تظهر على سطح النهر وقت الأعاصير، وعلى سطح المجتمع وقت الفتن والحروب العامة.. والدينية خاصة، الكثرة العددية (المفوّتة) هي الفاعلة، وإن كانت أفعالها كلها ناقصة أو قاتلة.
وكيف يحصل.. أي كيف يعود العيد عيداً، وتبادلاً للتهاني والأماني القلبية من دون تكاذب، وقد هبطت السياسة هذه المرة، هبوطاً حاداً، على العلاقات الاجتماعية، على الأرحام والجيرة والزمالة والشراكة الخ.. على الرغم من أن منسوب التدين في الظاهر، قد تضاعف عدة مرات.. وقد كنا على قناعة بأن مزيداً من التدين والمعرفة بأحكام الشرع، لدى فرد أو جماعة، تعني مزيداً من الرحمة والتواصل والمودة والتسامح، ومزيداً من الكرم والعفة والنزاهة، فلماذا إذن هذا الجفاف، والقطيعة، والبخل، والغش، والنهب، والقسوة، والخوف على الدين أو المذهب أو الله.. وجميعهم بخير.. إلا نحن والوطن.. يبدو أن هذا الدين هو أمر يشبه الدين.. كيف لدين منسوب إلى الله ولا يمر إليه ولا يصل إلا من خلال الإنسان، أي إنسان، كل إنسان، أن يكون صحيح النسبة إلى الله والأنبياء والأئمة والرسل والقديسين والطوباويين، وهو لا يثمر محبة، بل ينمو وينتشر بالكراهية وينشرها !!!
أهكذا تفعل السياسة بالناس؟ هذا إذا صدقنا أن الطائفية سياسة وليست سوساً.. وها هي تنخر، حتى يصح القول بأن السياسة الطائفية أو الطائفية السياسية شوهت معنى السياسة والدين والشعر والربيع العربي والصحافة العربية والقنوات الفضائية وملابس الأطفال وحليبهم، عندما كنا نحب ونتبادل المحبة، كضرورة حياة، أخذاً وعطاءً، كنا ننقسم سياسياً، وفي مواسم زرع التبغ والقمح، تحت شمس واحدة وسماء واحدة، وقمر واحد في مجرة واحدة، يصبح الانقسام يوم انتخاب النائب أو المختار مادة للسمر أو وسيلة لنسيان التعب، كالعتابا والميجانا والشروقي.. لقد كثرت مساجدنا وكأنها مواقع للتدريب والتعليم على السجود لغير الله باسم الله.. كثرت مساجدنا وقلت جوامعنا، وهاجرت أعيادنا.. وإلا فلماذا هذا الشعور المتفاقم عاماً بعد عام بالجوع والعطش الروحي في شهر رمضان، حتى لتبدو مواسم العبادة، وكأنها مواعيد لعقوبات أكثر منها مناسبات رجاء.. أليس فاجعاً أن تصل مشاعر أهلنا إلى حد أن تسأل الصائمة، الجدة، بعد الصلاة، وسبحتها في يدها، تسأل حفيدها : يا ابني هذا المسجد الذي أُحرق لأي مذهب ؟.. وعندما عرفت أنه للمذهب الآخر.. لم تخف فرحها.. وقالت : عمرو ما يرجع!!
أما الأطفال الذين يكرهون آباءهم أو أمهاتهم لأنهم من المذهب الآخر أو الرأي الآخر في ذات المذهب فهم الكثرة الكاثرة في فضاءات المصاهرة المختلطة، التي كانت من أهم صمامات الأمان في حياتنا وأصبحت مصدراً من مصادر الخوف على الدين والدنيا، على الماضي والمستقبل، على الروح والجسد، على الوطن والدولة، على النطفة والجنين، والرضيع والفتى والفتاة، والطبيب والطبيبة، والأديب والأديبة، والتلميذ والمعلم، ورباط الزواج على الحب والخِصب…الخ.

اقرأ أيضاً: الشيخ والحرب.. (مع الاعتذار من همنغواي)

-5- لو.. صلاة..
في هذا العيد، الذي أسأل الله أن يعيده على الجميع، ولو بمقدار أقل من الحزن والغم والخوف واليأس والرعب والبغض والموت والفقر والغربة والهجرة والهجران والنزوح والبؤس والجهل، والانتصارات التي لا تشبه اإلا الهزائم، والهزائم التي تشبه المساخر.. أتخيل، وهذا من حقي، وليس ضد طائفتي، ولا غيرها، أني أصلي إماماً، صلاة العيد في جامع بلدتنا الترابي العتيق، وخلفي المأمومون الذين كنت إمامهم قبل وفاتهم، لعدة سنوات، وندمت على إيثاري للنضال السياسي، على إمامتهم.. أعني: أبو حسن جابر وأبو أمين وأحمد وحسين عطية وأبو علي نحال والحاج عبد الله، وذيب حيدر وعلي جفال وموسى درويش وكامل جواد والحاج خليل أخضر الخ.. وبعد الصلاة نذهب معاً في جولة لتفقّد المرضى والعجزة ثم نعود إلى منازلنا ندخن تبغاً بلدياً ونشرب شاياً ونتلقى التهاني ونعطي الصغار عيدية حلالاً.. قد تكون زهيدة.. والحب والدين والصوم والصلاة والعيد نوع لا كمّ.
أما وقد مضى رمضان، شهر الصوم الشامل، فقد حلّ الغزل، علماً بأننا في حوزة النجف، كنا يلذ لنا الشعر دائماً، ولكنه كان ألذّ ما يكون في شهر رمضان رغم أحاديث الكراهة، وكان الغزل في مباريات التقفية، سيد التلاوة، بعد القرآن ودعاء الافتتاح وزيارة قبر علي.. مع الشاي المهدّر أو المخدَّر، بالاستكانة المخصَّرة، أو المضمّرة من خصرها، المذهبة من فمها.. والمقطرةأو المثلثة في خمرتها (قليل من الشاي المكثف، إلى شيء أكثر من ماء فاتر صاف، إلى مزيج، تتراوح كثافاته وألوانه، بين الشدة حتىيصبح كأنه عقيق يماني، والخفة وكأنه عسل أشقر.. على حلاوة تامة، أو ممرورة، حتى تصبح المزازة إبداعاً ونشوة..
وغزل
” هذا السلاف أدام الله سكرته من الشفاه البخيلات اعتصرناه”
(بدوي الجبل)
” ولو أنت بكأسي خمرته.. وأنا.. وأُراق أنا، جَمَمُ….. لتخذتك فلكاً، وتبعثرني وأبعثرها النُجُمُ”
(سعيد عقل)
ولا إثم والله.. بل الإثم في هذا القتل بالرصاص أو الكلام أو الفتاوى. والإثم في هذا الحقد الذي ينمو كالفطر في حدائق الأديان ويطغى على وردها وقمحها..
أدعو إلى اصطناع الفرح واصطناع عيدنا بنكهته اللبنانية.. إلى أن نتمكن من صنع أعيادنا بوحدتنا وسلامنا.

(من كتاب “في وصف الحب والحرب”)

آخر تحديث: 13 نوفمبر، 2017 2:43 م

مقالات تهمك >>

ننصحكم >>